لم تعد الثروة تبحث عن أقرب ميناء أو أكبر حقل نفطي، بل عن أسرع مسار للبيانات وأقوى بنية رقمية. وبينما ينشغل العالم بصراعاته التقليدية، تتشكل في العمق جغرافيا اقتصادية جديدة، قد تعيد توزيع مراكز النمو والنفوذ خلال العقد المقبل.
نهال الشافعيماجستير علوم سياسية واستراتيجيةرئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية
حين أعادت البيانات رسم خرائط الاقتصاد العالمي
لم تبدأ التحولات الكبرى في الاقتصاد العالمي يومًا من داخل الأسواق، بل من تغير الطرق التي تتحرك عبرها الثروة. فحين انتقلت التجارة من البر إلى البحر، تغيرت موازين القوى، وصعدت إمبراطوريات وسقطت أخرى. وحين أصبح النفط عصب الصناعة، أعاد العالم رسم خرائط النفوذ حول حقوله وممراته. أما اليوم، فلا يبدو أن الثروة تبحث عن ميناء جديد أو حقل طاقة آخر، بل عن مسار مختلف تمامًا؛ مسار يمر عبر الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، وشبكات الذكاء الاصطناعي.
هذه هي الجغرافيا التي لا تظهر على الخرائط التقليدية، لكنها باتت ترسم خرائط الاقتصاد العالمي بصورة أكثر تأثيرًا من كثير من الحدود السياسية.
فالقيمة الاقتصادية لم تعد تنتقل داخل الحاويات والسفن فحسب، وإنما عبر مليارات حزم البيانات التي تعبر القارات في أجزاء من الثانية، حاملة معها المعاملات المالية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ومن هنا، لم يعد السؤال الاقتصادي الأهم يتعلق بمكان استخراج الموارد، وإنما بمكان إنتاج القيمة.
لهذا السبب، لم يعد القلق الأوروبي محصورًا في المنافسة الصناعية أو التجارية، بل امتد إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تحافظ القارة على موقعها في اقتصاد عالمي أصبحت فيه مراكز البيانات، والرقائق الإلكترونية، والبنية الرقمية، عناصر إنتاج لا تقل أهمية عن رأس المال والعمل والطاقة؟
ولهذا أطلقت المفوضية الأوروبية في يونيو 2026 حزمة جديدة لتعزيز ما تسميه "السيادة التكنولوجية"، شملت تحديث استراتيجية الرقائق الإلكترونية، وتطوير منظومة الذكاء الاصطناعي، وتعزيز البنية الرقمية الأوروبية.
وتشير تقديرات المفوضية إلى أن أوروبا ستحتاج إلى استثمارات تقترب من 200 مليار يورو لتوسيع قدرات مراكز البيانات، ونحو 100 مليار يورو إضافية لدعم منظومة الذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية خلال السنوات المقبلة، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه القارة في سباق الاقتصاد الرقمي.
أوروبا واختبار الاقتصاد الرقمي
لكن المفارقة أن هذه الجهود الأوروبية لا تعكس أزمة تكنولوجية بقدر ما تعكس تغيرًا في طبيعة الاقتصاد العالمي نفسه. فخلال العقدين الماضيين، كانت الشركات تتنافس على الوصول إلى الأسواق والمواد الخام، أما اليوم فهي تتنافس على الوصول إلى البيانات، والقدرات الرقمية، والطاقة اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية القادرة على نقل هذه البيانات بسرعة وكفاءة.
لقد أصبحت البيانات أصلًا اقتصاديًا، بينما تحولت البنية الرقمية إلى ما يشبه السكك الحديدية التي حملت الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر.
وفي هذا السياق، تبدو أوروبا واقفة في منطقة وسطى بين قوتين تمتلك كل منهما عناصر تفوق مختلفة. فالولايات المتحدة تواصل تعزيز هيمنتها على تقنيات الذكاء الاصطناعي، والشركات التكنولوجية العملاقة، ورأس المال الاستثماري القادر على تحويل الابتكار إلى عائد اقتصادي عالمي.
أما الصين، فقد بنت خلال السنوات الماضية نموذجًا مختلفًا يقوم على التصنيع واسع النطاق، والاستثمارات الضخمة في البنية الرقمية، وشبكات الاتصالات، وربطها بمشروعاتها الاقتصادية العابرة للحدود.
وبين الطرفين، تجد أوروبا نفسها مطالبة بإثبات أن التنظيم وحده لا يصنع الريادة، وأن التشريعات لا تكفي إذا لم تتحول إلى استثمارات وقدرات إنتاجية.
غير أن قراءة هذا المشهد من زاوية أوروبية فقط تُغفل تحولًا أكثر عمقًا. فالمنافسة الحقيقية لم تعد تدور حول من ينتج التكنولوجيا فحسب، بل حول المكان الذي ستستقر فيه دورة إنتاج القيمة الاقتصادية الجديدة.
وهنا يبرز الشرق الأوسط بوصفه أحد أبرز المستفيدين المحتملين من إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية العالمية.
