القاهرة أقدم مدن التراث الحى

احتفلت محافظة القاهرة في 6 يوليو بعيدها القومي، وهي المناسبة التي تستعيد فيها المدينة صفحات من تاريخها الممتد لأكثر من ألف عام، باعتبارها واحدة من أعرق العواصم في العالم العربي والإسلامي، فقد حملت القاهرة عبر العصور ألقابا عديدة، منها قاهرة المعز والمدينة المحروسة ومدينة الألف مئذنة، وظلت القلب السياسي والثقافي والديني لمصر، بما تضمه من معالم تاريخية ومؤسسات سيادية شكلت هوية الدولة المصرية.

د. عبد الرحيم ريحان
رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية
دكتوراه في الآثار الإسلامية والقبطية- جامعة القاهرة

 

فكرة إنشاء مدينة القاهرة؟

إن فكرة إنشاء مدينة القاهرة في عام358 هـ 969 ميلاديا ولدت على يد القائد جوهر الصقلي بأمر من الخليفة الفاطمي المعز لدين الله . وكان الهدف هو تأسيس عاصمة جديدة وحصن منيع لإدارة شؤون الدولة الفاطمية ونشر مذهبها، لتكون قاعدة انطلاق لحكم مصر بدلا من العواصم السابقة . أُطلق على المدينة في البداية اسم "المنصورية" تيمنا بمدينة "المنصورية" في المغرب التي بناها الخليفة المنصور بالله ، وعندما وصل الخليفة المعز لدين الله إلى مصر قام بتغيير اسمها إلى "القاهرة" بدأ جوهر الصقلي ببناء المدينة بوضع مخطط يتضمن قصرا كبيرا للخليفة، وإحاطتها بأسوار وأبواب محصنة شهيرة مثل باب النصر، وباب الفتوح، وباب زويلة.

اختيار الموقع

إن أسباب اختيار القائد جوهر الصقلي موقع مدينة القاهرة على وجه التحديد في الفضاء الواقع شمال مدينة الفسطاط هي أسباب استراتيجية ودينية وسياسية حيث بُنيت لتكون معقلا محصنا وقاعدة عسكرية للمعز لدين الله ولجنود الفاطميين، ولتكون بمثابة خط دفاع أمامي يحمي الدولة من غارات القرامطة القادمين من جهة الشام.

كما أراد جوهر الصقلي عزل الخليفة الفاطمي ورجال دولته عن عامة الشعب في الفسطاط، خاصة مع محاولته فرض المذهب الإسماعيلي الشيعي في مصر، مما تطلب بناء مدينة ملكية خاصة بالنخبة الحاكمة.

تجنب الصقلي بناء المدينة فوق أنقاض العواصم السابقة (الفسطاط، العسكر، والقطائع)، لتكون العاصمة الجديدة بداية لعهد جديد ورمزا لإمبراطورية عالمية شاملة.

كما اختار هذا الموقع بناء على توجيهات الخليفة المعز لدين الله، حيث أُجريت حسابات فلكية دقيقة ووضع حجر الأساس في لحظة طالع فيها "النجم القاهر" (كوكب المريخ)، وهو ما تيمّن به ليقهر الفاطميون أعداءهم.

القاهرة قبل الإنشاء

وقبل أن يؤسس القائد الفاطمي جوهر الصقلي المدينة.. كانت هذه المنطقة عبارة عن أراضٍ زراعية ومناطق خالية شمال العواصم الإسلامية السابقة قريبة جدا من مدينة "أون" (هيليوبوليس/عين شمس حاليا) والتي تعد واحدة من أقدم مدن العالم ومركزا دينيا وعلميا شهيرا كما امتد في محيط الموقع حصن بابليون الذي بناه الرومان لحماية مصر.

وعند دخول عمرو بن العاص مصر عام 641م، أسس أول عاصمة إسلامية وهي مدينة "الفسطاط" وفى العصرين العباسي والطولوني مع اتساع رقعة الحكم تم تأسيس مدينتين إضافيتين شمال الفسطاط هما "العسكر" و"القطائع" (التي أسسها أحمد بن طولون وتقع في محيط حي السيدة زينب).

