من نابولي إلى موسكو .. الفراعنة بين سطوة الحلم ومراوغة الغد

طبول المونديال وأهازيجه .. على بساط العشب الأخضر

ثمة مواعيد كبرى في التاريخ لا تأتينا من فراغ، بل تبنى لبنة لبنة عبر عقود من الشغف والترقب، وتنتظرها الأمم كما ينتظر الظامئ هطول المطر. يكفي أن تلوح في الأفق بشائرها، حتى تجد البشرية نفسها قد احتشدت حول الشغف ذاته، فيعيد الكوكب ضبط إيقاعه حول "الفاتنة المستديرة "، حيث تتحول جغرافيا العالم إلى مدرجات واسعة يحتضنها ملعب واحد، يتوارى خلف جدرانه دوي المعارك، وضوضاء الخلافات، وصخب الصراعات السياسية؛ لتعلو لغة واحدة لا تحتاج إلى ترجمة، لغة غدت بمرور الزمن الرابط الأصدق بين البشر، تتجاوز الحدود، وتذيب الفوارق، وتضم الجموع على اختلاف لغاتهم، وتباين ألوانهم، وتباعد مواقعهم على الخرائط.

محمود علام
رئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسي
بالهيئة الوطنية للإعلام

 

وحين تتلاشى المسافات أمام وهج هذا الحدث، يجد العالم نفسه منساقا إلى لحظة جامعة، تتكثف فيها الأقطاب كما لم تفعل من قبل؛ لحظة تتحول فيها اللعبة إلى كرنفال إنساني هائل، تتقاطع فيه أحلام الشعوب، وتحفر على جدرانه قصص المجد والانكسار، وتصير فيه التسعون دقيقة أطول من عمر الزمان، وتولد فيه الأساطير التي تعيش أطول من أصحابها، فيما تبقى لحظات أخرى عصية على النسيان، تأبى مغادرة الذاكرة مهما تعاقبت الأعوام، وكأن الزمن نفسه يعجز أحيانا عن هزيمتها.

ومنذ أن قرعت طبول المونديال للمرة الأولى، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تمارس داخل المستطيل الأخضر، ولا بطولة تختزل في أرقام ونتائج، بل غدت حكاية إنسانية كبرى، تتجاوز حدود الملعب إلى الوجدان الجمعي للبشر، حيث تتقاطع أحلام الأمم، وتتجاور أفراح المنتصرين ودموع المنكسرين، وتكتب ذاكرة لا تقاس بالإحصاءات، بل باللحظات التي بقيت حية في الوعي الإنساني.

وفي قلب هذه الرواية الكونية الممتدة لقرابة قرن من الزمان، تقف مصر بكيانها العريق؛ لا بوصفها أكثر الأمم تتويجا، ولا أكثرها حضورا في سجل البطولة، لكنها كانت واحدة من أوائل الشهود على الحكاية، وأصدق الحالمين بملامسة بريقها. فقصة مصر مع المونديال ليست مجرد مشاركات متباعدة في سجلات الخروج والعودة، بل هي مسيرة أمة لم تكف يوما عن مطاردة الموعد المؤجل، وعن أجيال استثنائية نالت احترام العالم بالفن المبهر والروح القوية، حتى وإن توقفت خطواتها قبل العتبة الأخيرة. إنها حكاية بدأت بوعود لم تكتمل، وتجددت عبر أزمنة طويلة من الانتظار، لتبقى في جوهرها أكبر من مجرد كرة تدور تتلقفها الأقدام خلال تسعين دقيقة؛ إنها رحلة عشق لا تنتهي، نبحث في كل واحدة من نسخها عن ذلك الحلم.

وهنا، لم نمض في هذا النهر المونديالي العظيم بوصفنا شهودا على النتائج، بل رفقة ذاكرة لا تزال تحتفظ بصدى الهتافات، وحكايات نجوم عبروا التاريخ ولم يعبروا بوابة كأس العالم، وأجيال عظيمة صنعت المجد من نوافذ أخرى، ولحظات خالدة علقت بالذاكرة، وأحلام تراودنا، وغد يراوغنا، وأمل براق لم ينطفئ رغم طول الانتظار. فالمونديال، في نهاية المطاف، ليس مجرد كأس ترفع، بل مرآة تنعكس عليها نبضات قلوب الشعوب، وساحة ذكريات تسجل فيها الأمم بعضا من أفراحها وأوجاعها، ووعد لا يكف عن ملاحقة الحالمين، حتى إذا قرعت طبوله من جديد، نهضت الأحلام القديمة لتساءل: هل حان الموعد المؤجل مع المجد..؟

جدارية الزمن المستدير .. لقطات هزمت النسيان وحكايات كتبت في قلوب البشر

لكل مونديال صورته التي لا تغيب، وجرحه الذي لا يندمل، ولقطته التي استعصت على للنسيان. وفي ذاكرة البطولة لحظات أبت إلا أن تتحول إلى جزء من الوجدان الإنساني، وأسماء غادرت الملاعب لكنها لم تغادر القلوب؛ أحلام اكتملت فوق منصات التتويج، وأخرى بقيت معلقة في فضاء الانتظار. وبين المجد والانكسار، وبين الدموع والابتسامات، ظل كأس العالم ينسج، نسخة بعد أخرى، ملحمة إنسانية لا ينضب معين حكاياتها، ولا يشيخ سحرها مهما تعاقبت الأجيال. فإذا ما فتشنا في جنبات هذه الملحمة، استدعت الذاكرة فصولا كتبت بمداد السحر والدهشة، ومحطات تحولت من مجرد أحداث كروية إلى أساطير عصية على المحو.

