أيام التراث الأوروبية 2026..نافذة استثنائية على ذاكرة فرنسا ومواقعها التاريخية

ما بين عراقة الماضي ومتطلبات الحاضر.. وفي نموذج حي للتفاعل بين المواطنين وتاريخ بلادهم.. تفتح فرنسا أبواب العديد من المواقع التاريخية و الثقافية أمام الجمهور في مختلف أنحاء البلاد، بمناسبة الدورة الـ43 من "أيام التراث الأوروبية"، لتتحول فرنسا الى متحف مفتوح يمنح الجمهور فرصة استثنائية لاكتشاف مواقع لا تكون متاحة للزيارة عادةً، وأماكن يصعب الوصول إليها أو تبقى مغلقة أمام الزوار معظم أيام العام، من بينها مقار مؤسسات الدولة والقصور والمتاحف والمواقع العسكرية..

وتعد "أيام التراث الأوروبية" التي تحتفل بها فرنسا يومي 19 و20 سبتمبر من كل عام، من أبرز الفعاليات الثقافية السنوية في فرنسا، حيث تُنظم خلال عطلة نهاية الأسبوع الثالثة من شهر سبتمبر من كل عام، لتجسد نموذجاً حياً للتفاعل بين المواطنين وتاريخ بلادهم، ولتتحول هذه المناسبة إلى جسر يربط بين عراقة الماضي ومتطلبات الحاضر عبر فتح الأبواب المغلقة أمام الجمهور؛ مما يعزز الوعي بأهمية صون التراث الوطني والدولي، ويفتح نافذة استثنائية على ذاكرة فرنسا ومؤسساتها.

شعار أيام التراث الأوروبية

تحمل الدورة الحالية شعارين رئيسيين:

* 200 عام من التصوير

الشعار الاول "تراث التصوير الفوتوغرافي"، بمناسبة مرور 200 عام على اختراع التصوير الفوتوغرافي.

وتصف وزيرة الثقافة الفرنسية رشيدة داتي الاحتفال بمئوية التصوير الثانية بأنه فرصة لاستعادة تاريخ هذا الفن وإظهار تنوع الإبداع المعاصر، قائلة إن المناسبة تحتفي بـ"تاريخ هذا الفن الكبير في فرنسا" وبمجموعات البلاد الفريدة، بالتوازي مع تقديم أحدث التجارب الإبداعية.

* حماية التراث المهدد

الشعار الثاني هو "تراث مهدد: إحياء، مقاومة، إعادة تصور"، وهو الموضوع الأوروبي لهذه الدورة، لتسليط الضوء على سبل حماية التراث المهدد جراء التغيرات المناخية والسياحة المفرطة على المواقع التاريخية والصراعات والتحولات المختلفة.

وأكد المتحدث باسم وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، باسكال كونفافرو، انخراط فرنسا الفاعل في حماية التراث العالمي المهدد بالاندثار أو التدمير، ولاسيما من خلال التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع "مؤسسة أليف" (ALIPH)، التي تحتفل هذا العام بمرور عشر سنوات على تأسيسها، بما يجسد التزام فرنسا بدعم وصون الهوية الثقافية والتاريخية للإنسانية.

زيارة 20 ألف موقع تاريخي وثقافي

تشهد هذه الفعالية السنوية مشاركة نحو 20 ألف موقع تاريخي وثقافي في مختلف أنحاء البلاد، إلى جانب تنظيم أكثر من 28 ألف فعالية، تشمل جولات مصحوبة بمرشدين وورش عمل ومعارض خاصة؛ بما يمكن للجمهور من التعرف على جوانب مختلفة من التراث الفرنسي، من المواقع التاريخية والثقافية إلى المؤسسات السياسية والعسكرية.

وتستقطب ما يقارب 12 مليون زيارة في جميع أنحاء الأراضي الفرنسية، فيما خصصت بعض المواقع يوم الجمعة لاستقبال الطلاب في إطار مبادرة "ارفعوا أعينكم"، التي تهدف إلى تعريف الأجيال الشابة بالتراث المحيط بها.

وكانت نسخة 2025 قد سجلت نحو 7.4 مليون زيارة في أكثر من 18,500 موقع بفرنسا.