اسم القاهرة

ارتبط اسم القاهرة في الروايات الشعبية والتاريخية بكوكب المريخ الذي كان يُعرف عند العرب باسم "القاهر"؛ حيث قيل إن المدينة قد بُنيت في وقت طالع ظهور هذا الكوكب.

ملامح التخطيط العمراني

وفيما يتعلق بملامح التخطيط العمراني للقاهرة الفاطمية فهي تتميز بتخطيط حضري يعكس دقة العمارة الإسلامية حيث أُسست كمدينة ملكية محصنة وتبرز أهم ملامحها العمرانية في النقاط التالية:
الطابع العسكري والدفاعي: تم بناء أسوار ضخمة من الطوب والكتل الحجرية مزودة بأبواب شهيرة مثل باب النصر، باب الفتوح، وباب زويلة القاهرة.
منطقة "ما بين القصرين": المحور الرئيسي الذي قسم المدينة، وضم القصر الشرقي الكبير (للخليفة) والقصر الغربي الصغير وكان بمثابة الساحة المركزية للاحتفالات والعروض العسكرية.

وقد تم إنشاء المدينة في البداية كـ"مدينة ملكية" مغلقة ومخصصة لسكن الخليفة، وقادة الجيش، ورجال الدولة، بينما كانت الفسطاط هي المركز الاقتصادي والسكني للعامة وشكّل الجامع الأزهر ومسجد الحاكم بأمر الله نقطتي جذب رئيسيتين، حيث تفرعت منهما شبكة الشوارع والطرق الرئيسية وتميزت العمائر الدينية والمدنية بتفاصيل وزخارف معمارية فريدة شملت القباب، العقود المميزة، والواجهات ذات النقوش

تطور أسوار القاهرة

تطورت أسوار القاهرة وأبوابها عبر الزمن على ثلاث مراحل رئيسية عكست التوسع العمراني والتحصينات العسكرية لكل حقبة تاريخية واحتفظت المدينة بنسيجها العمراني الذي لا يزال شاهدا على تاريخها الممتد، وتُصنف على قائمة التراث العالمي ضمن القاهرة التاريخية.

1. أسس القائد جوهر الصقلي المدينة عام 969 م ، وأحاطها بسور من الطوب اللبن لحماية قصر الخليفة والفرق العسكرية ضم السور ثمانية أبواب، اثنان في كل ضلع (باب الفتوح وباب النصر شمالا، باب زويلة وباب الفرج جنوبا، باب القراطين والبرقية شرقا، والقنطرة وسعادة غربا)

2. سور بدر الجمالي (العصر الفاطمي - القرن الحادي عشر) نظرا لتهالك السور الأصلي وتوسع المدينة، قام الوزير بدر الجمالي عام 1087 م بإعادة بناء الأسوار والأبواب باستخدام الأحجار الضخمة وبقى منها باب النصر، وباب الفتوح، وباب زويلة.

3. أسوار صلاح الدين الأيوبي (العصر الأيوبي - القرن الثاني عشر) لتوحيد مدن القاهرة، والفسطاط، والقطائع، وتحصينها ضد الصليبيين، شرع الوزير بهاء الدين قراقوش بأمر من السلطان صلاح الدين الأيوبي ببناء سور حجري ضخم يربط بين المدينة والقلعة وتمت إضافة أبواب جديدة مثل باب المحروق وباب القلعة، مع دمج الأبواب الفاطمية ضمن منظومة دفاعية واحدة متطورة.