بدأت الحكاية من أوروجواي في عام 1930، حيث لم تكن تلك النسخة الافتتاحية مجرد منافسة على كأس وليدة، بل كانت صرخة ميلاد لهوية كروية عابرة للمحيطات. هناك، في ملعب "سينتيناريو" الذي شيد في أشهر معدودة كأنه معبد للعبة، ثبت أبناء أمريكا اللاتينية أقدامهم على خريطة العالم، ليعلنوا للإمبراطوريات الأوروبية القديمة أن سحر المستديرة قد وجد موطنا يليق بجنونه. وبعدها بعشرين عاما، وتحديدا في ريو دي جانيرو عام 1950، شهد العالم واحدة من أكبر المآسي الدرامية في تاريخ اللعبة؛ حين سقطت البرازيل في عقر دارها أمام أوروجواي. لم تكن تلك الخسارة صدمة رياضية فحسب، بل كانت جنازة وطنية صمتت فيها حناجر وشخصت أبصار مئتي ألف مشجع، لتثبت أن تلك الساحرة تملك قدرة مرعبة على كسر قلوب الشعوب.

ثم تفجرت أسطورة الفتى الصغير بيليه في السويد عام 1958؛ حين شق فتى السابعة عشرة عباب المستطيل الأخضر ليعيد صياغة كرة القدم كفن خالص، ويمنح البرازيل تاجها المفقود، تاركا خلفه إرث "الملك" الذي لا ينازع. غير أن تلك المستديرة تخلع رداء الروح الرياضية أحيانا، كما حدث في تشيلي عام 1962 فيما عرف ب "معركة سانتياجو" بين أصحاب الأرض وإيطاليا؛ حيث تجلى الوجه العنيف للعبة في مواجهة تحولت إلى صدام طاحن اشتبكت فيها اللكمات مع الركلات، لتظل تذكيرا صارخا بأن الكرة قد تتحول في أوقات الشحن السياسي إلى صراع بقاء شرس.

ومن هذا الصراع النفسي، نفض مهد كرة القدم عن كاهله غبار الإخفاقات في لندن عام 1966؛ حين وقفت الملكة إليزابيث لتسلم الكأس الذهبية لأبناء الضباب في ملعب "ويمبلي" الشهير، في لحظة اعتراف تاريخي، أشبه بصك رمزي، استعادت به إنجلترا هيبتها، وأعلنت أن اللعبة قد عادت أخيرا إلى بيتها الأول.

ومع بداية السبعينيات، وتدشينا لعهد جديد في عام 1974، أطلت على العالم لوحة "الكرة الشاملة" والطاحونة الهولندية التي صاغها يوهان كرويف بعبقرية ، حيث يهاجم الجميع ويدافع الجميع؛ تجربة كروية علمت البشرية أن المتعة قد تفوق الألقاب قيمة، وأن الجمال قد يخلد في الوجدان أكثر بكثير مما تفعله الكؤوس والميداليات. ثم دارت عجلة الزمن ليأتي عام 1982 بقصة البعث من الرماد مع الإيطالي باولو روسي، الذي عاد من غياهب الإيقاف والعزلة والاتهامات ليقود المنتخب"الأتزوري" بيدين عاريتين، محولا حزن إيطاليا الشتوي إلى أفراح صيفية عارمة في ليلة مدريدية لا تنسى.

أما في المكسيك عام 1986، تجلت العبقرية والدهاء في أبهى وأعقد صورها مع دييجو أرماندو مارادونا؛ لقطتان بينهما دقائق معدودة لخصتا عجائب اللعبة، الأولى خطيئة "اليد" التي سرقت التاريخ، والثانية "معجزة" القدم التي راوغت بلدا بأكمله، ليصنع واحدة من أكثر اللقطات جدلا وجمالا في تاريخ المونديال. لكن مارادونا نفسه، وفي أمريكا عام 1994، كان على موعد مع رقصته الأخيرة؛ صرخته المدوية أمام كاميرا التلفزيون بعد هدفه في شباك اليونان لم تكن مجرد فرحة، بل إعلان انتصار شرس على معاول الزمن، لكنها كانت أيضا صرخة الوداع قبل أن يقتلع من العشب الأخضر صامتا بسبب الإيقاف، لتنتهي رحلته المونديالية بدموع أمة كاملة أدركت أن شمسها قد غابت قبل أوانها.

وفي النسخة ذاتها، وفي المشهد الختامي، تجلى وجه كرة القدم الأشد قسوة، وهو الوجه الذي اختزلته دموع روبيرتو بادجيو؛ ذلك الفارس الساحر الذي حمل إيطاليا على كتفيه، يقف وحيدا أمام نقطة الجزاء، يطيح بالكرة في السماء، ثم يطأطئ رأسه في صمت جنائزي، لتظل دموعه وحزنه جرحا غائرا لا يندمل.