مؤسسات الدولة السيادية أمام الجمهور

ولا تقتصر الفعالية على المتاحف والمباني التاريخية الشهيرة، وإنما تمتد بصورة استثنائية إلى عدد من المؤسسات السياسية والسيادية، من بينها قصر الإليزيه، مقر رئاسة الجمهورية الفرنسية، وقصر لوكسمبورج، مقر مجلس الشيوخ الفرنسي، وقصر ماتينيون، مقر رئيس الوزراء، ومقر وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية "كي دورسيه"، إلى جانب عدد من المواقع التابعة لوزارة الجيوش الفرنسية.

* قصر الإليزيه

الزوار قاموا خلال يومي الفعالية بزيارة قصر الإليزيه حيث تسمح الجولة للزوار بالانتقال من حدائق القصر إلى ساحة الشرف، مرورًا بمختلف الصالات، إلى جانب الأنشطة والمعارض العديدة المقامة بهذه المناسبة.

ويختزل قصر الإليزيه ثلاثة قرون من أسرار التاريخ، حيث تتشابك آثار الملوك والأباطرة ورؤساء الجمهوريات المتعاقبين، وتحمل جدران كل صالة من صالاته ذاكرة قرار مصيري رسم ملامح البلاد أو غير مسارها، ومحطات سياسية تركت بصمتها في تاريخ أوروبا.

أنشئ عام 1722 باسم "فندق إيفرو" كمقر أرستقراطي خاص، تعاقبت عليه شخصيات بارزة، في مقدمتها الماركيزة دي بومبادور، مستشارة وحبيبة الملك لويس الخامس عشر، وشهد تنازل نابليون بونابرت عن العرش عام 1815 وانتهاء إحدى أهم المراحل الإمبراطورية في البلاد، وصولا إلى تخصيصه عام 1848 من الجمعية الوطنية (البرلمان) مقرا لرئيس الجمهورية.

القصر يستقبل نحو 10 آلاف زائر خلال "أيام التراث"، ويشعر نحو 800 موظف يعملون داخل القصر بالفخر والسعادة حين تفتح أبوابه سنويا أمام الفرنسيين،

ومع انقضاء "أيام التراث الأوروبية"، ويومين من ازدحام قاعات القصر بعامة الزوار، تغلق الأبواب الرئاسية من جديد، لتستعيد الممرات سكونها المهيب، ويعود الإليزيه إلى دوره المعتاد في استقبال قادة العالم واحتضان اللقاءات والاتصالات التي ترسم توجهات فرنسا وعلاقاتها الدولية، في امتداد لدور تاريخي يتواصل من جيل إلى جيل.

* قصر لوكسمبورج

ويمكن للزوار التعرف على قصر لوكسمبورج، مقر مجلس الشيوخ الفرنسي، بما في ذلك قاعة الجلسات والمكتبة وقاعة المؤتمرات، مع إتاحة الدخول مجانًا ودون حجز مسبق.

* موقع "الجنرال إستيان"

كما تشارك وزارة الجيوش الفرنسية في فعاليات "أيام التراث الأوروبية" من خلال إتاحة زيارة موقع "الجنرال إستيان" في مدينة رامبوييه، بإقليم إيفلين في منطقة إيل دو فرانس، جنوب غرب باريس، أمام الجمهور اليوم السبت، من الساعة العاشرة صباحًا حتى السادسة مساءً.

ويعد موقع "الجنرال إستيان" مركزًا رئيسيًا لدعم القوات المسلحة الفرنسية، كما يمثل أحد المواقع البارزة للتراث العسكري، إذ تعود مبانيه إلى أواخر القرن الثامن عشر، قبل أن يصبح مقرًا لثلاثة أفواج، ثم يحتضن منذ عام 2010 مصلحة التموين والدعم التابعة للقوات المسلحة الفرنسية.

ويتمكن الزوار من التعرف على أزياء وتجهيزات العسكريين في الماضي والحاضر، إلى جانب معدات الحماية الباليستية؛ بما يتيح لهم اكتشاف التطورات التي شهدتها وسائل الحماية الفردية للعسكريين على مدى العقود الماضية.

كما يعرض الموقع معدات الحياة الميدانية المستخدمة خلال التدريبات والعمليات العسكرية، بما في ذلك المطابخ الميدانية وحاويات التبريد والخزانات المرنة، إضافة إلى الخيام والأسرة ومعدات الاستحمام الميدانية، للتعريف بالوسائل اللازمة لدعم القوات المسلحة عند انتشارها بعيدًا عن قواعدها.