ولسنوات طويلة، ارتبطت أهمية المنطقة بامتلاكها مصادر الطاقة أو إشرافها على الممرات البحرية التي تنقل التجارة العالمية.
أما اليوم، فقد أضيف إلى هذه المزايا عنصر جديد لا يقل أهمية، يتمثل في موقعها على تقاطع أهم شبكات الكابلات البحرية التي تربط آسيا بأوروبا وأفريقيا.
وتزداد أهمية هذه الشبكات اذا ما علمنا أن الكابلات البحرية تنقل نحو 99% من حركة البيانات والاتصالات الدولية، ما يجعلها العمود الفقري الحقيقي للاقتصاد الرقمي العالمى.
وبذلك، لم تعد هذه الكابلات مجرد بنية تحتية للاتصالات، بل أصبحت شرايين يحمل عبرها الاقتصاد العالمي بياناته وخدماته ومعاملاته.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فبينما كان النفط هو العامل الذي منح الشرق الأوسط ثقله في القرن العشرين، قد تصبح البيانات العامل الذي يمنحه دورًا اقتصاديًا مختلفًا خلال العقود المقبلة.
فمراكز البيانات لا تبحث فقط عن الموقع الجغرافي، وإنما عن مزيج يجمع بين الطاقة، والربط الدولي، والاستقرار، وسهولة الوصول إلى الأسواق. وهي عناصر بدأت تتوافر تدريجيًا في عدد من دول المنطقة، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى وجهة رئيسية للاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والبنية الرقمية.
حين تتغير قواعد إنتاج الثروة
تكمن إحدى أكثر المغالطات شيوعًا في اختزال الثورة الرقمية في الذكاء الاصطناعي أو التطبيقات الذكية، بينما تشير التحولات الجارية إلى أن التغيير الأعمق يحدث في الجغرافيا الاقتصادية نفسها. فكل ثورة تكنولوجية كبرى أعادت، في نهاية المطاف، توزيع مراكز الثروة والنفوذ.
وما نشهده اليوم ليس استثناءً، بل بداية دورة اقتصادية جديدة تنتقل فيها القيمة إلى حيث تتوافر أربعة عناصر مجتمعة: الطاقة، والبنية الرقمية، والاتصال العالمي، والموقع الجغرافي.
ولذلك، لم تعد المنافسة على إنشاء مراكز البيانات أو استضافة تطبيقات الذكاء الاصطناعي مجرد سباق تقني، بل أصبحت سباقًا على جذب الاستثمارات، وتوطين الصناعات الرقمية، والتحكم في مسارات الاقتصاد العالمي.
فكل مركز بيانات عملاق يجذب حوله منظومة متكاملة من الشركات، والخدمات، ورؤوس الأموال، والوظائف عالية المهارة، بما يجعله أشبه بالموانئ الكبرى التي كانت تستقطب النشاط التجاري في القرون الماضية.
ومن هنا، فإن تباطؤ بعض الاستثمارات الرقمية في أوروبا لا يمثل تحديًا تكنولوجيًا فحسب، بل يثير تساؤلات حول قدرة القارة على الحفاظ على موقعها كمركز لإنتاج القيمة الاقتصادية، في وقت تتجه فيه الاستثمارات العالمية بوتيرة متسارعة نحو مناطق تمتلك مزايا تنافسية جديدة.
الشرق الأوسط... من معبر للطاقة إلى معبر للقيمة
قد يكون التحول الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو أن الشرق الأوسط لم يعد يُنظر إليه باعتباره خزانًا للطاقة فقط، بل باعتباره منصة جغرافية قادرة على ربط الأسواق الرقمية العالمية. فالموقع الذي منح المنطقة أهميتها في تجارة النفط، يمنحها اليوم ميزة مختلفة في اقتصاد البيانات.
وليس من قبيل المصادفة أن تشهد المنطقة سباقًا متسارعًا لإنشاء مراكز بيانات عملاقة، واستقطاب استثمارات الذكاء الاصطناعي، وتطوير البنية الرقمية. فدول الخليج، على سبيل المثال، لا تنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها قطاعًا اقتصاديًا جديدًا فحسب، بل باعتبارها ركيزة أساسية لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية.
وفي الوقت نفسه، تتنافس كبرى الشركات العالمية على تعزيز حضورها في المنطقة، إدراكًا منها أن مستقبل الاقتصاد الرقمي لن يُصنع داخل الاقتصادات التكنولوجية الكبرى وحدها، بل أيضًا في المناطق القادرة على ربط الأسواق العالمية ببعضها البعض.
وهكذا، يتحول الشرق الأوسط تدريجيًا من منطقة تعبرها ناقلات النفط إلى منطقة تعبرها القيمة الاقتصادية الرقمية.
