"هنا القاهرة" .. من رحم الأثير إلى خلود الأثر

في الحادي والثلاثين من مايو عام 1934، لم يكتف الهواء المصري باستقبال موجات الراديو الأثيرية لأول مرة بعد أن اضطرب لسنوات بمحاولات أهلية متناثرة بل كان ذلك اليوم إيذانا ببدء عصر جديد للكلمة المسموعة بصبغتها الرسمية الأولى، وميلادا لحناجر تطوي بين أحبالها الصوتية هوية أمة. من هنا، ومن قلب القاهرة، انطلقت الإذاعة المصرية لتتحول بمرور السنين إلى منارة عملاقة تضاف إلى صروح الشرق.

محمود علام
رئيس الإدارة المركزية للأنباء والتحليل السياسي
بالهيئة الوطنية للإعلام

 

ومن رحم تلك اللحظة التأسيسية التي مر عليها اثنان وتسعون عاما ولدت العبارة الخالدة "هنا القاهرة"؛ ذاك النداء الذي لم يكن مجرد إشارة بث أو شعارا لإذاعة، بل جاء كنبضة أولى من قلب الزمن المصري، ليصير ميثاقا للوعي الوطني، وعهدا يتجدد كل عام في عيد الإعلاميين؛ أولئك الحراس الأشداء على ثغور الكلمة وآفاق الفكر ونواصي الحقيقة.

بداية الحكاية .. ميلاد وطن مسموع

في الخامسة والنصف من مساء ذلك اليوم الخالد، انبعثت أولى نبضات الأثير بتلاوة قرآنية خاشعة للقارئ الشيخ "محمد رفعت" من ساحة وزارة المواصلات بشارع رمسيس عبر الإذاعة الخارجية؛ فكانت كلمات الله نورا يمهد الطريق للصوت، ثم تلاها نداء المذيع الفنان "أحمد سالم" الرخيم، وهو يصدح بالعبارة التي صارت عنوانا للهوية المصرية: "هنا القاهرة"، ليعلن ميلاد وطن مسموع.

وعقب ذلك الافتتاح المهيب، جاءت عذوبة الطرب بصوت كوكب الشرق "أم كلثوم"، وتبعها موسيقار الأجيال "محمد عبد الوهاب"، ليدشن الجميع عهدا جديدا انتقلت فيه العاصمة من سكون البدايات إلى زخم الريادة. ومن هنا انطلقت الإذاعة المصرية، متخذة من بناية متواضعة بشارع "الشريفين" بوسط المدينة مقرا لها، لتتحول تلك الأستوديوهات غير الفارهة في تلك الغرف البسيطة إلى مهد للإذاعة المصرية التي سبقت بها القاهرة عواصم كبرى في المنطقة، وبات ذلك المقر شاهدا أبديا على بزوغ فجر الإعلام العربي.

إذاعة لا تسمع .. بل تعاش

لم تكن الإذاعة المصرية يوما مجرد وسيلة تقنية لاستقبال الأنباء ونقل الأخبار واستقاء المعلومات فحسب، بل كانت رفيقة للروح في ترحالها اليومي؛ أنيسة الصباحات الدافئة، ونديمة الأمسيات الحالمة. لقد تغلغلت في نسيجنا حتى باتت جزءا أصيلا من "إيقاع الحياة"؛ فمن صخب محطة "صوت العرب" التي هزت عروش الاستعمار في أوج حضورها، وكانت كلمتها خنجرا في خاصرته، وبرامجها منصة تعبئ الشعوب، وصوتا يخط بوضوح ملامح القومية في لحظات المد التحرري؛ وعلى الضفة المقابلة وبموازاة ذلك ذهب "البرنامج العام" إلى تهذيب وصقل الذائقة، وعلم الناس أصول الحوار ولطائف الأدب، وصولا إلى محراب شبكة "القرآن الكريم" التي عطرت الأجواء بروحانية فريدة بأصوات كأنها هدايا من السماء، بحناجر أساطير دولة التلاوة؛ بداية من الحصري ومصطفى إسماعيل، ومرورا بالمنشاوي ومحمود علي البنا، وانتهاء بعبد الباسط عبد الصمد والطبلاوي، أولئك الذين سكبت قراءاتهم في أرواحنا طمأنينة لا تنتهي.