وعندما ضاقت الأسوار على النمو السكاني والجغرافي مما أدى لاندثار العديد من الأبواب القديمة وبناء أخرى بديلة ومع عصر والي مصر محمد علي والتوسع العمراني الحديث في القرن التاسع عشر هُدمت بعض أجزاء الأسوار (مثل باب البحر) لفتح طرق وشرايين جديدة للمدينة، لتظل المعالم الباقية مزارات أثرية تحكي تاريخ العمارة الإسلامية

أبواب القاهرة في الذاكرة المصرية

إن أبواب القاهرة التاريخية تمثل في الذاكرة المصرية رموزا حية للهوية، وحراسا لذاكرة الوطن. فهي ليست مجرد منشآت حجرية أو حدود جغرافية، بل هي شواهد على أحداث هامة ومحطات تعكس نبض الشارع المصري وتاريخه العريق.

وتتجلى أهمية هذه الأبواب في الوجدان الشعبي والتاريخي في عدة جوانب فهي شريان الحياة والسيادة حيث مثّلت البوابات مثل باب الفتوح وباب النصر نقطة التحول الكبرى في تاريخ مصر عندما دخل منها الفاطميون؛ ليعلنوا ميلاد "القاهرة" كعاصمة محصنة للمحروسة.

كما تحفظ الذاكرة الشعبية بطولات تاريخية مثل قيام السلطان قطز بتعليق رؤوس رسل التتار على باب زويلة (المعروف أيضا بـ بوابة المتولي) كرسالة تحدٍ ورمزا لرد الغزاة.

كما تعج مسرحا للقصص الشعبية والكرامات حيث اقترنت الأبواب بالعديد من الأساطير والقصص فقد اعتقد المصريون لقرون بوجود "الولي المتولي" عند باب زويلة، فكانوا يتباركون به ويعلقون ملابسهم طلبا للشفاء وقضاء الحوائج، كما كان باب زويلة تحديدا هو المكان الذي تُنفذ فيه أحكام القصاص وتعرض عليه رؤوس الخارجين عن الدولة مما جعله رمزا لهيبة الحكم كما ارتبطت بوابات النصر في الأذهان بمظاهر الفرح الشعبي، حيث كانت تخرج منها مواكب المحمل الشريف متجهة إلى الأراضي المقدسة، وتقام عندها الاحتفالات في المناسبات الدينية.

القاهرة وابوابها
القاهرة وابوابها
القاهرة وابوابها
القاهرة وابوابها
حملة الدفاع عن الحضارة
الدكتور عبد الرحيم ريحان

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الدكتور عبد الرحيم ريحان
حملة الدفاع عن الحضارة
د. عبد الرحيم ريحان
عاشوراء
التحنيط في مصر القديمة
الباليه فن مصري
التلاميذ في عهد الفراعنة
نصائح ميركارع

المزيد من مقالات

القاهرة أقدم مدن التراث الحى

احتفلت محافظة القاهرة في 6 يوليو بعيدها القومي، وهي المناسبة التي تستعيد فيها المدينة صفحات من تاريخها الممتد لأكثر من...

الجغرافيا التي لا تظهر على الخرائط

لم تعد الثروة تبحث عن أقرب ميناء أو أكبر حقل نفطي، بل عن أسرع مسار للبيانات وأقوى بنية رقمية. وبينما...

60 مليار دولار خسائر العالم سنوياً بسبب النوروفيروس

فيروس نوروفيروس يسمى أيضا بـ"أنفلونزا المعدة"، وهو السبب الرئيسي للقيء والإسهال الناتج عن التهاب المعدة والأمعاء. نوروفيروس من أبرز مسببات...

الحوار التليفزيوني ليس حلبة مصارعة

في السنوات الأخيرة، أصبح البعض يخلط بين الإعلام والاستعراض، وبين الحوار والمشاجرة، وبين الجرأة المهنية ومحاولة فرض الرأي بالقوة. وكأن...


مقالات

القاهرة أقدم مدن التراث الحى
  • الأربعاء، 08 يوليو 2026 10:00 ص
الجغرافيا التي لا تظهر على الخرائط
  • الثلاثاء، 07 يوليو 2026 10:00 ص
الحوار التليفزيوني ليس حلبة مصارعة
  • الإثنين، 06 يوليو 2026 10:00 ص
صاحب السعادة .. والقميص الأحمر
  • الأحد، 05 يوليو 2026 08:55 م