ولم يكن الفراق المونديالي في عام 2006 أقل دراما، إذ يستحضر العالم دائما الفصل الأخير من رواية زين الدين زيدان؛ لقطة هزت الكون بأسره، حين اختار العبقري الفرنسي صاحب الأصول الجزائرية أن يكتب نهاية مسيرته الأسطورية ليس برفع الكأس، بل بنطحة غاضبة اختصرت صراع المبادئ والكبرياء، ليرحل تاركا الذهب ويمضي في ممر الخلود.

ثم أطلت نسخة جنوب إفريقيا عام 2010 بمشاعرها المتناقضة؛ حيث شهد العالم واحدة من أكثر اللقطات جدلا حين تقمص الأوروجواياني لويس سواريز دور حارس المرمى ليمنع بيده هدفا محققا لغانا في الثواني الأخيرة، ليطرد ويضيع الحلم الإفريقي، في لقطة لخصت صراع الأخلاق؛ حيث رآه الأفارقة خرقا لقواعد الروح الرياضية، ورآه أبناء وطنه بطلا ضحى بنفسه. وفي ذات النسخة، تفجرت الدراما في النهائي حين سجل الرسام أندريس إينييستا لوخان هدف الذهب لإسبانيا، لكن اللقطة التي هزت الوجدان كانت لحظة خلع قميصه ليكشف عن قميص داخلي يحمل عبارة وفاء لصديقه داني خاركي، قائد إسبانيول، الذي توفي فجأة عام 2009، إذ كتب عليه اسمه وعبارة: "دائما معنا"، ليمتزج مجد الانتصار بأسمى معاني الصداقة الإنسانية التي لا يطويها الموت.

وتستمر فصول الصدمات لتبكي البرازيل وطنا بأكمله في عام 2014، في ليلة "السباعية الألمانية" الكاسحة التي هدمت حصون السامبا في عقر دارهم، في زلزال لم يكن مجرد خسارة مباراة، بل انكسار كروي هز الوجدان وأعاد ترتيب موازين القوى.

لكن المونديال يبقي دائما نافذة للأمل؛ فها هي الذاكرة القريبة لا تزال تحتفظ بأصداء الملحمة المغربية في الدوحة عام 2022، حيث كتبت صفحة استثنائية بلغة عربية وإفريقية خالصة. كان زئير "أسود الأطلس" عابرا للقارات، تجاوز كل التوقعات، وحطم جدران المستحيل، ليؤكد للعالم أن الحلم ليس حكرا على أحد، وأن المجد يفتح أبوابه على مصراعيه لمن يجرؤ على السعي وطرق الأبواب.

أمراء العشب الخالد

وكل ما سكب من حبر لا يفي، إذ لم يتسع المقام هنا للحديث عن قامات زلزلت الأرض تحت أقدام الخصوم، وكتبت بمداد من نور صفحات لا تطوى في تاريخ المستديرة؛ من الأسطورة المجرية بوشكاش، الذي صاغ بمهارته وتسديداته الخارقة حقبة كروية استثنائية في الخمسينيات وظل اسمه محفورا كأحد أعظم من لمسوا سحر اللعبة، إلى فرانز بيكنباور، قيصر ألمانيا الذي أعاد تعريف الهيبة المونديالية لاعبا وقائدا عام 1974 ثم مدربا عام 1990،فجسد نموذجا للزعامة الكروية المتكاملة.

ثم يأتي الظاهرة رونالدو البرازيلي، إعصار السامبا الذي داوى جراح الماضي وبلغ قمة المجد في مونديال 2002، وظل لسنوات الهداف التاريخي للبطولة برصيد 15 هدفا، قبل أن يواصل البرتغالي كريستيانو رونالدو رحلة كسر الحدود، مسجلا اسمه كآلة تهديف بشرية عبر خمس نسخ متتالية من كؤوس العالم.
ويختتم هذا المشهد بالساحر الأرجنتيني ليونيل ميسي، الذي ظل حاضرا في وجدان العشاق عبر سنوات طويلة، قبل أن يعتلي ذروة الحلم في مونديال 2022، ويترك بصمته كأحد أكثر اللاعبين مشاركة في تاريخ البطولة، جامعا بين الإرث الفردي والاكتمال الجماعي لروح الفريق.

رحلة مصر المونديالية.. سيرة حضور لا يكتمل بالنتائج

حين تختصر التجارب في جداول وإحصاءات، يبدو الأمر وكأنه أقل اتساعا مما هو عليه في الحقيقة، لكن كرة القدم حين تقرأ بعيون الذاكرة لا تعترف بالاختزال؛ فما يكتب في السجلات لا يساوي دائما ما يحفظ في القلوب. من هنا، لا تبدو علاقة مصر بكأس العالم كسلسلة مشاركات تعد على أصابع اليد، بل كأثر ممتد في ذاكرة بطولة كتب تاريخها بتمهل؛ وظلت مصر دوما حاضرة في ذلك الهامش المضيء بين الحضور والغياب، حيث لا تكون المشاركة رقما بقدر ما تكون أثرا يتأخر حضوره ويطول انتظاره. فالمونديال، في الوجدان المصري، لا يمنح الاعتراف دفعة واحدة، بل يوزعه على لحظات متباعدة؛ تارة يأتي بعد طول انتظار، وتارة يتأخر حتى يغدو أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع.

