في الروايات الكبرى، لا يبوح الفصل الأول بأسرار الحكاية، ولا يمنح أبطالها أقدارهم منذ السطر الأول. بل يكتفي بأن يطرق أبواب الفضول ويتركها مواربة، ليدع القارئ معلقا في أروقة الاحتمالات، يقتفي أثر الشخصيات، وينصت لهمس النوايا، مترقبا ما ستجود به الصفحات التالية. وهكذا يأتينا المونديال في كل مرة؛ فالمباريات الأولى ليست سوى "إرهاصات" تأبى أن تكشف عن خباياها في مطلع المسير.
محمود علامرئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسيبالهيئة الوطنية للإعلام
حين ترددت أصداء الهتافات وصيحات البداية فى ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بدا العالم وقد خرج عن مألوفه ليغرق في كرنفال أسطوري شيمته الدهشة. تداخلت الأعلام مع الموسيقات الوطنية، وتعانق الليل والنهار في فوضى توقيتات لا تعترف بالجغرافيا، لتعود الكرة الأرضية كعادتها كل أربعة أعوام وتعود لتختزل وجودها في كرة صغيرة تتدحرج فوق رقعة خضراء، يركض خلفها اللاعبون بأقدامهم والملايين بأعينهم.
لم تكن الجولة الأولى سوى "القرعة الأولى" للطبول الصاخبة؛ ضربة لم تكن كافية لتكون تأشيرة عبور أبدي، ولا لتخط مراثي السقوط المبكر. فهي لا تقول الحقيقة كاملة، بل تهمس بها. لم يعد العالم يشتبك مع أسماء المنتخبات المرشحة بقدر ما راح ينقب في الأسئلة التي تولدت بين إشارة البدء وصافرات الختام؛ أسئلة تمردت على الحسابات التقليدية وسخرت من صرامة التوقعات. لقد رأينا الأقل خبرة يثورون على هيبة الكبار، وتعثر من اعتادوا السير فوق السجاد الأحمر، ورأينا وجوها وليدة تخرج من عتمة الظل إلى وهج الضوء، لتذكرنا بأن المجد الكروي لا يقرأ "السير الذاتية" للأمم، بل يكتب نصوصه بمداد العرق فوق أرضية الميدان.
ثمة منتخبات أعلنت عن حضورها الطاغي، مؤكدة أن رحلتها ليست سياحة في مروج قارة أمريكا، بل زحف نحو العروش. وفي المقابل، كان ثمة نجوم أوفوا بوعودهم الأولى، وآخرون تواروا خلف بريق أسمائهم، أو بما يدخرون بقية سحرهم لليال أكثر ضراوة. إلا أن الأيام لا تمهل أحدا؛ فها هي الجولة الثانية تقتحم المشهد، محولة توقعات البداية إلى حقائق شبه بائنة. هناك فرق استشعرت طريق النجاة مبكرا، وأخرى بدأت عيون لاعبيها ترنو إلى حقائب السفر بقلق المحروم، بعد أن أدركوا أن الأحلام الكبيرة قد تضيق بها مساحات الملاعب.
سنرجئ حكمنا الأخير إلى حين تتبدد سحب الجولة الثانية، حيث يتجلى جزء أكبر من اليقين. أما الآن، فنحن نقف في تلك النقطة الفاصلة؛ بين أهازيج البدايات ورهبة الحقيقة، حيث بدأ المونديال الحقيقي في نزع أقنعته، كاشفا عن وجهه العاري الذي لا يحتفي إلا بالأفعال، ولا يعترف إلا بلغة الأقدام.
أبناء الضوء.. من دخلوا من الباب الكبير
في كل مونديال، من يعلن حضوره منذ اللحظة الأولى، منتخبات تدخل من "الباب الكبير"؛ بذاكرة لا تنسى خرائط العبور، وثقة من يعرف أن المجد لا يصنع بخطوات مرتجفة. هكذا بدت ألمانيا وفرنسا والأرجنتين وإنجلترا، وكأنها لا ترتدي قمصانها، بل ترتدي "أمجاد تاريخها"، معلنة أن الكبار قد يغيبون عن منصات التتويج، لكنهم لا ينسون أبدا الطريق إلى المسرح الكبير. ووسط هذا الضجيج، ظل النجوم أوفياء لبريقهم الخالد؛ أسماء اعتادت الجماهير رؤيتها في ليالي المجد، فحضرت من جديد، يتقدمهم الأرجنتيني "ليونيل ميسي"، الذي استهل حكايته بثلاثية في الافتتاح، ليذكر العالم بأن الزمن لم ينجح بعد في إطفاء سحره.