وإذا ما تسللنا إلى "طقوس الصباح"، وجدنا ذكريات محفورة في وجدان الأجيال؛ فكم من فجر تنفسنا عبير نداه ممزوجا بصوت "أم كلثوم" الحالم وهي تشدو: " يا صباح الخير يا اللي معانا.. الكروان غنى وصحانا"، وكم من رحلة عبر الطرقات استظلينا فيها بعباءة الإذاعية القديرة "آيات الحمصاني"، وهي تهمس في آذان العابرين ببرنامجها "طريق السلامة" مستهلة حلقاته بعبارتها الشهيرة: "عزيزي المستمع .. في طريق السلامة .. صاحبتك السلامة"، تلك العبارة التي صارت ملاذا للأمان ورداء من الود، ممتزجة بمقدمة غنائية مميزة بصوت المطربة "نجاح سلام" الدافئ: "بالسلامة يا حبيبي ..بالسلامة". لقد انصهرت كلمات شاعرنا "الأبنودي" في هذين الصوتين، حتى ظن المستمعون أن الأغنية ولدت من رحم البرنامج لا قبله، فغدت دعاء مألوفا يتردد في كل بيت، كأنها تميمة حماية وتعويذة سكينة رافقت السائرين في دروب الحياة.

كهنة الكلمة .. صناع الوعي

لعبت الإذاعة المصرية دورها المحوري كفاعل سياسي استراتيجي، ومرآة عاكسة لتحولات الدولة في مراحلها المفصلية؛ فمن خلف الميكروفون، تجاوز الإذاعي دور القارئ للنشرات ليغدو صانعا للرأي العام، ووسيطا فاعلا بين سلطة القرار ونبض الشارع.

لقد أدركت الدولة المصرية مبكرا أن من يملك الأثير يملك مفاتيح الوعي؛ لذا استقرت الإذاعة في قلب معارك الدولة، لتصبح ميدانا لاختبار السياسات الوطنية، وشاهدا حيا على لحظات الانكسار والانتصار، وحصنا منيعا أمام محاولات اختراق الجبهة الداخلية، متجاوزة كونها مجرد أداة للبث لتصير "قوة ضاربة" في حقل الوعي الوطني تحدد التوجهات، وتؤطر المواقف، وترسخ الهوية الوطنية في مواجهة تلاطم الأمواج السياسية ومنعطفات التاريخ الكبرى.

وإذا كانت البرامج هي الواجهة التي أحبها المستمعون، فإن خلف تلك البرامج رجالا ونساء نذروا أعمارهم للكلمة، وحولوا الميكروفون إلى أداة للتنوير والتثقيف وبناء الوجدان. كانوا أصواتا مألوفة في البيوت، لكن أثرهم تجاوز حدود الأثير ليصنع أجيالا متعاقبة من المستمعين.

كيف لنا أن ننسى الإذاعية القديرة "صفية المهندس" الملقبة ب "أم الإذاعيين"، التي كانت بصوتها الحاني تجمع العائلة العربية حول برنامجها الأشهر "إلى ربات البيوت"؟ وكيف لا نغازل خواطر الشعوب العربية التي ارتبطت ارتباطا وجدانيا وثيقا ب "عائلة مرزوق أفندي"؟ كيف نتجاوز الإذاعيين "طاهر أبو زيد" الذي عرف بتقديم البرامج الجماهيرية، و"فهمي عمر" وغيرهما؟ وكيف نتجاهل من غرسوا في أطفالنا قيم الانتماء والحب؛ استهلالا برائد برامج الأطفال "محمد محمود شعبان" الشهير بـ "بابا شارو" ذلك اللقب الذي ولد من خطأ غير مقصود ولازمه طوال حياته حتى صار جزءا من هويته ومرورا بالإذاعية الرائعة "فضيلة توفيق" الشهيرة بـ "أبلة فضيلة" ببرنامجها "غنوة وحدوتة" الذي عرف بهذا النداء الطفولي الفطري: " يا ولاد .. يا ولاد .. تعالوا معانا .. علشان نسمع أبلة فضيلة".