إنها ليست مجرد ثلاث محطات متباعدة، ولا مجموعة من المباريات التي انتهت صافرتها بنتائج غير مرجوة، بل هي أثر ممتد من الحضور المتقطع الذي ظل يذكر العالم بأن الاسم لم يغب، حتى وإن طال الانتظار بين ظهور وآخر. وفي كل مرة وصلت فيها مصر إلى البطولة، كانت تدخلها من باب مختلف؛ مرة بوصفها رائدة فتحت الباب العربي والإفريقي على هذا العالم، ومرة كمنتخب يعود بعد غياب طويل ليختبر مكانه في خريطة تغيرت ملامحها، ومرة ثالثة وهي تحمل معها حلم جيل كامل أعادها إلى الضوء بعد سنوات من التواري عن الأنظار.

وإذا كان التاريخ يقاس بالأرقام، فإن الذاكرة تقاس بما يتجاوزها؛ بعدد اللحظات التي بقيت، وبالأسماء التي التصقت بالوجدان أكثر مما التصقت بالإحصاءات. فبين هدف يفتح بابا أول، وآخر يعيد تثبيت الاسم، وثالث يعيد الصوت إلى الساحة العالمية بعد غياب، تتشكل صورة لا يمكن حصرها في جدول مباريات أو عدد مشاركات. غير أن هذه الصورة، بكل ما تحمله من معنى، تبدأ في التشكل الحقيقي حين نعود إلى اللحظة الأولى التي ظهر فيها الاسم على مسرح المونديال؛ فحصاد مصر في كأس العالم ليس حصاد نتائج بقدر ما هو حصاد معنى؛ معنى الحضور حين يكون ممكنا، ومعنى الغياب حين لا يكون نهاية، ومعنى العودة حين تصبح حدثا في حد ذاتها.

لم تكن تلك المباريات مجرد أرقام تنتهي عند صافرة الحكم، بل لحظات تتشكل فيها ذاكرة شعب كامل. وفي هذا الامتداد، تبدو مصر أقرب إلى فكرة كروية ممتدة، لا تقاس بعدد مرات الظهور بقدر ما تقاس بقدرتها على أن تبقى جزءا من ذاكرة المونديال حتى وهي خارجه.

ومن هذا الامتداد، تبدأ الحكاية في فصولها الثلاثة:
إيطاليا 1934: أسطورة ولدت من رحم الدهشة؛ حين كانت الكرة لغة لم تتقنها الشعوب بعد.

كانت الملاعب تفتح على عالم جديد لم يكتمل في الوعي الكروي للبشر .هناك، بدأت مصر رحلتها الأولى مع المونديال، لا بوصفها مجرد مشاركة عابرة، بل كانت اقتحاما أدبيا للمجهول، وخطوة أولى في أرض لم تكن الخرائط الكروية قد استقرت ملامحها بعد.

في ذلك الزمان، كان المونديال فكرة وليدة، تتشكل على استحياء، فجاءت مصر لتضع اسمها في الصفحة الثانية من الكتاب، بقيادة المدرب الاسكتلندي "جيمس مكري" لتكون صوتا عربيا وإفريقيا يكسر صمت التاريخ.

وقبل أن تحمل حقائبها إلى تلك النسخة، كان القدر قد رسم لها موعدا أسبق مع النسخة الأولى عام 1930، غير أن قسوة عواصف البحر الأبيض المتوسط وتلاطم أمواجه حالت دون وصول السفينة التي كان من المقرر أن تقل الفريق المصري إلى ساحة البطولة، ليصبح التأجيل عن مونديال أوروجواي، لا لغياب الرغبة، بل لظروف السفر والملاحة في زمن كان فيه عبور القارات مغامرة بحد ذاته. فبقي الحلم الأول معلقا فوق الماء، وكأن الحكاية مع كأس العالم اختارت أن تبدأ بالانتظار، وأن يكتب فصلها الأول بوعد مؤجل.

وحين وصلت البعثة إلى نابولي، كانت المباراة أمام المجر أشبه بـ "امتحان وجود"؛ حيث اصطدم المصريون بعالم جديد من التكتيك والصرامة الكروية، عالم لم تكن فيه التجربة وحدها كافية، بل كان يتطلب وعيا مختلفا باللعبة نفسها. ورغم أن قسوة النتيجة التي لم تنصف أقدام منتخبنا، إلا أن هدفي "عبد الرحمن فوزى" لم يكونا تسجيلا في مرمى الخصم وعلامة بداية فحسب، بل كانا أيضا نتيجة يخط بها أول ملامح الهوية المصرية في سجل الخلود العالمي، وتوقيعا مبكرا على حضور سيظل لاحقا يتردد في ذاكرة البطولة. غادرت مصر البطولة بعد مباراة واحدة، لكن المغادرة لم تكن نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية؛ إذ ظل هذا الحضور الأول معلق في سماء ذاكرتنا ك "نجمة قطبية" في فضاء المونديال، يهتدي بها من يأتي بعده، وتبقى ثابتة رغم تبدل الخرائط وتغير الأزمنة، لا تضل عنها القوافل.