غير أن المونديال، في عدله القاسي، لم يكتف ب "أبناء الضوء" القدامى، بل راح ينقب في زوايا الميدان عن أبطال جدد يكتبون بأسماء أوطانهم فصولا لم تكن في الحسبان؛ فمن قلب هذا المشهد الملتهب، أبى المنتخب المصري أن يكتفي بدور المتابع، أو من يلتقط الصور التذكارية في العرس، بل اقتحم المشهد بجرأة من لا يخشى التاريخ، وبضراوة أرغمت "الكبار" على الانحناء ليتأملوا هذا الزحف الفرعوني.
لم يكن أداؤهم أمام بلجيكا بترسانتها المدججة بالنجوم مجرد مباراة، بل كان "درسا في التحدي"؛ حيث أثبت الفراعنة أن الإرادة حين تتجلى في الأقدام، لا تعترف بتصنيفات دولية ولا بسير ذاتية متخمة.
لقد كانت "ثورة الأداء" تلك، التي توجت بصاروخية إمام عاشور بصناعة صلاح، إعلانا صريحا بأن مصر ليست ضيفا على الهامش، بل لاعب يشارك في كتابة قواعد اللعبة ويجبر الجميع على إعادة الحسابات.
وعلى ذات الإيقاع الملحمي، لم يكن حضور "أسود الأطلس" أقل من سابقه في نسخة قطر، بل كان صرخة كروية مدوية؛ فقد وقف المغرب أمام "السامبا" البرازيلية بصلابة تليق بطموح قارة بأكملها، في مواجهة حبست الأنفاس وأثبتت أنهم لم يأتوا للمشاركة في الكرنفال، بل لفرض كلمتهم.
لقد تمازجت في أدائهم المهارة الفردية مع الانضباط التكتيكي في لوحة أثبتت أنهم "رقم صعب" في معادلة المونديال، وهي الحقيقة التي أكدتها مواجهتهم الثانية أمام اسكتلندا، لترسخ أقدامهم كجيل لا يكتفي بالندية، بل يطمح لاستكمال كسر الحواجز وتسطير صفحات المجد.
من تكلموا بصوت منخفض .. في انتظار العاصفة
ليست كل بداية صاخبة دليلا على القوة، كما أن ليس كل تعثر هو بالضرورة نذير سقوط؛ ففي رقصة المونديال، ثمة منتخبات لم تستطع أن ترفع صوتها في "جوقة البدايات"، أو ربما اختارت أن تتحدث همسا، وكأنها لا تزال تضبط إيقاع روحها على نبض الجماهير.
لقد بدت البرازيل صاحبة السحر المعهود في جولتها الأولى أمام المغرب وكأنها تغرد خارج السرب الذي رسمه عشاق "السامبا" في مخيلتهم، وبدت إسبانيا كمن يبحث عن ملامح إيقاعها الخاص في زحام الخصوم؛ كلاهما دخل في حالة من "الاستغراق الذاتي" التي تسبق الانفجار.
وحتى أولئك النجوم الذين حملوا على أعناق التوقعات من أندية القارة العجوز، ظهروا بأقدام حذرة، وكأن رهبة "المسرح الأكبر" قد أصابتهم بنوع من التوجس الكروي، فكان لسان حالهم يقول: "إننا هنا، لكننا لم نخرج كل ما في جعبتنا بعد".