تلك الحكايات التي كانت تطل علينا بها كل ضحى، لتسكن أرواحنا بصوتها الحنون الذي لا ينسى، معلنة بدء عالم من الخيال والقيم، فكنا ننتظر طلتها لنترك كل ما في أيدينا وننصت لقلبها المحب الذي جعل من الإذاعة بيتا لكل طفل مصري.

كل هؤلاء وغيرهم الكثير، لم يكونوا مجرد إذاعيين يلقون الكلمات عبر الأثير، بل كانوا كهنة لهذا المعبد الإعلامي؛ يحرسون شعلة الوعي، ويصونون قدسية الكلمة، ويحرصون على أن تظل روح "هنا القاهرة" حية لا يطالها الزيف ولا يعتريها الخفوت، فصاغوا وجدان الشعوب، وعلموا الفصحى لأجيال لم تكن تملك غير الراديو نافذة تطل منها على العالم.

وفي هذا الإطار، لنا موعد متجدد مع الخلود حين تأتي "دقات الخامسة مساء"؛ تلك اللحظة التي ينتظرها الجميع، فمن منا لا يترقبها ليصفي ذهنه ويغذي روحه بصوت سيدة الغناء العربي في وصلتها الغنائية اليومية يعقبها محمد عبد الوهاب، ومن بعدهما عمالقة الطرب عبر إذاعة الشدو "إذاعة أم كلثوم"؟

لقد كانت إذاعتنا المصرية سفيرا لا يحتاج إلى تأشيرة، يحمل جواز سفر دبلوماسي من الصدق والمهنية ورصانة اللغة، فتدخل القلوب قبل البيوت، وتسكن العقول قبل الآذان، وتوحد الوجدان العربي من المحيط إلى الخليج. حتى أصبحت القاهرة مرجعا للسمع والفكر والأدب والذوق الرفيع، حيث تآلف الحبر مع الصوت، وتأنقت اللغة في أبهى حللها، وتحولت الإذاعة المصرية إلى "مدرسة الوعي الكبرى"، تذيب الحدود الجغرافية، وتجعل الأسر العربية تضبط ساعاتها على توقيت القاهرة.

من خيال السمع إلى سحر البصر .. ماسبيرو يروي قصة وطن

ولم تكن الإذاعة في صدارة المشهد الوطني وحيدة، بل امتدت رسالتها وتجلت في أبهى صورها البصرية مع بزوغ فجر التلفزيون بردائه الأبيض والأسود في الحادي والعشرين من يوليو عام 1960، ففي الذكرى الثامنة لثورة يوليو المجيدة، انتقلت مصر من عالم "خيال السمع" إلى رحابة "سحر البصر". لم يعد الإعلام حينها صوتا دافئا يداعب الوجدان فحسب، بل صار وجها مألوفا، وذاكرة حية ومرجعا موثوقا به يطمئن إليه المواطن.

وفي هذا السياق، لعب "مبنى ماسبيرو" دورا محوريا في ضياغة الوعي الفكري وتشكيل الموقف السياسي؛ فلطالما كان ذلك الصرح الشامخ على ضفاف النيل حصن الدفاع الأول. ومكمن الحقيقة التي يترقبها الجميع في أيام انكساراته ونصره. ومن تلك الاستوديوهات العتيقة، انطلقت برامج نحتت أثرها في ذاكرة الأمة؛ فكيف لنا أن ننسى "أحمد فراج" وهو يفتح لنا أبواب المعرفة والإيمان ببرنامجه الديني الخالد "نور على نور"؟ أو رحلات الدكتور "مصطفى محمود" الفلسفية الفريدة في رحاب "العلم والإيمان"، حيث كان يصحبنا في دروب عجائب الكون وأسرار المخلوقات وبواطن العلوم.

وكيف تغيب عن الذاكرة لقاءات "ليلى رستم" الشيقة، و"مفيد فوزي" بحواراته العميقة التي تجاوزت حدود الأسئلة التقليدية لتكشف ملامح الإنسان خلف الشهرة والنجومية؟.

