ليالي المونديال وأقدارها الخفية

بين سدنة التاريخ والحالمين الجدد

في رقعة المونديال، تتدحرج الكرة فوق البساط الأخضر، ومعها خرائط النفوذ، وذاكرة الأمم، وأحلام المدن التي قطعت دروب التصفيات، حتى وجدت نفسها في قلب الحكاية الكبرى، بعدما زحفت من أطراف الخريطة، مدركة أن المونديال لا يمنح زائريه ترف تكرار الفرص للمرور من هنا، لذا، فهي تدرك أن الأحلام قد لا تطرق بابها في كل حين، وأن الوداع المبكر هو أقصى ما تخشاه في تلك الليالي.

محمود علام
رئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسي
بالهيئة الوطنية للإعلام

 

في هذا المحفل، لا تقاس الفوارق بين المتنافسين بعدد النجوم المطرزة على القمصان، ولا بحجم خزائن الكؤوس، بل تختزل في المسافة الزمنية الهشة بين عزف السلام الوطني وصافرة النهاية؛ هناك، فوق هذه اللوحة المستطيلة، تتساوى الأحلام رغم تباين السير الذاتية، وتتلاقى الإمبراطوريات العتيقة مع الحالمين الجدد، في انتظار أن تدلي الدقائق بكلمتها الأخيرة.

وفوق هذا المسرح، لا تكتظ المدرجات بجماهير الفريقين وحدها، بل ثمة متفرج ثالث، دائم الحضور، لا يغيب عن أي نسخة. يتسلل بين الأعلام، والأهازيج، والوجوه المطلية بالألوان، يجلس في صمت مريب، يراقب المشهد بصبر من يدرك أن دوره آت.

وحين تبلغ الإثارة ذروتها، يهبط من منصات المتفرجين إلى أرض الميدان؛ يبدل مسارات الحكايات، يبعثر أوراق التوقعات، ويعيد توزيع الأدوار بين من أثقلهم التاريخ، ومن لم يحملوا في جعبتهم سوى الحلم .. إنه " عنصر المفاجأة" .. البطل الخفي الذي لا يغيب.

ولعل هذا هو السحر الذي يميز كأس العالم عن سائر البطولات؛ ففيه لا يسمح للتاريخ بأن يستريح إلى أمجاده ، بل يضطر إلى الزود عن نفسه كل جولة، أمام من لا يملكون سوى إيمانهم بأن الأحلام العظيمة لا تستأذن أحدا في التحقق، وأن الطريق إلى المجد لا يبدأ من قلب الإمبراطوريات، بل قد يبدأ من أطراف الخريطة.

مونديال يأبى الطاعة

حتى اللحظة، عبرت إلى الدور المقبل منتخبات تعرف جيدا ملامح المواعيد الكبرى، لكنها عبرت وهي تدرك أن أسماءها وحدها لم تعد كافية لفتح الأبواب الموصدة.

فها هي البرازيل، سيدة الكؤوس الخمس، في اختبار بالغ القسوة أمام "محاربي الساموراي". فلم تأت اليابان لتؤدي دور الضيف المهذب في الحفل، بل جاءت وهي تحمل ذاكرة قارة بأكملها اعتادت الوقوف طويلا أمام البوابة العظمى دون أن يفتح لها.

ركضوا خلف كل كرة، ضغطوا على كل شبر، نالوا من هيبة العمالقة، حتى غابت ألحان "السامبا" عن مسرح الشوط الأول.

غير أن التفاصيل الصغيرة، وخبرة اللحظات الفارقة، والقراءة الهادئة للمجريات، جعلت "أنشيلوتي" يعود بالبرازيل إلى طريقها المعتاد. وإن كانت قد انتصرت في النهاية، غير أن النتيجة تركت خلفها سؤالا كبيرا: كم بقي من المسافة لتقطعها الكرة الآسيوية حتى تقتحم قلاعا ظلت لعقود حكرا على الكبار..؟

وفي مكان آخر من الخريطة، مضت الديوك الفرنسية بثقة من يحفظ دروب الأدوار النهائية، متجاوزة أحفاد "الفايكينج" السويديين بهدوء القوى العتيقة، التي اعتادت السكن في الأدوار المتقدمة، بينما شقت النرويج طريقها ببرودة الشمال وصلابته بعد تجاوز "أفيال" ساحل العاج، ونجحت المكسيك في إبقاء نبض الجماهير المضيفة متقدا بالأمل بعد عبورها لحواجز الإكوادور.