إيطاليا 1990: في حضرة الحنين .. وعودة الصوت الغائب؛ سيمفونية التسعين دقيقة التي هزمت النسيان.

بين 1934 و1990، لم يكن الغياب مجرد سنوات متراكمة، بل كان فجوة زمنية تبدلت فيها ملامح الكرة وتضاريس العالم، وتغيرت خرائط القوة داخل المستطيل الأخضر، حتى بدا الوصول إلى المونديال من جديد أشبه بعبور من الذاكرة إلى الحاضر، لا مجرد تأهل إلى بطولة. وحين عاد الفراعنة إلى المسرح العالمي تحت قيادة "الجنرال" محمود الجوهري، بعد رحلة تأهل شاقة توجها هدف "حسام حسن" الشهير في شباك الجزائر على أرض ستاد القاهرة، لم يكن ذلك الوصول مجرد عبور إلى البطولة، بل إعلانا بأن الصوت المصري لم ينطفئ، وأن ما تأخر كان عودة لا ميلادا جديدا.

وفي إيطاليا، حيث انفتحت أبواب الحلم من جديد، لم يدخل المنتخب المصري كضيف عابر، بل كحارس ذاكرة جاء يختبر صدى وجوده في عالم كروي بات أكثر صلابة وإتقانا. وكان التعادل أمام هولندا لحظة تجاوزت حدود النقاط في جدول الترتيب؛ إذ بدا بمثابة اعتراف غير مباشر بأن هذا الاسم ما زال قادرا على مقاومة ثقل التاريخ، وعلى الوقوف أمام مدارس كروية أكثر رسوخا.

ولن نغفل هدف مجدي عبد الغني، الذي يصر على تذكيرنا به في كل حين وكأنه الحارس الوحيد لذاكرة لا تنسى، فقد تحول مع مرور الأعوام إلى أيقونة زمنية ثابتة؛ لحظة تجمد فيها الزمن المصري في ثوان معدودة، وبقي صدى تلك الصرخة التي أطلقها المعلق محمود بكر "عدالة السماء تسقط على ستاد باليرمو" يتردد في الوجدان أكثر مما تردد في الملعب وعلى الشاشات. ولم يكن الخروج من الدور الأول خيبة بقدر ما كان إعلان استعادة لاسم أبى أن يذوب في الغياب، وفتحا لنافذة جديدة نحو فكرة مفادها أن الحضور المصري في هذا العالم ليس حدثا عابرا، بل احتمال دائم للعودة.

موسكو 2018: حين تبددت وحشة الانتظار.. صلاح وترنيمة الفرح التي أعلنت أن الحلم لم يغلق بابه بعد.

لم تكن موسكو هي الوجهة بقدر ما كانت لحظة "خلاص" من طول الانتظار، وعبورا من سنوات الخفوت إلى ضوء طال ترقبه. جاء التأهل بقيادة المدرب "هيكتور كوبر" تتويجا لرحلة مضنية، لكن اللقطة التي بقيت عالقة في الذاكرة لم تكن في ملاعب روسيا، بل في القاهرة، حين أطلق الملك المصري "محمد صلاح" قذيفته في مرمى الكونغو في الثامن من أكتوبر، فانفجر الزمن دفعة واحدة، وتحول الشعب إلى جسد واحد يرقص على إيقاع الموعد المنتظر.

في روسيا، اصطدم الحضور المصري بقسوة النتائج، لكننا كنا هناك، نكتب حضورنا بدموع "عصام الحضري"، الذي دون اسمه كأكبر لاعب سنا في تاريخ المونديال، وبلمسات صلاح التي كانت تهمس للعالم: "نحن هنا، وأحلامنا لا تزال تتنفس". كان صلاح ورفاقه في تلك النسخة أكثر من لاعب؛ كان فكرة عن إمكانية العودة، حتى لو جاءت قصيرة المدى، ليعيد تثبيت اسم مصر داخل خريطة اللعبة بعد سنوات من الانتظار.

وبين هذه المشاركات .. ما لا تقوله الأرقام: فلو اختزلت تجربة مصر في كأس العالم في ثلاث محطات فقط، لبدت الحكاية ناقصة. لكن ما لا تظهره الجداول هو الأهم: أن مصر كانت أول من فتح الباب العربي والإفريقي للمونديال، وأنها عادت بعد نصف قرن في زمن مختلف، لتؤكد أن الغياب لا يعني النهاية، وأن الحلم قد يتأخر، لكنه لا يموت. وفي تلك المسافة بين هذه المحطات، ظلت أجيال مصرية كاملة تصنع كرة القدم المصرية خارج هذا المسرح، تمهيدا لحضور أكبر ظل يتشكل في الخلفية ولم يكتمل بعد.