مصر... ورهان "قناة السويس الرقمية"
إذا كان الموقع الجغرافي أحد أهم عناصر الاقتصاد الجديد، فإن مصر تمتلك ميزة يصعب تكرارها. فمنذ أكثر من قرن ونصف، أعادت قناة السويس تشكيل حركة التجارة العالمية، أما اليوم، فإن الكابلات البحرية التي تمر عبر الأراضي والمياه المصرية تمنح الدولة دورًا مختلفًا في اقتصاد يعتمد على تدفق البيانات بالقدر نفسه الذي يعتمد فيه على تدفق البضائع.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن ما يقارب 17% من حركة الإنترنت العالمية يمر عبر المسار المصري والبحر الأحمر، فيما تستضيف مصر نحو 20 كابلًا بحريًا دوليًا بين عامل وقيد الإنشاء، وهو ما يمنحها واحدًا من أهم مواقع العبور الرقمي على مستوى العالم.
لكن هذه الميزة، على أهميتها، لا تكفي وحدها. فالجغرافيا تمنح الفرصة، لكنها لا تضمن الاستفادة منها. والمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاكتفاء بدور الممر إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة تشمل مراكز بيانات إقليمية، وبنية رقمية متطورة، وتشريعات جاذبة للاستثمار، وتأهيل كوادر قادرة على قيادة الصناعات الرقمية. عندها فقط يمكن لمصر أن تتحول من نقطة لعبور البيانات إلى مركز لإنتاج الخدمات الرقمية وتصديرها.
وهنا يكتسب مفهوم "قناة السويس الرقمية" دلالة أعمق؛ فهي ليست مشروعًا موازيًا للقناة، وإنما رؤية اقتصادية تقوم على استثمار الموقع الجغرافي في صناعة القيمة المضافة، تمامًا كما أسهمت قناة السويس في ترسيخ مكانة مصر في التجارة العالمية.
هل تفقد أوروبا مركز الثقل الاقتصادي؟
من هذا المنظور، لا تبدو أوروبا في مواجهة خسارة حتمية، لكنها تواجه معادلة مختلفة. فالقارة ما زالت تمتلك جامعات رائدة، وقاعدة صناعية قوية، وشركات مبتكرة، وأطرًا تنظيمية متقدمة. غير أن الاحتفاظ بهذه المزايا يتطلب تسريع وتيرة الاستثمار في البنية الرقمية، وربط الابتكار بالإنتاج، وتحويل مفهوم "السيادة الرقمية" من شعار سياسي إلى قدرة اقتصادية حقيقية.
وفي المقابل، فإن صعود الشرق الأوسط لا يعني تراجع أوروبا، بقدر ما يعكس انتقال الاقتصاد العالمي إلى مرحلة أكثر تعددًا في مراكز إنتاج القيمة، حيث لم تعد الثروة حكرًا على منطقة بعينها، ولم تعد التكنولوجيا حكرًا على قوة واحدة.
ربما لن يكون السؤال الاقتصادي الأهم خلال العقد المقبل: من يملك أكبر احتياطي من النفط؟ بل: من يمتلك أفضل بيئة لإنتاج القيمة الرقمية؟ فالعالم لا يشهد ثورة تكنولوجية فحسب، بل إعادة توزيع لمراكز الثروة، والاستثمار، والنفوذ.
وفي هذه الجغرافيا الجديدة، لم تعد الكابلات البحرية مجرد بنية تحتية للاتصالات، ولا مراكز البيانات مجرد منشآت تقنية، بل أصبحت أصولًا اقتصادية واستراتيجية تعادل في أهميتها الموانئ، وخطوط الملاحة، وحقول الطاقة. ولهذا، فإن المنافسة الدائرة اليوم بين أوروبا والولايات المتحدة والصين تتجاوز سباق الابتكار إلى سباق أعمق على تحديد أين سيُصنع اقتصاد المستقبل، وأين ستُخلق القيمة، وأين ستتركز الاستثمارات.
ولعل المفارقة الأهم أن الشرق الأوسط، الذي ارتبط اسمه لعقود بالنفط والجغرافيا السياسية، يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة تعريف دوره في الاقتصاد العالمي. "فإذا نجح في تحويل موقعه الجغرافي إلى ميزة اقتصادية، وتطوير بنيته الرقمية، والاستثمار في رأس المال البشري، فلن يكون مجرد ممر يربط بين الشرق والغرب، بل نقطة ارتكاز في الاقتصاد العالمي الجديد، حيث لم تعد الثروة تُقاس فقط بما يُستخرج من باطن الأرض، وإنما أيضًا بما يُنتج من بيانات، وما يمر عبر الشبكات الرقمية."
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم تعد الثروة تبحث عن أقرب ميناء أو أكبر حقل نفطي، بل عن أسرع مسار للبيانات وأقوى بنية رقمية. وبينما...
فيروس نوروفيروس يسمى أيضا بـ"أنفلونزا المعدة"، وهو السبب الرئيسي للقيء والإسهال الناتج عن التهاب المعدة والأمعاء. نوروفيروس من أبرز مسببات...
في السنوات الأخيرة، أصبح البعض يخلط بين الإعلام والاستعراض، وبين الحوار والمشاجرة، وبين الجرأة المهنية ومحاولة فرض الرأي بالقوة. وكأن...
ليس للسعادة عنوان ثابت، ولا تعرف طريقا واحدا إلى القلوب. فهي تعشق الترحال؛ تطرق أبواب المدن حينا، وتجلس فوق شرفات...