لم تكن كندا استثناء في هذا المونديال، فقد واصلت كتابة فصول حكايتها حين تجاوزت عناد منتخب "البافانا بافانا" الجنوب إفريقي، بشجاعة من يدرك أن المونديال لا يمنح الفرص مرتين. وعلى الرغم من أن المسيرة قد حملت المنتخب بعيدا عن أجوائه المألوفة بعد أن تمتعت بميزة الأرض في دور المجموعات ،إلا أن هذا التغيير لم يزد الكنديين إلا إصرارا.

لقد أدركوا أن الطريق إلى الدور التالي لا يبتسم إلا لمن يملك القدرة على الاحتمال. وحينما أثمرت تلك المحاولات عن الهدف الوحيد، كان شهادة نجاة انتزعت بصعوبة من بين أنياب مواجهة رفضت الانصياع للتوقعات، لتؤكد كندا أن طموحها أكبر من مجرد استضافة.

أما باراجواي، فقد خاضت غمار المواجهة بشجاعة من لا يخشى الخسارة، مدركة أن العالم بأسره كان ينتظر سقوطها؛ وربما لهذا السبب نجحت في عبور عقبة ألمانيا، تلك التي اعتادت المواعيد الكبرى، وألفت طريق النهائيات، وحملت إرثا ثقيلا من الانتصارات.

لكن المونديال، كعادته، لا يمنح أحدا حق الاحتماء بالماضي طويلا؛ ففي واحدة من أكثر ليالي البطولة صخبا ودهشة، أجبرت الماكينات الألمانية على إيقاف محركاتها، وهنا، اكتشف الألمان: أن التاريخ قد يمنح صاحبه الهيبة والحضور، لكنه حين تحين لحظة الحقيقة، لا يملك أن يسدد عنه الركلات.

وفي الجهة الأخرى من الأطلسي، واصل المغرب كتابة الرسالة التي بدأ أسطرها في الدوحة؛ رسالة تقول إن ما حدث هناك لم يكن ومضة عابرة، بل بداية زمن جديد. وبعد ملحمة امتدت حتى ركلات المعاناة الترجيحية، أجبر "أسود الأطلس" الطواحين الهولندية على توديع المشهد مبكرا، ليواصلوا رفقة منتخبي مصر والجزائر حمل الحلم العربي والإفريقي لا كضيوف على موائد الكبار، بل كأنداد يجلسون إليها.

وهكذا، لم تعد المفاجأة في المونديال زائرا عابرا، بل جزءا من النظام نفسه؛ غادرت ألمانيا، واكتشفت هولندا أن الإرث لا يمنح حصانة ضد الرحيل، فبينما اهتزت ثقة العمالقة، راحت المنتخبات الحالمة تضيق المسافات بين المركز والهامش، حتى قررت كرة القدم إعادة رسم الجغرافيا التي عرفناها دهرا، وأصبح الحلم نفسه أحد أكثر أسلحة اللعبة فاعلية وسطوة.

من يغازلون الخلود بالأهداف

وفي زاوية أخرى من زوايا البطولة، يدور سباق آخر أكثر هدوءا وأشد قسوة؛ سباق لا يركض فيه المهاجمون خلف التاريخ، ذاك المؤرخ العجوز الذي اعتاد تدوين الأرقام وحراسة الذاكرة المونديالية.

فحتى اللحظة، يتربع الأسطورة "ليونيل ميسي" على عرش المشهد، بعدما واصل هوايته في مصادقة الشباك، رافعا رصيده إلى تسعة عشر هدفا في ست مشاركات متعاقبة، ليضع نفسه على قمة الهرم التهديفي للبطولة، فاتحا لنفسه بابا جديدا للخلود الكروي.

ويركض خلفه مباشرة "كيليان مبابي" ليواصل مطاردته بخطوات الواثق، الذي يعي جيدا أنه قد اعتلى المسرح الذي يقدم عليه أجمل عروضه، بعدما بلغ هدفه الثامن عشر، ليفاوض الفتى الفرنسي الزمن على مقعد مبكر في قاعة الأساطير.

أما الحضور العربي، فله ملامحه المضيئة التي لا تخطئها العين؛ فقد نجح محمد صلاح في كتابة فصل جديد من الحكاية المصرية، رافعا رصيده إلى ثلاثة أهداف مونديالية، ليصبح الهداف التاريخي لمنتخب الساجدين في البطولة، رقم يظل مفتوحا على أمل الزيادة بمشيئة الله مع استمرار الرحلة.