واليوم، وبينما تتجه الأنظار صوب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، حيث تتسع رقعة الحلم لتشمل 48 منتخبا لأول مرة، تقف مصر من جديد على العتبة ذاتها، تنظر إلى "الوعد المؤجل" الذي بدأ منذ 1930، وتتحسس خريطة الطريق. حظوظ الفراعنة هذه المرة ليست مجرد حسابات نقطية في جداول التصفيات، بل هي لحظة اختبار جديد لروح جيل يبحث عن ذاته في ممرات التاريخ. ليس السؤال هذه المرة عن مجرد المشاركة، بل عن القدرة على تحويل هذا الانتظار الطويل إلى حضور مختلف. فالمونديال لا يمنح الإجابات مسبقا، بل يتركها تكتب داخل الملعب. ويبقى السؤال مفتوحا: هل ستكون نسخة 2026 هي لحظة العبور التي تعيد صياغة الحضور المصري وتمنحه شكلا أكثر اكتمالا..؟ أم هو المحطة التي تنهي "لعنة الغياب" وتكتب فصلا جديدا تتجاوز فيه مصر حالة الخروج المبكر..؟ في كل الأحوال، تبدو الأبواب هذه المرة أكثر اتساعا، لكن الحلم يظل دائما رهنا بالقدم التي لا ترتجف، وبالروح التي تعرف كيف تروض المستحيل، فلعل صافرة جديدة فتح بوابة جديدة لمجد ظل مؤجلا أكثر مما كان غائبا.

نجوم عبروا التاريخ من خارج أسوار المونديال

إن الغياب عن كأس العالم في مسيرة بعض نجوم الكرة المصرية لم يكن يوما تقييما منقوصا، كما أن الوصول إليه لم يكن وحده معيارا للاكتمال؛ فثمة لاعبون تشكل حضورهم خارج حدود البطولة، لكنهم ظلوا أقرب إلى "فكرة موازية" عن المونديال، كأنهم صنعوا نسختهم الخاصة في ذاكرة الناس لا في ملاعبه. في شوارع الكرة المصرية وامتداد أحلامها، وجدت أسماء لم تنتظر لحظة عبور إلى العالم بقدر ما فرضت حضورها عليه دون انتظار.

فكان محمود الخطيب نموذجا لحالة لا تقاس بالأرقام بقدر ما تقاس بالأثر؛ لاعب يمر بالكرة كمرور الضوء في منشور زجاجي، فيترك خلفه انبهارا لا يحتاج إلى شهادة عبور دولية. تظل قيمته قائمة بذاتها، كأنها نقشت في الذاكرة قبل أن تختبر في أي مستطيل أخضر، ليبقى وجوده حالة وجدانية تتجاوز حدود اللعبة، وتستدعى كلما بحثت الجماهير على اختلاف انتماءاتهم عن معنى للفرح النقي في كرة القدم، في صلة إنسانية لا تحتاج إلى اعتراف مونديالي.

وفي جيل آخر من الحكاية، وهم كثر، جاء التوأم حسام وإبراهيم حسن ليشكلا ثنائية لم تقرأ بالأرقام وحدها، بل بالإصرار الذي اقترب من "العناد الجميل" في مواجهة المستحيل. كانا يلعبان وكأن كل مباراة هي فرصة وجودية أخيرة، وكأن الكرة ليست لعبة بقدر ما هي اختبار دائم للقدرة على البقاء داخل المعنى ذاته، بروح استثنائية لم تنكسر رغم قسوة التصفيات التي أدارت ظهرها لهما أكثر من مرة.

واليوم، يعود حسام حسن ليحمل الأمانة ذاتها من مقعد القيادة الفنية، وسط آمال أمة تتجدد في أن يتحول الموعد المؤجل إلى حضور مشرف، في نسخة نأمل أن تكون هي الفصل الذي يكتمل فيه الحلم الذي طالما ناضل من أجله كلاعب.

ومع امتداد الزمن، ظهر كثير من اللاعبين الذين عبروا الأجيال دون أن يفقدوا أثرهم، أسماء امتلكت ما يكفي من الموهبة لتبقى حاضرة في الأذهان، حتى حين تبدلت الفرق والمدارس، كأنهم الجسر الذي يصل ما كان بما يمكن أن يكون.

جيل الجماعية.. يصنع موندياله الخاص

وبخلاف التجارب الفردية، تبرز حالة جماعية استثنائية، تجسدت في الجيل الذي صاغه حسن شحاتة؛ جيل جعل العالم نفسه يعيد النظر في معنى "الغياب"، ويوقن أن الحضور قد يكون خارج كأس العالم. لم يكتف ذاك الفريق بالهيمنة على القارة السمراء، بل حفر اسمه في التاريخ بتحقيقه ثلاثية إفريقية متتالية، سطر بها سيادة كروية مطلقة، غير أن طموحه لم يتوقف عند حدود القارة؛ ففي كأس القارات 2009، لم تكن مصر فريقا يشارك، بل كانت حالة تختبر أمام أباطرة اللعبة. أمام البرازيل، تلاشت المسافات؛ ففي ليلة 4-3 التي لم نشاهد فيها مباراة بقدر ما شاهدنا قصيدة مكتوبة بأقدام الفراعنة، أعادت تعريف الممكن.