* مهام مصلحة التموين

وتمكّن هذه الفعالية الجمهور أيضًا من التعرف على مهام مصلحة التموين والدعم التابعة للقوات المسلحة، باعتبارها جهازًا مشتركًا بين أفرع القوات المسلحة يقدم خدمات الدعم اليومية، إلى جانب اكتشاف المهن والخبرات التي تسهم في تعزيز القدرات العملياتية للقوات المسلحة الفرنسية.

* مواقع وزارة أوروبا "كي دورسيه"

وأوضح المتحدث باسم وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، باسكال كونفافرو، أن مختلف مواقع الوزارة تستقبل الجمهور خلال هذه المناسبة، مشيرًا إلى أن شعار "التراث المهدد" يتماشى مع القضايا والتحديات الراهنة.

وذكرت وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، في منشور لها، إن "كي دورسيه" استقبل الجمعة طلاب المدارس، لإتاحة الفرصة لهم لاكتشاف مقره والوظائف والمهام المرتبطة بالدبلوماسية الفرنسية.

* قصر "باليه رويال"

قصر "باليه رويال" مقر وزارة الثقافة يفتح مساحات واسعة تشمل مكتب الوزيرة وصالات الاستقبال أمام الجمهور مجاناً.

* غرف الترميم "موبلييه ناسيونال"

كما يفتح "موبلييه ناسيونال" مخازنه وورش ترميم الأثاث والسجاد والمنسوجات.

* متحف الجيش

بينما يكشف متحف الجيش في "الإنفاليد" عن قاعات تاريخية لا تفتح عادة للزوار.

* نافذة عربية في قلب باريس

وللسائح العربي محطة ذات خصوصية في معهد العالم العربي، الذي يفتح أبوابه مجاناً خلال عطلة نهاية الأسبوع. ويضم البرنامج معرضاً عن التراث الليبي، وصوراً توثق الحياة الفلسطينية، وأعمال المتأهلين لجائزة التصميم، إلى جانب معرض "العلا.. تصميم إقليم حي" الذي يناقش العلاقة بين التطوير وحماية البيئة والتراث.

وبالنسبة لزائر باريس، تمنح المناسبة فرصة نادرة لرؤية وجه آخر للعاصمة بعيداً عن مساراتها السياحية التقليدية؛ فالجاذبية هذه المرة ليست في المعالم الشهيرة وحدها، بل فيما يوجد خلف الأبواب التي لا تُفتح عادةً.

علا الحاذق

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير منوعة

أيام التراث الأوروبية 2026..نافذة استثنائية على ذاكرة فرنسا ومواقعها التاريخية

ما بين عراقة الماضي ومتطلبات الحاضر.. وفي نموذج حي للتفاعل بين المواطنين وتاريخ بلادهم.. تفتح فرنسا أبواب العديد من المواقع...

دورة النجم محمد سعد..مهرجان الأسكندرية للمسرح يكرم 6 مبدعين ويعرض 16عملا دوليا

عروس البحر المتوسط تضرب اليوم، موعدًا مع ستة أيام من السحر المسرحي تتجسد على مسارحها، في رحلة فنية تجمع بين...

الحياة العسكرية بحصون مصر القديمة.. كشف أثري جديد بتل الأبقعين بالبحيرة

في كشف أثري كبير يسلط الضوء على الحياة العسكرية واليومية والتخطيط العمراني داخل الحصون المصرية القديمة، ويؤكد الأهمية الاستراتيجية للموقع...

بتجارب سينمائية متنوعة.. مهرجان الأردن الدولي للأفلام يعود من جديد 20 سبتمبر

تتجه أنظار محبي السينما في العاصمة الأردنية عمّان إلى الدورة الحادية عشرة من مهرجان الأردن الدولي للأفلام 2026، والتي تقام...


مقالات

من القاهرة إلى القاهرة
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 05:19 م
آداب طالب العلم
  • الإثنين، 21 سبتمبر 2026 12:00 م
توقير أهل العلم شرط النهضة الحضارية
  • السبت، 19 سبتمبر 2026 12:00 م