بيد أن من قرأ تاريخ المونديال جيدا، يعلم أن هذه البدايات الخافتة ليست دائما "مراثي ختامية"؛ فقد شهدت ملاعب التاريخ أبطالا بدأوا رحلتهم بخطوات متعثرة، وربما بوجوه شاحبة غلب عليها الارتباك، ثم انتهى بهم المطاف وهم يرفعون الكأس نحو السماء، بعد أن تحول "همس البدايات" إلى "صراخ النصر" في الميقات الأخير. إنها "استراتيجية الهدوء" التي تسبق الكشف عن الأنياب؛ حيث تختار المنتخبات الكبرى أن تبقى في الظل قليلا، لتراقب عيوب الآخرين، وتختبر صلابة المنافسين، قبل أن تقرر حسم مصير الحكاية.
هل يسخر المونديال من "خبراء" الحسابات..؟
منذ أن عرف الناس كرة القدم، وهم يحاولون إخضاعها لمنطق "الجداول" وصرامة الحسابات ودفة التوقعات، لكنها كانت في كل مرة تضحك من الجميع في خفاء. إنها لعبة تتمرد على "الورقة والقلم"، وتنسف كل التوقعات بلمسة قدم واحدة، حتى أضحت الحسابات فيها مجرد حبر على ورق، أمام إرادة من يملكون "شغف البدايات".
لقد توقف العالم مذهولا أمام المنتخب الياباني؛ الذي لم يكتف بمجاراة ألمانيا في إيقاعها، بل حول تأخره إلى "ريمونتادا" سينمائية، ليثبت أن الانضباط التكتيكي تجاوز حدود الملعب إلى فلسفة التحدي. وبذات الروح، وقف المنتخب المغربي أمام البرازيل شامخا، والمنتخب المصري مقتحما للحصون البلجيكية.
وفي مشهد آخر، أعلن منتخب الأفيال عن حضور هجومي مباغت، ملقنا دفاعات خصومه درسا في الجرأة، ومظهرا أن المونديال لا يعترف بموازين القوى التي تضعها وكالات المراهنات، ولا يقل عن ذلك شأنا منتخب الكونغو الديمقراطية الذي عاد بعد اثنين وخمسين عاما من الغياب ، ليحرج العملاق الأوروبي البرتغالي.
كما رأينا منتخبي كندا والمكسيك يفرضان أسلوبهما بوقاحة كروية محببة أمام العمالقة، وكأنهما يهمسان في أذن البطولة : "نحن هنا لا لنشارك، بل لنعكر صفو استقرار الكبار".
لقد وجد بعض المرشحون التقليديون أنفسهم في مهب الريح، يقاتلون من أجل رمق البقاء، بينما تسللت منتخبات لم تكن في حسبان العرافين إلى بؤرة الضوء والدهشة. هنا تحديدا يكمن سحر هذه اللعبة الأبدي: فالتاريخ يمنح "الهيبة" لكنه لا يمنح "النقاط"؛ والقمصان المثقلة بالنجوم لا تهز الشباك وحدها.
فالمونديال لا يقرأ "التصنيفات العالمية" قبل أن يمنح كلمته الأخيرة، بل يقرأ نبض القلوب في المساحة الخضراء.
ولهذا، ظلت كرة القدم هي "اللعبة الوحيدة" التي تشرعن الحلم المستحيل؛ تلك التي تجعل طفلا في أقصى أصقاع الأرض يهتف لفريق مغمور، مؤمنا بكل براءة بأن "المعجزة" ممكنة، وأن المستطيل الأخضر هو المكان الوحيد الذي لا يعترف بالفوارق بين ملوك الأرض وبسطائها، حينما تتحول الركلة الواحدة إلى حكاية يتردد صداها في الذاكرة لأجيال.
في مديح المجهول.. حين يكتب المونديال أساطيره من العدم
في كل أربعة أعوام، يفتح المونديال دفترا جديدا، ليخط على صفحته الأولى عبارة واحدة لا تتغير: " ابدأ من هنا". لا يهم كم هدفا هززت به شباك الدوريات الكبرى، ولا كم كأسا تزين خزائن ناديك، ولا حجم الصخب الذي يحيط باسمك في ردهات "السوشيال ميديا"؛ فحين تبدأ الحكاية الكبرى، يعود الجميع إلى نقطة الصفر، ويصبح العشب الأخضر وحده هو "العدالة" التي لا تحابي أحدا، وصاحب الكلمة الفصل في منح صكوك المجد.