ثم جاءت ليلة مواجهة إيطاليا بطل العالم آنذاك، ليأتي هدف محمد حمص ويمنح الانتصار بعدا يتجاوز النتيجة إلى المعنى: فريق قادم من خارج حسابات المونديال يهزم حامل اللقب. فيتحول الانتصار على أبطال العالم إلى سؤال أبدي يتردد في أروقة التاريخ: كيف لفريق جمع المجد القاري ثلاث مرات، وأحرج عمالقة العالم، أن يكون خارج منافسات الكأس..؟ ذلك الجيل لم يكن بحاجة إلى عبور بوابة المونديال كي يخلد في الذاكرة المصرية، فقد صنع موندياله الخاص في دفاتر الوجدان، مونديالا يعود كلما ذكر ما يمكن أن تصنعه كرة القدم حين تخرج عن حدود المنطق وتدخل مساحة الإلهام.

وهكذا، لم تعد المسألة تتعلق بمن شارك ومن غاب، بل بمن استطاع أن يجعل الغياب نفسه جزءا من الحكاية؛ فبعض الأسماء ولدت لتقول إن المجد لا يحتاج دائما إلى منصة مونديالية، بل يكفيه أن يجد طريقه إلى قلوب الناس لتمنحه الخلود.

من ترف التقارب القطري.. إلى شتات القارة الأمريكية

وإذا ما استعرضنا النسخة المونديالية الأخيرة من كأس العالم، لوجدنا أن قطر قد وضعت بتنظيمها الفذ الدول الثلاث المستضيفة لمونديال 2026 أمام تحديات وجودية شبه مستحيلة؛ فنسخة قطر لم تكن مجرد بطولة عابرة على أرض عربية، بل تجربة استثنائية فريدة، أعادت تعريف معنى "التقارب" في كرة القدم؛ حيث اجتمع العالم في مساحة جغرافية محدودة بدت كأنها مدينة كروية مصغرة، تتقارب فيها الملاعب كما تتقارب اللحظات، وتذوب فيها المسافات حتى يغدو التنقل بين المباريات انتقالا داخل مشهد واحد متصل، بلا عناء سفر أو وعثاء ترحال.

لقد حظيت تلك النسخة بامتيازات عدة، هناك، تماهت البنية التحتية مع الفكرة، وتحول التنظيم إلى حالة من الرفاهية الشاملة امتدت إلى اللاعبين والجماهير على حد سواء، في بطولة بدت كعرض كروي عالمي واحد، لا كحدث موزع على خرائط متباعدة. هذا بخلاف سحر حفل الافتتاح الذي أبهر العقول، وتوافر كافة الخدمات اللوجستية والملاعب الأيقونية، وتأمين أعلى مستويات الرفاهية والأمان للفرق المشاركة، واللاعبين، والأطقم الفنية، والزائرين على حد سواء.

واليوم، على الضفة الأخرى من الزمن، تقف نسخة 2026 في قارة أمريكا الشمالية بثقلها الجغرافي الشاسع وعواصمها المتباعدة أمام معادلة مغايرة تماما؛ لا تقوم على القرب، بل على الاتساع، ولا على الوحدة، بل على شتات المسافات الطويلة عبر ثلاث دول شاسعة تمتد داخل قارة مترامية الأطراف.

هناك، تتحول المسافات الطويلة إلى اختبار بدني ونفسي قاس للمنتخبات، ويصبح التنقل بين المدن عبئا يسبق صافرة البداية، بينما تفرض فروق التوقيت واقعا مشتتا يعيد تشكيل إيقاع المتابعة لدى الجماهير، ويكسر وحدة اللحظة الكروية التي اعتادت أن تجمع العالم في توقيت واحد.

ولا تتوقف التحديات عند مشقة الجغرافيا والزمن، بل تمتد إلى تعقيدات البنية التنظيمية المتعددة؛ إذ تتباين القوانين المحلية بين الولايات والدول المستضيفة، وتختلف الأنظمة والإجراءات بما يضيف طبقة أخرى من التعقيد اللوجستي.

وإلى جانب ذلك، يفرض المناخ حضوره الثقيل؛ بين حرارة مرتفعة في مدن ورطوبة خانقة في أخرى، في مشهد يجعل كل محطة تجربة مختلفة بذاتها، لا جزءا من سياق واحد متجانس.

ويمتد هذا التحول إلى التجربة الجماهيرية، التي بدت في قطر أقرب إلى حالة كثافة إنسانية نادرة؛ جمهور متقارب، مدن متجاورة، وملاعب تتحول إلى فضاءات أشبه بمسرحية يعيش فيها المشجعون اللحظة نفسها. أما في 2026، فالمشهد يتغير جذريا؛ جمهور موزع على دول، ثقافات متعددة، ومدن متباعدة، مما يؤدي إلى تفكك “اللحظة الجماعية الواحدة” التي كانت أحد أسرار سحر المونديال، لصالح لحظات متوازية لا تلتقي دائما في نقطة شعورية واحدة.

