هل الذكاء الاصطناعي يتجسس علينا؟

في أحد الأيام، وبينما كنت احاضر لطلاب هندسة الذكاء الاصطناعي عن مفهوم الذكاء الاصطناعي، سألني أحدهم سؤالا أربكني للحظة، ليس لأنه صعب، بل لأنه يمس حياتنا جميعا. قال لي: "يا دكتور، هل الذكاء الاصطناعي يتجسس علينا فعلا؟"

د. م . عمرو الغفاري
دكتور الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي

 

ابتسمت، ثم تذكرت موقفا حدث معي قبل سنوات. كنت أتحدث مع أحد أصدقائي عن رغبتي في شراء كاميرا احترافية. لم أكتب شيئا على الإنترنت، ولم أبحث عنها في أي موقع. وبعد ساعات قليلة، فوجئت بإعلانات الكاميرات تظهر أمامي في أكثر من تطبيق. كانت تلك اللحظة كافية لأجعلني أتساءل: هل يستمع إلينا أحد؟ أم أن الأمر أكثر تعقيدا مما نتخيل؟

بدأت أبحث في الدراسات العلمية وتقارير شركات التقنية، فاكتشفت أن الحقيقة ليست كما تصورها أفلام الخيال العلمي، وليست أيضا بالبراءة التي يتخيلها البعض.

في عام 2018، كشفت صحيفة The New York Times عن واحدة من أشهر قضايا الخصوصية في العصر الحديث، وهي قضية Cambridge Analytica. فقد تبين أن بيانات ملايين مستخدمي فيسبوك استُخدمت دون علمهم في بناء نماذج لتحليل شخصياتهم والتأثير في قراراتهم السياسية خلال الانتخابات الأمريكية عام 2016. لم يكن الذكاء الاصطناعي هو من تجسس عليهم، لكنه كان الأداة التي حللت هذا الكم الهائل من البيانات واستخرجت منها أنماطا دقيقة جدا.

ومنذ ذلك الوقت، تغيرت نظرتي إلى مفهوم "التجسس". فالذكاء الاصطناعي لا يجلس خلف شاشة يراقبنا كما يفعل شخص حقيقي، وإنما يعتمد على البيانات التي نمنحها نحن له كل يوم. كل عملية بحث، وكل إعجاب بصورة، وكل موقع نزوره، وحتى الوقت الذي نقضيه في مشاهدة مقطع فيديو، يتحول إلى معلومة تدخل في نماذج تحليلية متطورة تستطيع أن تتوقع اهتماماتنا وربما بعض قراراتنا المستقبلية.

ثم جاءت واقعة أخرى أكثر إثارة للاهتمام. ففي عام 2019، اعترفت شركات تقنية كبرى بأن بعض التسجيلات الصوتية الصادرة من المساعدات الذكية كانت تُراجع بواسطة موظفين لتحسين جودة التعرف على الكلام، بعد إزالة الهوية الشخصية قدر الإمكان. أثار ذلك جدلا عالميا حول الخصوصية، ودفع العديد من الشركات إلى منح المستخدمين خيارات لتعطيل حفظ التسجيلات الصوتية أو حذفها نهائيا.

عندما قرأت هذه الأخبار، أدركت أن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، وإنما في طريقة استخدام البيانات.

وفي عام 2021، دخل الاتحاد الأوروبي مرحلة جديدة من حماية الخصوصية، من خلال تشديد تطبيق اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، التي تمنح الأفراد حق معرفة البيانات التي تجمع عنهم، وحق حذفها، وحق الاعتراض على استخدامها في بعض الحالات.

ثم بدأت دول عديدة حول العالم في إصدار قوانين مشابهة لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات الشخصية.

واليوم، عندما أستخدم هاتفي، أعلم أن التطبيقات تعرف الكثير عني. فهي تعرف المدينة التي أعيش فيها إذا سمحت لها بالموقع الجغرافي، وتعرف نوع الهاتف الذي أستخدمه، وأوقات نشاطي، وما أبحث عنه، وما أشتريه. هذه المعلومات لا تُجمع عادة لأن الذكاء الاصطناعي "يتجسس" بالمعنى التقليدي، وإنما لأنها بيانات أذنت أنا – أحيانا دون أن أنتبه – بجمعها عند الموافقة على شروط الاستخدام.