ولهذا، لم يكن غريبا أن يخرج من رحم الزحام "مغمورون" لم تحفظ الجماهير أسماءهم قبل أيام، فإذا بهم يقتحمون الشاشات وعناوين الصحف، ويفرضون أنفسهم على ذاكرة البطولة كأبطال كلاسيكيين. فالمونديال منذ أن وهب العالم بيليه، ومرورا بأسطورة مارادونا لم يكن يوما مجرد منصة للنجوم الجاهزين، بل كان دائما "مختبرا للأبطال الجدد"؛ أولئك الذين يولدون من رحم الفرصة الوحيدة.
وبينما كانت العيون معلقة ببريق الأسماء المعتادة، كان آخرون ينسلون من الظل بهدوء الواثقين؛ من حراس مرمى أعادوا تعريف مفهوم "المستحيل"، فهذا حارس مصر "مصطفى شوبير" الذى لفت الأنظار وسار على درب والده في المونديال، ليكررا معا مفارقة عائلة "شمايكل" الدنمراكية، إلى مهاجمين اقتنصوا الفرصة الأولى ليكتبوا أسماءهم بمداد الدهشة. وجوه كانت بالأمس شبه مألوفة في دوريات مختلفة، أخذت اليوم تتسلل إلى وعي الجماهير، معلنة أن المجد لا يحتاج إلى "دعوة مسبقة"؛ أمثال أيوب بوعدي المغربي و"يامادو ديوماند" الافواري و "حمزة عبد الكريم" المصري.
في المقابل، لم يكن جميع "أبناء الضوء" على موعد مع تألقهم المعتاد؛ فبعض النجوم الذين حطت بهم طائرات أوروبا في الملاعب المونديالية، ظهروا بوهج خافت خيب ظنون توقعات عشاقهم، وكأنهم يخبئون جمر سحرهم للأيام القادمة، أو كأن رهبة "المسرح الأكبر" قد أثقلت أقدامهم بحذر المتوجسين.
ولعل أبرزهم في هذا الخفوت هو الأسطورة البرتغالية "كريستيانو رونالدو"، الذي لم يلمع في ظهوره الأول أمام الكونغو الديمقراطية، بل بدا بعيدا عن سطوته المعتادة، في مباراة انتهت بالتعادل، قدم خلالها أداء باهتا بكل المقاييس؛ إذ لمس الكرة 25 مرة فقط وهو أدنى معدل لأي لاعب أكمل المباراة ولم يسدد أي كرة على المرمى، ليستمر صيامه عن التهديف في البطولات الكبرى إلى عشر مباريات متتالية، في أطول جفاف تهديفي عرفته مسيرته الدولية.
هذا الأداء أثار موجة من النقد وصلت حد وصفه بـ "العبء" على الفريق. ولم يكن " الدون" وحيدا في هذا المقام؛ فقد شاركه المشهد أسماء أخرى وقفت على حافة الأداء المتراجع: ك "داروين نونيز" الأوروجواياني الذي غاب تماما عن المشهد أمام السعودية، و"كازيميرو" البرازيلي الذي بدا تائها ومفتقدا لبريقه المعتاد، حتى في مواجهة منتخب كان يفترض أن يكون جسرا للعبور مثل هايتي.
لكن سياق البطولة يعلمنا دائما أن المونديال لا يمنح أحكامه القطعية في مطلع فصوله؛ فكم من لاعب بدأ الرحلة صامتا ثم انتهى وهو يحمل علم بلاده فوق كتفيه، وكم من اسم ملأ الدنيا صخبا قبل البطولة، ثم توارى تدريجيا بين صفحات النسيان. هذا هو سحر الكأس المعهود؛ فهي لا تسأل اللاعبين عن تاريخهم في خزائن الأندية، بل تسألهم سؤالا واحدا ملحا : "ماذا ستفعل الآن..؟". ومن يملك الإجابة في قدمه، يفسح له التاريخ مكانا في كتاب الخالدين.