وعلى الجانب الآخر من الشاشة، شكلت برامج الأطفال عالما موازيا من البهجة والبراءة؛ حيث ارتبطت الأجيال ب "ماما نجوى" ورفيقها "بقلظ" اللذين تحولا معا إلى طقس يومي لا يكتمل اليوم إلا به، وتعلقت القلوب ب "فوازير رمضان" التي باتت على يد "نيللي" ومن بعدها "شريهان" عرسا رمضانيا يترقبه الملايين بشغف وتوق. ولأن "ماسبيرو" كان مدرسة للذوق العام، فقد صنع "نادي السينما" جيلا من عشاق الفن السابع، يعي أن الفيلم ليس مجرد حكاية عابرة تروى، بل لغة وثقافة ورؤية للحياة.

ولا تكتمل هذه الصورة دون المرور عبر بوابات "النشرات الإخبارية" و"مواجيز الأنباء"، التي قادها حراس الكلمة الصناديد: همت مصطفى، وأحمد سمير، ومحمود سلطان، وحلمي البلك؛ أولئك الذين حملوا وقار الدولة في نبرات أصواتهم، فصاروا جزءا من هيبة الخبر وصدقه. لقد كان "ماسبيرو" بإذاعته وتلفزيونه هو "البيت الكبير" الذي انصهرت فيه أوجاع الأمة وأفراحها، وظل صوتا وصورة يربط الإنسان المصري بأرضه، والعربي بقلب عاصمته النابض.

فرد من الأسرة

وإذا كانت الإذاعة قد صنعت الخيال، فإن التلفزيون المصري جاء ليمنح ذلك الخيال وجها وصورة وذاكرة لا تنسى. ففي ماسبيرو، تضافرت عبقرية المخرج، وبلاغة الكاتب، وحنجرة المذيع، ليصنعوا معا درعا ثقافيا حاميا للعقل العربي من التجهيل والتغريب. فمنذ انطلاق إرساله من مبنى ماسبيرو، لم يقف التلفزيون عند حد كونه مجرد شاشة فضية تضاء في ركن من أركان المنزل، بل صار فردا من أفراد الأسرة؛ يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويصوغ وجدانهم الجمعي على مهل وبلا ضجيج.

حوله اجتمعت العائلات، وتعلمت أجيال كاملة معنى "الانتظار الجميل" لبرامجهم ومسلسلاتهم المفضلة، قبل أن يداهمنا عصر السرعة الذي جعل كل شيء متاحا بضغطة زر على أجهزة لوحية نحملها بأيدينا. لم يكن التلفزيون وسيلة للترفيه فحسب، بل كان جامعة مفتوحة للفنون والعلوم والثقافة؛ منه تعرف الناس على قامات الأدب والفكر والعلوم، وعلى شاشته رويت حكايات، وشوهدت حفلات تحولت إلى مناسبات قومية، وتابع المشاهدون دراما اجتماعية وتاريخية صاغت هوية الأمة العربية على مدار عقود طويلة.

"الأستاذ" .. رائد التجديد وصانع الأفق

مع امتداد رحلة الإعلام المصري وتحولاته، ظل التطوير سمة ملازمة لكل مرحلة، يقودها رواد حملوا على عاتقهم أمانة التحديث. وفي هذا السياق، كنت محظوظا بأنني شاهدت منذ يومين على شاشة قناة "نايل لايف" فيلما تسجيليا بعنوان "الأستاذ"، الذي وثق سيرة الإعلامي "حسن حامد" ببراعة، كاشفا عن رائد من رواد الإعلام الحديث حفر اسمه في الذاكرة الإعلامية بوصفه أول الأصوات التي صدحت من صرح "ماسبيرو" عقب الانتقال المؤسسي للإذاعة من مبنى الشريفين.

لم تكن مسيرة "الأستاذ" محلية النطاق، بل امتدت لتنهل من فضاءات عالمية؛ إذ بدأ تجربته الخارجية في الإذاعة اليابانية (NHK) عام 1969، حيث اختارته المؤسسة اليابانية بعد اختبارات دقيقة ليكون أصغر مذيعيها سنا آنذاك، وهناك تشرب أسلوب الإدارة الياباني القائم على التشاور والعمل الجماعي، وقدم من خلالها برامج متنوعة. وتوالت محطاته الدولية حين التحق بالعمل "مستشارا إعلاميا" للسفارة المصرية في طوكيو تابعا للهيئة العامة للاستعلامات، تلتها إسهاماته في إذاعة "صوت أمريكا" ومحطات إعلامية في لبنان واليونان وغيرهما. هذه التراكمات الدولية ساهمت بجلاء في صقل خبرته، وتشكيل رؤيته التنويرية التي طبقها لاحقا في التلفزيون المصري.