ومن الناحية العلمية، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي لا تمتلك رغبة أو نية للتجسس. فهي لا تملك وعيا ولا فضولا بشريا. إنها مجرد خوارزميات رياضية تتعلم من البيانات التي تُتاح لها. ولذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في كمية البيانات التي نشاركها، وفي الجهات التي تمتلك تلك البيانات، وكيفية إدارتها وحمايتها.

لقد أصبحت مقتنعا بأن السؤال الصحيح ليس: "هل الذكاء الاصطناعي يتجسس علينا؟" بل يجب أن يكون: "من الذي يمتلك بياناتنا؟ وكيف يستخدمها؟"

إن الفرق بين السؤالين كبير جدا.

فالذكاء الاصطناعي يشبه المحرك في السيارة. المحرك لا يقرر إلى أين يذهب، وإنما السائق هو من يقود. وكذلك الذكاء الاصطناعي، فهو أداة قوية جدا، قد تُستخدم لتحسين الرعاية الصحية، وتشخيص الأمراض، وتطوير التعليم، وقد تُستخدم أيضا لتحليل البيانات الشخصية بصورة تتجاوز ما يتوقعه المستخدم إذا غابت القوانين والرقابة.

ولهذا أنصح دائما حضراتكم وكل من احاضرهم بأن يتعاملوا مع التكنولوجيا بوعي، لا بخوف. اقرأ أذونات التطبيقات قبل الموافقة عليها، وامنح كل تطبيق أقل قدر ممكن من الصلاحيات، واحذف ما لا تحتاج إليه، واستخدم كلمات مرور قوية، وفعّل المصادقة الثنائية، وراجع إعدادات الخصوصية بصورة دورية.

وفي النهاية، وبعد سنوات من البحث والدراسات كدكتور جامعي متخصص في هندسة الحاسبات والعمل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، أستطيع أن أقول بثقة إن الذكاء الاصطناعي لا يتجسس علينا بمفرده، لكنه يستطيع أن يصبح أكثر الأدوات قدرة على تحليل حياتنا إذا منحناه البيانات بلا حدود.

المستقبل لن يكون للأكثر خوفا من الذكاء الاصطناعي، بل للأكثر فهما له، وللأقدر على استخدامه بوعي، مع الحفاظ على خصوصيته وحقوقه الرقمية. هكذا أرى الأمر، وهكذا أجيب دائما عندما يسألني أحدهم: هل الذكاء الاصطناعي يتجسس علينا؟ فأقول: ليس الذكاء الاصطناعي هو من يتجسس، وإنما البيانات التي نتركها خلفنا هي التي تتحدث عنا أكثر مما نتخيل.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ابراهيم الصياد
نهال الشافعي
عمرو الغفاري
أيمن عدلى:  ماسبيرو و الذاكرة والأمل.. والإعلام الــوطنى درع الدولة
ابراهيم الصياد
عمرو الغفاري
المستشار حسام الدين علام
عمرو الغفاري

المزيد من مقالات

هل الذكاء الاصطناعي يتجسس علينا؟

في أحد الأيام، وبينما كنت احاضر لطلاب هندسة الذكاء الاصطناعي عن مفهوم الذكاء الاصطناعي، سألني أحدهم سؤالا أربكني للحظة، ليس...

3 يوليو.. يوم استعادة الدولة المصرية

يبقى الثالث من يوليو واحدًا من أكثر الأيام تأثيرًا في التاريخ المصري الحديث، إذ يمثل في وجدان ملايين المصريين لحظة...

الحروب المعلوماتية وآليات إدارة تحديات المستقبل!

القوة العسكرية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بعدد الجنود أو حجم الترسانة التسليحية فقط، بل أصبحت ترتبط بقدرة...

القانون وإدارة المعرفة.. من الأرشيف إلى القرار الرشيد

إدارة المعرفة تعني تنظيم البيانات والمعلومات والخبرات المتراكمة بطريقة تجعلها مفهومة، موثوقة، قابلة للوصول، وقابلة للاستخدام في اتخاذ القرار وخدمة...