استعراض القوة في حرب إيران.. والدول النامية تدفع الثمن

في الأزمات الدولية الكبرى لا تُقاس المواجهات فقط بعدد الضربات العسكرية أو نطاق العمليات الميدانية، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على إدارة الصراع في مستوياته المختلفة؛ العسكرية والسياسية والاقتصادية والنفسية.

نهال الشافعى
ماجستير علوم سياسية و استراتيجية
ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية

 

فالحروب الحديثة لم تعد مجرد معارك تُحسم في ساحات القتال، وإنما تحولت إلى منظومات معقدة من الرسائل الاستراتيجية واستعراض القوة ومحاولات فرض معادلات ردع جديدة.

وفي سياق الحرب الدائرة حول إيران، يتجلى هذا النمط بوضوح. فإلى جانب العمليات العسكرية المباشرة، يشهد المشهد الإقليمي والدولي حالة مكثفة من استعراض القدرات العسكرية والتلويح بخيارات تصعيدية، في إطار صراع لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب ميدانية، بل إلى إعادة تشكيل توازنات القوة وإرسال رسائل سياسية تتجاوز حدود ساحة المواجهة المباشرة.

هذا الاستعراض للقوة ليس مجرد تعبير عن التفوق العسكري، بل هو جزء من معادلة أوسع في إدارة الصراعات. فالدول المنخرطة في مثل هذه الأزمات تسعى إلى تثبيت معادلة ردع تجعل تكلفة التصعيد على الخصم مرتفعة، وفي الوقت نفسه تحاول الحفاظ على هامش من التحكم في مسار الأزمة لتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة النطاق قد تتجاوز حسابات الأطراف المختلفة.

غير أن هذه المعادلات الاستراتيجية لا تظل محصورة في نطاق الدول المتصارعة فقط، بل تمتد آثارها إلى النظام الدولي بأكمله. ففي عالم شديد الترابط اقتصاديًا، يمكن لأي توتر جيوسياسي في منطقة حساسة أن يتحول سريعًا إلى عامل ضغط على الأسواق العالمية، خاصة في ما يتعلق بالطاقة والتجارة الدولية.

ومع تصاعد حدة المواجهات المرتبطة بالحرب حول إيران، بدأت الأسواق العالمية تعكس بالفعل حالة القلق المصاحبة لمثل هذه التطورات. فمجرد التلويح بتوسيع نطاق الصراع أو تهديد طرق التجارة وإمدادات الطاقة كفيل بإثارة تقلبات في أسعار النفط والغاز، فضلًا عن التأثير في حركة النقل البحري وسلاسل الإمداد العالمية.

وفي هذه النقطة تحديدًا تظهر واحدة من أبرز مفارقات النظام الدولي المعاصر. فبينما تمتلك القوى الكبرى قدرات اقتصادية ومالية تمكّنها نسبيًا من امتصاص صدمات الأزمات الدولية أو إعادة توزيع كلفتها داخليًا، تجد العديد من الدول النامية نفسها في موقع أكثر هشاشة أمام هذه التقلبات.

فارتفاع أسعار الطاقة يمثل عبئًا مباشرًا على اقتصادات تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من الوقود، كما أن اضطراب حركة التجارة الدولية ينعكس بدوره على تكلفة السلع الأساسية وأسعار الغذاء والنقل. ومع تزايد الضغوط التضخمية عالميًا، تصبح هذه العوامل مجتمعة مصدر تحدٍ اقتصادي حقيقي لكثير من الدول التي لا تمتلك هوامش مالية واسعة للتعامل مع الصدمات الخارجية.

ولا يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد أيضًا إلى حالة عدم اليقين التي تخلقها الأزمات الجيوسياسية الكبرى. فالمستثمرون بطبيعتهم يميلون إلى تجنب المخاطر في أوقات التوترات الدولية، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع التدفقات الاستثمارية نحو العديد من الأسواق الناشئة، في وقت تكون فيه هذه الاقتصادات في حاجة ماسة إلى جذب الاستثمارات لدعم النمو والاستقرار المالي.

ومن ثم، فإن استعراض القوة في مثل هذه الصراعات لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تنافس عسكري أو سياسي بين أطراف محددة، بل هو جزء من معادلة أوسع تتداخل فيها الاعتبارات الاستراتيجية مع التأثيرات الاقتصادية العالمية. فكل تصعيد في الخطاب السياسي أو تحرك عسكري على الأرض قد ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على استقرار الأسواق الدولية، وعلى قدرة العديد من الدول على الحفاظ على توازنها الاقتصادي.

وفي ضوء ذلك، تبدو الحرب المرتبطة بالملف الإيراني مثالًا واضحًا على طبيعة الصراعات في النظام الدولي المعاصر؛ صراعات تتجاوز حدودها الجغرافية، وتمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي وإلى حياة ملايين البشر خارج نطاق الدول المنخرطة فيها.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أن العالم النامي غالبًا ما يجد نفسه في قلب تداعيات صراعات لم يكن طرفًا في صنعها. فبينما تنخرط القوى الكبرى في لعبة التوازنات واستعراض القوة وإعادة رسم معادلات النفوذ، تتحمل العديد من الدول الأقل قدرة اقتصاديًا كلفة هذه التحولات، سواء في صورة ضغوط اقتصادية متزايدة أو تقلبات في الأسواق العالمية.

وهكذا، فإن الحروب في عصر العولمة لم تعد شأنًا يخص أطرافها المباشرين فقط، بل أصبحت أحداثًا ذات تأثير عالمي واسع، يدفع ثمنها في كثير من الأحيان أولئك الذين يقفون خارج دائرة الصراع، ولكنهم يظلون الأكثر تأثرًا بتداعياته.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مقالات

وماذا بعد؟!

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

العيدية.. طبق مملوء بالدنانير الذهبية

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...

قصر محمد علي بشبرا الخيمة

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...

الاحتفال بالعيد والصلاة بجامع الناصر محمد بالقلعة

"بين عبق التاريخ وأسرار الحضارة، يصحبكم الأستاذ الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، في رحلة...

قصر بشتاك

نستمر شهر رمضان المعظم 1447 2026 مع الأستاذ الدكتور محمد احمد عبد اللطيف أستاذ الآثار وعميد كلية السياحة والفنادق بجامعة...