أمم تقرأ تاريخها .. وأمم تكتبه

كيف تجاوز يوم واحد عُمر صناعه..؟

للأوطان تقاويم مغايرة لا تشبه تقاويم البشر.. فقد تقاس أعمارها بالقرون، وقد تختزلها الأيام، وربما تصنع ليلة واحدة ما تعجز عنه عقود طويلة. فليست الأزمنة سواء، وإن تشابهت أيامها، وتساوت عدد ساعاتها؛ إذ يمضي بعضها عابرا كغيمة صيفية، تلوح ثم تنقشع، فلا تترك في الذاكرة سوى سطر يدون على هامش التاريخ.

محمود علام
رئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسي
بالهيئة الوطنية للإعلام

 

بينما تبقى أيام أخرى حية في وجدان الأمم، لا لأن الزمن توقف عندها، بل لأنها هي التي أوقفت الزمن لديها، ثم أعادته إلى السير في اتجاه جديد؛ حتى بدا وكأن التاريخ، منذ تلك الليلة، لم يعد يكتب الصفحة التالية.. بل بدأ كتابا جديدا.

لهذا يعود السؤال كلما أقبل الثالث والعشرون من يوليو: ما الذي يجعل يوما واحدا يعيش أكثر من سبعين عاما، بينما تهرول آلاف الأيام إلى صمت النسيان..؟

ليس الجواب أن ذلك اليوم شهد تغييرا في نظام الحكم، فالتاريخ عرف ثورات وتبدلات لا يكاد أحد يتذكرها إلا في طيات الكتب. وليس لأنه ارتبط بأسماء رجال صنعوا لحظة استثنائية؛ فالأسماء، مهما عظمت، تخضع في النهاية لسنة الحياة، أما الأيام التي تتجاوز أصحابها فسرها أنها تتحول إلى أفكار، والأفكار وحدها هي التي تعرف كيف تهزم الزمن.

ولذلك، فإن ما يخلد الأيام ليس ما يقع فيها من أحداث، بل ما تتركه من تحول في وعي الأمم. فالأيام العظيمة لا تكتفي بإعادة رسم خرائط السياسة، وإنما تعيد رسم خرائط الإدراك؛ تبدل الطريقة التي تنظر بها الشعوب إلى نفسها، وإلى قدرتها على الفعل، وإلى حدود الممكن.

ومن هنا، لا يعود التاريخ مجرد سرد لما جرى، بل يصبح سجلا للحظات غيرت نظرة الإنسان إلى نفسه قبل أن تغير الوقائع، وبدلت طريقة التفكير فتبدل معها الوعي الجمعي.

وعندما تبلغ أمة تلك اللحظة الفارقة، فإنها لا تستبدل صفحة بأخرى في كتابها، بل تمسك بالقلم من جديد، لتكتب سطورها بإرادتها. وهنا يكمن الفارق بين أمم اكتفت طويلا بقراءة ما كتبه الآخرون عنها، وأمم قررت أن تصوغ حكايتها بنفسها. فالتاريخ لا ينحاز إلى الأقوى فحسب، بل إلى من يمتلك شجاعة أن يكون صاحب روايته، لا مجرد شاهد عليها.

أما الأمم التي تكتفي بقراءة تاريخها، فتظل تفسر حاضرها بقرارات جاءت من خارج إرادتها، وتنتظر مستقبلها كما لو كان قدرا يملى عليها، فتغدو صفحات تاريخها سجلا لما فعل بها، لا لما صنعته بنفسها. أما الأمم التي تكتب تاريخها، فتدرك أن السيادة ليست شعارا يرفع، بل قدرة على الإمساك بالقلم الذي تكتب به الفصول الكبرى من عمر الوطن.

ولهذا، فإن اللحظات التي تخلد في ذاكرة الشعوب ليست تلك التي يتبدل فيها الحكام، وإنما تلك التي تنتقل فيها الأمة من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، ومن هامش السرد إلى متن الرواية.

ولم تكن مصر بعيدة عن هذا المفترق التاريخي. فلم يكن الثالث والعشرون من يوليو مجرد انتقال للسلطة، بل انتقالا في تعريف الدولة لنفسها. فقد كانت مصر، قبل منتصف القرن العشرين، تواجه أسئلة كبرى تتعلق بالسيادة، والعدالة، وبناء المؤسسات، وتحديد موقعها في عالم يموج بالتحولات. ولم تكن تلك الأسئلة تخص حكومة بعينها، بل كانت تخص الوطن كله.