عند عودته، دشن "الأستاذ" مرحلة فارقة من التحديث؛ فأسس قناة "المعلومات المرئية"، وهي تجربة رائدة قدمت المحتوى الإخباري والمعرفي والخدمي بصورة بصرية تعتمد على السرعة والدقة، وتكثيف المعلومة في إطار مرئي مبسط يواكب التحولات التقنية. ثم أطلق قناة "Nile TV" عام 1994 لتكون نافذة مصرية منفتحة على العالم، تجمع بين الرسالة الثقافية والخطاب المعاصر، مخاطبة الجاليات العربية والجمهور غير العربي بالخارج.

ومع دخول مصر عصر الأقمار الصناعية، حمل على عاتقه تأسيس "قطاع القنوات المتخصصة"، الذي فتح آفاقا أوسع لتنوع المحتوى، من أخبار وثقافة ودراما ورياضة وعلوم. لم يكن هذا المشروع مجرد توسع مؤسسي، بل كان رؤية إيمانية بأن الإعلام الحقيقي ليس فقط "بثا للرسائل"، بل هو صناعة للمساحات المعرفية، واحتضان للطاقات الشابة، ومنح للأجيال الجديدة فرصة التعلق بالمهنية داخل منظومة لا تكف عن التجدد.

أمس يصافح الغد .. مسار لا ينتهي

ولأن الشجر العتيق لا يكف عن الإزهار، يظل "ماسبيرو" رغم صخب الرقمنة وتصاعد طوفان الإعلام الإلكتروني هو حارس البوابة؛ فالتحديث في جوهره ليس مجرد طفرة تقنية، بل هو صون للهيبة، وملاذ للمصداقية، واستعادة للريادة. وفي هذا الإطار، لم يعد "ماسبيرو" يكتفي بالنظر إلى الوراء، بل شرع في استعادة بريق مجده تحت شعار "عودة ماسبيرو" الذي أطلقه الكاتب والإعلامي "أحمد المسلماني"، محولا ذلك الشعار من محض كلمات رنانة إلى نهج مؤسسي ملموس.

لقد دشن "المسلماني" مرحلة عنوانها "استعادة الروح"؛ فمن خلال رؤية إدارية وبرامجية طموحة، أكد على حتمية نفض الغبار عن كنوز المبنى العتيق، سواء على مستوى المواد التراثية المسموعة والمرئية، وحسن استغلالها بالشكل الأمثل، أو على مستوى استنهاض الطاقات البشرية.

وفي هذا الصدد، شملت الرؤية تغييرات هيكلية استهدفت ضخ دماء جديدة في القطاعات الحيوية، مع التركيز على استكمال مشروعات التطوير البرامجي، المرئي والمسموع.

وعلى ذكر الطاقات البشرية، فقد طالت يد التطوير "أكاديمية ماسبيرو للتدريب" التي تمثل حجر الزاوية، حيث أعيد تفعيلها بتشكيل مجلس أمناء جديد وقيادة شابة، لتكون جسرا ينقل خبرات العمالقة إلى عقول شابة واعدة، معيدا بذلك الاعتبار للمدرسة الإعلامية المصرية الأصيلة. ولم يتوقف الطموح عند أروقة التدريب، بل امتد ليعيد لمحة الحياة الأدبية إلى "مجلة الإذاعة والتلفزيون" كمنصة فكرية شاملة، لا تكتفي بنقل الخبر أو إجراء التحقيقات الصحفية المعتدلة، بل تعيد إصدار الكتب التي توثق التراث المصري وتثري العقل العربي، وفي هذا المجال التنويري جاء أيضا تدشين "صالون ماسبيرو الثقافي"، الذي استضاف قامات فكرية وشعرية وسياسية.