بكاء العشب الأخضر .. في حضرة الانكسار
لأن المونديال ليس مهرجانا للفرح وحده، فإن العشب الأخضر الذي شهد صرخات الانتصار، يعرف أيضا كيف يحتفظ بدموع الخاسرين، وأنين المصابين، والأحلام التي تهاوت قبل أن تكتمل. ففي كل نسخة من الكأس، يوزع القدر أنصبته من الحزن، ليذكرنا بأن كرة القدم في جوهرها ليست لعبة إلكترونية نعيد فيها المحاولة بضغطة زر، بل هي "حياة كاملة" قد ينهار فيها كل شيء في لحظة غدر واحدة.
فبينما كانت المدرجات تضج بالأهازيج، وتلاحق الشاشات وهج الأهداف، كانت هناك لحظات من "الصمت المدوي"؛ لحظات لم تكن بحاجة إلى صخب المعلقين، ولا إلى اعادات بطيئة لندرك فداحتها؛ لحظات اكتفت فيها الوجوه الشاحبة، ودموع الزملاء المتوارية، ونظرات الجماهير الكسيرة، لتروي الحكاية من مبتداها إلى منتهاها.
فذلك اللاعب الذي وصل إلى ملاعب المونديال محملا بآمال وطن بأسره، والذي انتظر هذه اللحظة سنوات طوال، يجد نفسه فجأة يغادر الميدان محمولا على أعناق الألم؛ إذ خانه الجسد في اللحظة التي كان فيها على وشك ملامسة الحلم. لم يكن المشهد مجرد "إصابة"، بل كان انكسارا لروح إنسان اختصر سنوات كفاحه في صرخة واحدة مكتومة، كما حدث مع لاعب الوسط الكندي الشاب "إسماعيل كونيه"؛ الذي تحولت ثواني طموحه في مباراة بلاده أمام قطر إلى كابوس من الألم، بعد تدخل عنيف أنهى مشواره في البطولة بكسر مزدوج في الساق، ليغادر المونديال على محفة الوجع، تاركا خلفه حلمه الأول وهو في أوج توقده.
ولم يقف المشهد عند حدود الإصابة، بل اتسعت أبعاده لتكتب فصلا إنسانيا نادرا؛ حينما انخرط اللاعب القطري "عاصم مادبو" في نوبة بكاء مريرة وسط الميدان، اعتذارا لزميله الذي أصابه دون قصد. كان مشهدا تتلاشى فيه ألوان القمصان، وتذوب فيه الخصومات في المدرجات، ليصبح الجميع فريقا واحدا يهتف لروح "الرياضي" قبل أن يهتف لمهارة "اللاعب".
في تلك اللحظات، تتلاشى قسوة المنافسة، ليصبح الإنسان قبل أن يكون مشجعا في حالة انحياز فطري للألم، يرى فيه انعكاسا لضعفه البشري.
هكذا كان المونديال دائما؛ مسرحا يختصر حكايات الوجود؛ فإسماعيل كونيه، رغم خروجه الموجع، ترك خلفه من الاحترام والتقدير ما يفوق وزن الذهب؛ لأنه أثبت أن المجد لا يقتصر على من يرفع الكأس في النهاية، بل يمتد ليشمل من واجه "فجيعة الضياع" بشجاعة المحارب النبيل.
إن مثل هذا ما يجعل المونديال أكثر من مجرد بطولة؛ ففيه نتعلم أن البطل ليس فقط من يرفع الكأس، وأن البطولة الحقيقية قد تكمن في "القدرة على النهوض بعد الانكسار". ولهذا، فإن المشاهد التي لا تنتهي بهدف، تظل أطول عمرا من الأهداف نفسها؛ فالأقدام التي تسجل قد يطويها النسيان، أما الدموع التي تبلل العشب الأخضر، فتحفر في ذاكرة التاريخ. ولأن كرة القدم تشبه الحياة، أراد المونديال منذ أيامه الأولى أن يذكرنا بحقيقته القديمة: ليس كل من دخل الحلم كتب عليه أن يكمله، وليس كل من غادره مبكرا قد خسر.
فثمة رجال، حتى وهم يخرجون على محفة الوجع، يتركون خلفهم من الاحترام والتقدير ما يفوق وزن الذهب في كأس العالم.