وفي الجهة المقابلة، يواصل المغربي إسماعيل الصيباري طرق أبواب التاريخ، بعدما بلغ هدفه الثالث، وبات على بعد خطوة واحدة من معادلة الرقم المغربي المسجل باسم يوسف النصيري.

إن كل هدف في البطولة يحمل عمرا أطول من عمر المباراة نفسها، وكل كرة تعانق الشباك هي أيقونة تسكن مقعد دائم في الذاكرة لعقود.

رايات وآمال عربية

رغم أن الحضور قد تقلص من ثمانية منتخبات حملت في حقائبها أحلام الملايين، إلا أن ثلاثة "فرسان" ما زالوا يواصلون رحلة الحكاية: مصر، المغرب، والجزائر. فالرايات الثلاث المتبقية تواصل المسير، رافضة أن تكتفي بدور المشاهد في الفصول المتبقية.

وبينما يواصل المغرب رحلته المضيئة، وتستعد الجزائر لموعدها التالي، تتجه الأبصار المصرية والعربية بشغف يغمره الرجاء نحو "الفراعنة" في مواجهتهم المرتقبة أمام "الكانجارو" الأسترالي. لا تبحث الجماهير عن معجزة من المستحيل، فالمونديال هو سلسلة من اللحظات التي يقرر فيها لاعب، أن يعيد كتابة الرواية.

كل ما نرجوه هو أن يرى العالم ذلك المنتخب الذي يزداد شموخا كلما كبرت التحديات، ذلك الذي يتحول فيه القميص الأحمر إلى ذاكرة حية تجوب المستطيل الأخضر، حكاية تمتد من ضفاف النيل لتصل إلى قلوب الملايين في كل أصقاع الأرض. فالمباراة المقبلة هي فرصة ذهبية لصفحة جديدة من المجد، ليؤكد اللاعبون أنهم يحملون أمانة أحلام أمة كاملة.

وربما تبدو المواجهة على الورق مجرد مباراة، لكنها أكثر من ذلك في القلوب؛ إنها موعد مع الفرح، ولحظة ستجلس فيها القاهرة، وكل العواصم العربية في مدرج واحد، تنتظر اللحظة التي تنفجر فيها الحناجر هتافا باسم الفرح.

فكونوا كما عهدناكم في ليالي التحديات ؛ شجعانا لا يرهبكم منافس، واثقين بأن الطريق إلى القمم كثيرا ما يبدأ بخطوة جريئة لا يملك شرف الإقدام عليها إلا المؤمنون بقدرتهم على صناعة الفارق.

واعلموا أن أحدا لا يدخل المونديال محصنا ضد التاريخ، كما أن أحدا لا يغادره سريعا إذا امتلك شجاعة الحلم. وإن كان هذا المحفل العتيق لا يزال يمارس عادته في توزيع الأدوار؛ يهدم يقينيات هناك، ويشيد أساطير هنا، إلا أنه مسرح واسع للأحلام التي تمتلك الجرأة الكافية كي تتحول إلى واقع.

إن القلوب معكم، و الأكف ترفع لكم .. فاسكنوا البيت، واجلسوا إلى موائد الكبار، وتمسكوا بالحلم، واكتبوا أسماءكم في دفاتر المجد، وارفعوا راية مصر عاليا، وأعيدوا صياغة التاريخ بأقدام لا تعرف الكلل، وقلوب لا تعرف الخوف، وإرادة لا تلين.

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام
محمود علام

المزيد من مقالات

ليالي المونديال وأقدارها الخفية

في رقعة المونديال، تتدحرج الكرة فوق البساط الأخضر، ومعها خرائط النفوذ، وذاكرة الأمم، وأحلام المدن التي قطعت دروب التصفيات، حتى...

اقتصاد على حافة التحول... هل تقود الديون العالم إلى أزمة جديدة؟

ليست كل الأزمات الاقتصادية تولد من داخل الأسواق، كما أن الانهيارات الكبرى لا تبدأ دائمًا بانهيار بنك أو إفلاس مؤسسة...

الإخوان والآثار: فكر مضلل، تدمير، وتجاهل فى الدستور

فى ذكرى احتفال مصر والمصريين بثورة 30 يونيو المجيدة نرصد بصمات الفكر التدميرى والمضلل أيام الإخوان التى انعكست على الآثار...

المصلحة الفضلى للطفل... البوصلة الهادئة لتشريعات الأسرة

في قلب كل أسرة طفل يرى العالم من خلال من يحبهم، ويستمد إحساسه بالأمان من استقرار علاقته بهم، وتنعكس القرارات...