وحين جاءت يوليو، لم تدع أنها امتلكت جميع الإجابات، لكنها أعلنت أن الإجابة يجب أن تكون مصرية، وأن القرار الوطني ينبغي أن يصدر من إرادة الوطن، لا من إملاءات الخارج ولا من حسابات غيره.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للأيام الخالدة؛ فهي لا تفرض على التاريخ أن يتوقف عندها، وإنما تمنحه اتجاها جديدا. لقد كانت يوليو إعلانا بأن مصر قررت أن تكتب فصلا جديدا من سيرتها بيدها، وأن تصبح صاحبة الكلمة في القضايا التي ترسم مصيرها. وهذا هو الفارق الجوهري بين وطن يكتب عنه، ووطن يكتب نفسه.

غير أن الليالي العظيمة لا تولد من فراغ، ولا تصنع التاريخ وحدها. فلم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو وليدة ليلة واحدة، ولم يكن البيان الأول الذي أذاعه البكباشي محمد أنور السادات عبر أثير الإذاعة المصرية ميلادها بقدر ما كان إعلانا عن ميلاد سبقته سنوات طويلة من المخاض الوطني. فقد سبقها وطن أثقلته وطأة الاحتلال، وأرهقته أزمات السياسة، وأضنته الفوارق الاجتماعية، حتى غدا التغيير ضرورة تاريخية، لا ترفا سياسيا، ولا خيارا يحتمل التأجيل.

وحين آن أوان تلك اللحظة، لم تأت الثورة لتستبدل رجالا بآخرين، بقدر ما جاءت لتبدل وجهة الدولة نفسها؛ فطوت صفحة من التبعية، وفتحت أخرى عنوانها الإرادة الوطنية.

ومن هنا انطلقت قرارات أعادت رسم ملامح المجتمع؛ صار الفلاح أكثر التصاقا بأرضه، والعامل شريكا في مشروع البناء، وتحول الاستقلال من أمنية ترددها الخطب إلى مشروع دولة تترجمه السياسات.

ولم تكن تلك التحولات غاية في ذاتها، بل كانت التعبير العملي عن فكرة أكبر، مفادها أن الوطن قد قرر، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أن يكتب فصول حكايته بقلمه، لا أن يكتفي بقراءة ما يكتبه الآخرون عنه، ومن هنا، لم تكن القرارات التي أعقبت يوليو سوى الترجمة العملية لذلك التحول.

ولعل أعظم ما يميز التجارب الكبرى أنها لا تختزل في قراراتها، بل فيما تتركه من أثر في الوعي العام. فالإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم، وبناء القاعدة الصناعية، وتأميم قناة السويس، لم تكن مجرد سياسات منفصلة، بل تعبيرات متعددة عن فكرة واحدة؛ أن الدولة ليست مراقبا للأحداث، وإنما شريكا في صناعتها، وأن المستقبل لا ينتظر حتى يأتي، بل يبنى بإرادة واعية، وخطط واضحة، وعمل لا يعرف اليأس.

لم تكن تلك الانطلاقة وليدة اندفاع عاطفي، بل كانت استجابة لضرورة وطنية ملحة، واعترافا بأن سيادة القرار لا تكتمل إلا بامتلاك مفاتيح القوة الاقتصادية. ففي ظل مجتمع أثقلته فجوات التفاوت الاجتماعي، سعت الثورة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الوطن وموارده؛ إذ لم تكتف ب قوانين الإصلاح الزراعي التي أطلقت طاقات الفلاح المصري، بل دشنت نهضة صناعية كبرى، انطلقت من مجمعات الحديد والصلب إلى صروح الغزل والنسيج، في محاولة جادة لنقل مصر من اقتصاد يعتمد على ما تجود به الأرض، إلى دولة تبني ذاتها بآلاتها وعرق أبنائها.

لقد كان هذا التحول الاقتصادي هو "الظهير المادي" للقرار السياسي، حيث أدرك صناع تلك المرحلة أن الاستقلال ليس مجرد شعار يرفع في المحافل، بل هو قدرة على تحويل الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى قوة تضمن للوطن استقلالية مساره، ذلك المسار التنموي الذى امتد فيما بعد إلى بناء السد العالي.

غير أن أثر يوليو تجاوز حدود الجغرافيا المصرية. فقد وجدت شعوب عربية وإفريقية في التجربة المصرية دليلا على أن الاستقلال ليس حلما مستحيلا، وأن الإرادة الوطنية قادرة على أن تفتح أبوابا ظنها الناس موصدة.

ولم يكن التأثير في التفاصيل، بقدر ما كان في الفكرة نفسها؛ فكرة أن الشعوب تستطيع أن تكتب تاريخها، لا أن تظل حاشية في بلاط تاريخ الآخرين.

إلا أن عظمة الأحداث لا تعني عصمتها من المراجعة. فالأمم الواثقة لا تخشى أن تنظر إلى تجاربها بعين ناقدة، لأن النقد ليس خصما للوفاء، بل أحد أشكاله الراقية.