ولا يغيب البعد الاقتصادي عن هذا التحول، إذ تمثل نسخة 2026 ذروة التوسع التجاري للبطولة، حيث تتضخم منظومة الرعاة وحقوق البث وأسعار التذاكر، في مشهد يعكس انتقال المونديال من كونه حدثا كرويا خالصا إلى صناعة عالمية متشعبة المصالح. وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية: هل ما زالت البطولة تحتفظ بطابعها الرياضي الأول، أم أنها تتحول تدريجيا إلى منتج كوني ضخم تحكمه قوانين السوق بقدر ما تحكمه قوانين الملعب..؟

ومع هذا الاتساع، يفرض الزمن نفسه كعامل ضغط إضافي، إذ يعيش الجمهور في مناطق زمنية متباعدة مباريات لا تشاهد في لحظة واحدة، فتتآكل تدريجيا فكرة "العالم الذي يتابع الحدث في توقيت واحد"، تلك الفكرة التي منحت المونديال جزءا كبيرا من سحره التاريخي. كما ينعكس هذا التشتت على الهوية الكروية للبطولة، حيث لم يعد هناك مركز جغرافي واحد يختصر الحدث، بل ثلاث بيئات مختلفة تتقاطع داخل بطولة واحدة، ما يجعل المونديال أقرب إلى شبكة ممتدة من التجارب لا إلى قلب واحد نابض كما كان في نسخ سابقة.

وفي جوهر هذا التحول، يمكن قراءة انتقال أعمق من "مونديال المركز" إلى "مونديال الانتشار"، حيث تمثل قطر نموذج التركيز المكاني والزمني، بينما تجسد 2026 نموذج الامتداد والانفتاح، بما يعيد تشكيل فكرة البطولة نفسها بين وحدة التجربة وتعددها، وبين اللحظة الواحدة واللحظات المتوازية التي لا تلتقي دائما في قلب واحد.

إنها معركة تنظيمية شرسة بين إرث قطري ناصع ومثالي حبس الأنفاس، وصراع جيل عربي وأممي اعتلاه الطموح لإثبات ذاته بعد أن أتته الفرصة، وآخر أمريكي يحاول ترك إرثه الأخير في بطولة متضخمة تضم ثمانية وأربعين منتخبا، يبحثون جميعا عن كتابة التاريخ وسط أجواء مشحونة بالترقب والمفاجآت. وهذا يطرح سؤالا جوهريا حول مصير التجربة نفسها: هل تبقى البطولة وحدة واحدة متماسكة، أم تتحول إلى مجموعة من التجارب المتجاورة التي يجمعها العنوان ويفرقها الموقع..؟

وختاما، ومع اقتراب ساعة الصفر التي ستشعل العالم توقا، لا يسعنا إلا أن نرقب هذا المحفل الكروي بأعين ملؤها الشغف، وقلوب تؤمن بأن المستحيل ليس قدرا محتوما، بل تحد ينتظر من يكسر قيوده. فالمونديال أبعد من أن يكون مجرد كأس ترفع، بل هو مرآة تقف أمامها الأمم لتتأمل وجوه أحلامها. ونحن نتهيأ لهذا الشتات الممتد بين القارات، لا نبحث عن أرقام تدون، بل عن لحظة تتوقف عندها دقات القلوب، وتتلاشى فيها خرائط الجغرافيا أمام نبض العشب الأخضر.

فكرة القدم في جوهرها ليست مجرد صراع على أرضية ملعب، بل هي اللغة الأصدق التي تذوب على أعتابها الفوارق، وتتأجل أمام سحرها الصراعات، لتظل كما كانت دوما الرابط الذي يعيد ضبط إيقاع العالم.

وبينما تتوجه أفئدتنا بنبض مصري لا يهدأ صوب الفراعنة؛ أولئك السائرون في ركاب التاريخ، الحاملون لثقل الموهبة وسحر النيل. إننا لا ننتظر منهم مجرد مشاركة في سجلات الأرقام، بل ننتظر "زئيرا" يتردد صداه عبر العصور، يروي حكاية أمة لم يخذلها الحلم يوما. فليكن مونديال 2026 مسرحا لتمرد الحلم على المستحيل، ولتكن صافرته صرخة تنهي وحشة الصمت، وتكتب لأحفاد التاريخ فصلا جديدا من الشغف .. نأمله حضورا مختلفا، يتوج فيه من يستحقه.

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام
محمود علام
محمود علام

المزيد من مقالات

لماذا نربط النجاح بالتعب؟

لو خيروك بين طريقين يؤديان إلى النتيجة نفسها، أحدهما سهل والآخر شاق، فكم مرة شعرت أن الطريق الصعب أكثر قيمة؟...

من نابولي إلى موسكو .. الفراعنة بين سطوة الحلم ومراوغة الغد

ثمة مواعيد كبرى في التاريخ لا تأتينا من فراغ، بل تبنى لبنة لبنة عبر عقود من الشغف والترقب، وتنتظرها الأمم...

الفضيلة والتجارة والإدارة والحكايات مقررات التلاميذ في مصر القديمة

دراسة أثرية للدكتور على سرحان عن التعليم في مصر القديمة تؤكد أن العلم والمتعلمين احتلوا منزلة لا تساويها منزلة في...

الثروة التي لا تستخرج من الأرض

في السنوات الأخيرة انشغل العالم بالحديث عن البيانات باعتبارها أنفط القرن الحادي والعشرين"، غير أن هذا الوصف لم يعد كافيا...