حكاية لم تكتمل بعد
بينما نحن في قلب هذا المعترك، ندرك أن ما سطرناه هنا ليس إلا قراءة أولية في سفر المونديال الذي لا ينتهي. لا تزال هناك محاور لم يسع المجال لذكرها؛ حكايات عن مدرجات لم تهدأ، وفلسفات تكتيكية لا تزال في طور التشكل، وقصص عن جماهير حولت التشجيع إلى طقس وجودي، ومشاهد التقطتها الكاميرات ووثقتها الذاكرة، وقادمون جدد، وكبار غابوا عن المشهد تاركين خلفهم فراغا لا يملؤه إلا الدهشة.
وهكذا، يطوي المونديال صفحته الأولى، لا لينهي الحكاية، بل ليبدأها حقا. فالكرنفال لم ينفض بعد، والأهازيج لم تسكن، والطبول ذاتها التي استقبلت العالم قبل أيام، ما زالت تقرع بإيقاع أكثر رهبة، وأكثر قسوة، لكنه أكثر جمالا.
إن الجولة الأولى لم تكن سوى "الضربة الأولى"؛ أما الأهازيج الكبرى فما زالت في قلب الغيب، تنتظر من يستحق أن يغنيها. نحن الآن في أوقات تختلط فيها الحقائق بالأوهام، وتظل الأحلام معلقة في فضاء الترقب؛ فلم يسقط الكبار سقوطهم النهائي، ولم يكتمل صعود "الجدد" إلى ذروة المجد، لم يصبح المرشح بطلا، ولم يتحول "الحصان الأسود" إلى أسطورة بعد. إننا نقف الآن في "منطقة الاحتمالات"، وذلك تحديدا ما يمنح المونديال وهجه الخاص الذي لا يخبو.
فبينما أيقنت بعض المنتخبات أن بوابات العبور قد فتحت، بدأت أخرى تلملم أمتعتها في انتظار صافرة الوداع وعلى رأسها منتخبات قطر وتونس وتركيا في حين أدرك الباقون أن الاستمرار يتطلب أكثر ما يفوق المهارة وحدها؛ يتطلب نفسا طويلا وإرادة لا تلين. الأيام القادمة وحدها هي التي ستجيب على تساؤلاتنا الكبرى، وتكشف عمن يملك "النفس الأطول" في هذه الرحلة المونديالية.
بعد أن وصلت منذ بدايته إلى مباراته الألف بمواجهة اليابان وتونس صباح الأحد، آن لنا أن نغلق الدفتر مؤقتا، تاركين للأحداث أن تأخذ مجراها، وللأقدام أن تقول كلمتها، لنعود حين تكتمل الصورة، وتتضح الملامح.
وفي المقام الأول، نرفع أكف الدعاء والأمنيات لمنتخبنا القومي؛ أن يقدم أداء مبهرا في قادم لقاءاته، متجاوزا كل الحدود التي بلغناها في المشاركات السابقة، لنصل معا إلى أبعد مدى.
ولأشقائنا من المنتخبات العربية، نتمنى كل التوفيق، في مباريات المونديال رحلة نأمل ألا تنتهي إلا بمتعة كروية تليق بحجم أحلامنا. فالكل ما زال في قلب الحكاية، والكأس ما زالت بعيدة بما يكفي، ليبقي الجميع مؤمنين بأن أجمل فصول الرواية لم يكتب بعد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في الروايات الكبرى، لا يبوح الفصل الأول بأسرار الحكاية، ولا يمنح أبطالها أقدارهم منذ السطر الأول. بل يكتفي بأن يطرق...
مازلنا نتابع كيفية البحث عن انفراجه لمشكلات ماسبيرو الاقتصادية بشكل سلس ولاشك أن خبر رصد الدولة مبلغ مليار جنيه للهيئة...
تبدو الحرب للوهلة الأولى لحظةً ينكسر فيها النظام وتعلو فيها لغة القوة، لكن التجربة الإنسانية الطويلة علّمت العالم أن أخطر...
في فجر الحضارات الأولى، لم يكن الإنسان يخاف الحرب وحدها، بل كان يخاف السماء أيضا. كان سكان بلاد الرافدين يعيشون...