أما على مستوى الأعمال البرامجية، فقد انطلق بالأمس القريب البرنامج المسائي الجديد "من ماسبيرو" ليجسد تلك العودة في صورة حية، نافذة يصافح فيها الماضي الحاضر، وتستعيد فيها الشاشة بريق المحتوى الرصين.

ولم تكن هذه الخطوات إلا غيضا من فيض؛ فقد دبت الحياة في قاعات الحفلات، وأحييت اللقاءات الفنية الثقافية، وعاد العمل ليتطور بإيقاع يجمع بين "رجاحة التأسيس" و"حداثة التنفيذ". إنها خطوة واثقة تؤكد أن هذا الإرث لا يعرف التحجر، بل يتنفس تطورا مستمرا، معلنا أن "هنا القاهرة" ستظل دائما هي القلب الذي يضبط إيقاع الوعي العربي.

ختاما ..

لا بد من الإدراك بأن "ماسبيرو" ذاك الصرح الذي صاغ ملامح الوعي في أمتنا المصرية والعربية يمر بمرحلة من إعادة التموضع في عالم تتسارع فيه الخطى الرقمية والتكنولوجية، وتتبدل فيه أدوات البث والتلقي على نحو غير مسبوق، بل وتتباين فيه الرغبات أيضا.

ربما بدا أحيانا وكأنه يمر بلحظات خفوت عابر، غير أن هذا التواري النسبي لا يعني انطفاء، إنما هو في جوهره حالة من التكيف الواعي مع بيئة إعلامية متغيرة، قوامها المنصات وتطبيقات الإعلام التفاعلي.

ومع ذلك، يظل "ماسبيرو" بما يحمله من ذاكرة مؤسسية عريقة ورصيد ممتد من المهنية رقما صعبا في معادلة الإعلام؛ فهو لا يقف خارج هذا التحول، بل يواكبه ويعيد تشكيل حضوره داخله، ساعيا وإن دخل في منافسة مع فضاءات إعلامية أكثر سرعة واتساعا إلى محاورة العصر دون أن يفرط في أصالة الجوهر.

وهكذا، يبقى هذا الكيان شامخا، لا تعصف به رياح التغيير، بل تزيده التحولات رسوخا في الذاكرة الجمعية؛ شاهد إثبات على أن الأصالة حين تمتزج بالتجديد لا تذهب أدراج الرياح، بل تكتسي ثوبا أكثر رحابة.

فعبارة "هنا القاهرة" ليست محض تراث يستعاد للذكرى، بل هي نبض رسالة التنوير، وضخ مستمر لدماء جديدة في عروق الإعلام العربي.

سيظل "ماسبيرو" كما كان دائما قلبا لا يفتأ يضبط إيقاع الوعي، ولسانا يصدح بالحق، ومنارة أبية تذكرنا في الحادي والثلاثين من مايو من كل عام، بأننا أمة صوتها بوصلتها، وكلمتها هوية أبدية لا تعرف الخفوت ولا تقبل الاندثار.

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محمود علام
محمود علام

المزيد من مقالات

فتيات يصنعن الجيل الأخضر .. حين يتحول التطوع إلى قوة للوعي والاستدامة

شهد العمل التطوعي البيئي خلال السنوات الأخيرة حضورا متزايدا للفتيات الشابات، سواء في حملات التوعية أو المبادرات المجتمعية أو الأنشطة...

محمد صلاح.. الدرس الذي يجب أن يدرس لكل شاب عربي

في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تصنع أحيان بالضجيج، خرج شاب بسيط من قرية مصرية صغيرة ليؤكد أن الطريق الحقيقي إلى...

دفاع عقلاني عن القانون الدولي

في عالم تتوالى فيه مشاهد القتل، والتهجير، والحصار، واستهداف المدنيين، لم يعد السؤال عن جدوى القانون الدولي سؤالا نظريا يخص...

الحياة في ظل الشرق الأدنى القديم

نبدأ منذ هذا الأسبوع سلسلة من المقالات تحت عنوان "كانوا مثلنا" تقدمها لنا د. دينا إبراهيم سليمان أستاذ اثار مصر...