والتاريخ لا يقرأ ليمنح صكوك البراءة، ولا ليصدر أحكام الإدانة، وإنما ليمنح الأجيال فرصة لفهم الطريق الذي سارت فيه أوطانها؛ أين أصابت، وأين تعثرت، وكيف استطاعت أن تواصل المسير رغم ما واجهته من تحديات.

ولذلك فإن الاحتفاء بيوليو لا ينبغي أن يكون احتفاء بلحظة مضت، وإنما احتفاء بقدرة الوطن على أن يراجع نفسه كلما احتاج إلى ذلك. فالأمم التي تتوقف عن مراجعة مسيرتها، تتوقف عن صناعة مستقبلها، أما التي تمتلك شجاعة التقييم، فإنها تمنح كل جيل فرصة ليضيف سطرا جديدا إلى كتاب الوطن، دون أن يمزق صفحاته السابقة.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية ليوليو لا تكمن في أنها أجابت عن أسئلة خمسينيات القرن الماضي فحسب، وإنما في أنها علمتنا أن لكل زمن أسئلته، وأن لكل جيل معركته، وأن الأوطان لا تحيا بتكرار الإجابات القديمة، بل بامتلاك الشجاعة الكافية لطرح الأسئلة الجديدة، ومن ثم الإجابة عليها.

ولعل معركة الأمس خاضت غمار الاستقلال والسيادة. أما معارك اليوم، فهي تعزيز جيش وطني قوي قادر على الردع بتحديث قدراته، بناء اقتصاد ينافس، توطين صناعات متقدمة وتكنولوجيا، خوض غمار العوالم الرقمية، وبناء وعي إنسان قادر على مواكبة عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

وقد تختلف الأدوات، وتتبدل الأولويات، لكن الثابت هو أن الوطن لا يستطيع أن يكتب فصله الجديد إلا إذا امتلك الإرادة ذاتها التي جعلته يوما يقرر أن يكون صاحب القصة، لا مجرد أحد شخوصها.

ومن هنا نفهم لماذا تعيش بعض الأيام أكثر من سبعين عاما.

إنها لا تعيش لأنها محفوظة في الذاكرة، بل لأنها تتحول إلى معيار نقيس به قدرتنا على صناعة الغد. فالأيام العظيمة لا تطلب من الأجيال أن تعيد تمثيلها، وإنما أن تستلهم معناها. ولا تدعوها إلى الوقوف طويلا أمام الأمس، وإنما إلى الانطلاق منه نحو المستقبل.

ولعل هذا هو السر الذي يجعل الثالث والعشرين من يوليو حاضرا في الوجدان الوطني حتى اليوم. فهو ليس مجرد تاريخ في الروزنامة، ولا صفحة في كتاب، ولا خطابا ألقاه رجال ثم انقضى صداه؛ بل هو تذكير دائم بأن الأمم التي تعرف كيف تمسك بقلمها، لا تسمح لأحد أن يكتب عنها مستقبلها. وأن الوطن الذي امتلك شجاعة أن يكتب سيرته ذات يوم، يظل مطالبا في كل عصر بأن يواصل كتابة تلك السيرة، فصلا بعد فصل.

فالذين يكتبون تاريخهم، لا يورثون أبناءهم ذكريات فحسب .. بل يورثونهم حق أن يواصلوا الكتابة.

وهكذا تبقى مصر ... صاحبة الحكاية، وكاتبة التاريخ.

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام

المزيد من مقالات

لماذا يصعب أن نرى عيوبنا بالوضوح نفسه؟

من السهل أن نلاحظ أن شخصا يقاطع الآخرين أثناء الحديث، أو يبالغ في الدفاع عن رأيه، أو يتسرع في الحكم...

أمم تقرأ تاريخها .. وأمم تكتبه

للأوطان تقاويم مغايرة لا تشبه تقاويم البشر.. فقد تقاس أعمارها بالقرون، وقد تختزلها الأيام، وربما تصنع ليلة واحدة ما تعجز...

حكاية بيت المساجيري وفيلم "ابن حميدو"

"بيت المساجيري" الذى صور به فيلم " ابن حميدو" للفنان "إسماعيل ياسين" يُعتبر علامة فاصلة في تاريخ محافظة السويس "المحافظة...

هل تتذوق الرئة سمومها ؟

نتحدث اليوم عن ثورة علمية في المناعة التنفسية .. هل تتذوق الرئة سمومها وكيف تعمل الأهداب التنفسية ودور الذكاء الإصطناعي...


مقالات

أمم تقرأ تاريخها .. وأمم تكتبه
  • الخميس، 23 يوليو 2026 09:48 ص
حكاية بيت المساجيري وفيلم "ابن حميدو"
  • الأربعاء، 22 يوليو 2026 10:00 ص
هل تتذوق الرئة سمومها ؟
  • الثلاثاء، 21 يوليو 2026 01:00 م
هل الذكاء الاصطناعي يتجسس علينا؟
  • الإثنين، 20 يوليو 2026 01:00 م