يوسف وهبى: مقولة «الفن للفـن» لا معـنى لهـا

يوسف وهبى" واحد من الفنانين القلائل الذين جمعوا بين التمثيل والإخراج والتأليف والإنتاج، وبالرغم من هذه المواهب المتعددة قدم يوسف وهبى 392 مسرحية، أخرج 250 مسرحية وكتب 60  مسرحية، كما أخرج 30 فيلما، وألَّف ما لا يقل عن 40 فيلما،

واشترك فى تمثيل ما لا يقل عن 60 فيلما، وكل هذه الأعمال خلدت فى التاريخ السينمائى خلال مسيرة دامت لأكثر من 50 عاما. ولد الفنان "يوسف وهبى" فى محافظة الفيوم فى 4 يوليو عام 1898، وكان الابن السادس لمفتش عموم الرى فى مصر "عبدالله باشا وهبى"، وبدأ يوسف وهبى تعليمه فى كُتَّاب العسيلى بمدينة الفيوم، وحينما نقل والده من الفيوم إلى القاهرة سكن فى شارع الهدارة بعابدين، والتحق يوسف بمدرسة عابدين الابتدائية وتعرف فيها بزميل طفولته "محمد كريم"، ثم التحق بالمدرسة السعيدية الثانوية، وفيها التقى بـ "مختار عثمان" و"عزيز أباظة" و"فكرى أباظة" و"محمد صدقى"، وبدأ نشاطه الفنى فى المدرسة السعيدية بإلقاء المونولوج وأداء التمثيليات، ثم استمرت موهبته بمدرسة الزراعية بمشتهر قبل أن يلتحق يوسف وهبى بالعمل كممثل بالسيرك؛ بعد 3 سنوات أرسله والده إلى إيطاليا للدراسة، لكنه اتجه إلى دراسة الإخراج مع محمد كريم حتى تخرج من معهد التمثيل فى ميلانو وتتلمذ على يد الممثلين الإيطاليين وأشهرهم "كيانتونى" ولم يعد يوسف وهبى إلى مصر إلا بعد أن وصله خبر وفاة والده تاركا له ولأشقائه ثروة كبيرة، وبالميراث الكبير تمكن يوسف وهبى من شراء دار سينما راديو بعماد الدين وشيد عليها مسرحا أسماه مسرح رمسيس، وأنشأ فرقة مسرحية خاصة به أطلق عليها فرقة رمسيس، وضم إليها روز اليوسف، أحمد علام، فاطمة رشدى، حسين رياض، أمينة رزق، منسى فهمي، وقدم من خلال الفرقة العديد من المسرحيات، منها مسرحية "المجنون" والذبائح ولوكاندة الأنس وغادة الكاميليا..

دخل يوسف وهبى إلى عالم السينما متأخرا، وذلك حينما اشترك فى تمثيل فيلم "زينب" الصامت عام 1929، لكنه أنشأ شركة سينمائية عام 1930 باسم رمسيس فيلم، وبدأت الشركة أعمالها بفيلم "أولاد الذوات" الذى كان أول فيلم عربى ناطق، وكان الفيلم مقتبسا عن إحدى مسرحياته الناجحة. أصيب يوسف وهبى قبل رحيله بمرض اضطراب النوم، وسافر إلى جنيف للعلاج من صعوبة النوم عام 1974، وهناك قال له الطبيب السويسرى إن سنين حياتك بكل تفاصيلها تفوق قدرة العقل على وقف شريط الأحداث، لذلك تستعيدها بدون إرادتك فى أثناء النوم فتصاب باليقظة، فلابد أنك عشت أحداثا كثيرة، ورد عليه يوسف وهبى قائلًا: "لقد عشت ألف عام" وبعدها اعتزل يوسف وهبى الفن والناس، وفى النهاية سقط يوسف وهبى من سلم فيلته، وأجريت له عدة عمليات لإصلاح مفصل الحوض فى مصر وإنجلترا، واضطر إلى التوقف عن العمل لعدم قدرته على الوقوف ساعات أمام كاميرات السينما، ورحل عن عالمنا فى 17 أكتوبر 1982..

"الإذاعة والتليفزيون" تعيد نشر ما جرى فى اللقاء المفتوح الذى نشر على صفحاتها بتاريخ 2 مارس 1957   فى عددها رقم 1146 أى منذ ً 66 عاماً..

فى الساعة السادسة فتح باب استويو رقم واحد.. وظهر يوسف وهبى.. الفنان الكبير الذى قامت على كتفيه عالم النهضة المسرحية فى مصر.. كان كعهده دائما.. أنيقا جدا..البدلة رمادية فاتحة، والقميص أبيض بياقة منشاة، والساعة الذهبية تلتف حول يده، وتتجه صفحتها إلى أسفل، وربطة العنق سوداء، حدادا على كريمة زوجته التى لقيت مصرعها فى لبنان، وكان ينزلها فى قلبه منزلة الإبنة الغالية.

ودوى التصفيق فى صفوف الشباب تحية لعميد المسرح.. ومن عجب أن تضطرب خطواته، ويحمر وجهه، ويظهر عليه الارتباك، فيخلع منظاره الأسود، ويرفع يده شاكرا تحية التقدير التى استقبله بها الشباب، مطمئنا إلى أن جهود العاملين لا تضيع هباء، وأن فنه لا يزال يعيش مع أبناء الجيل الجديد، بالرغم من انقطاعه عن المسرح مدة طويلة. فسأله الشباب:

 كيف تطور المسرح؟  أنت عاصرت المسرح منذ نشأته.. فما هی أهم التطورات التى مرت به فى نظرك؟

لم أعاصر المسرح منذ نشأته.. لأنه نشأ قبل أن أولد.. لکتنی عاصرته منذ أن انتقل من الطريقة الرومانتيكية إلى اليوم، أما التطورات التى طرأت عليه فأغلبها ينحصر فى الواقعية، فقد تغيرت طريقة الصراخ والحوار المفتعل والإلقاء الخطابى، التى كانوا يعتمدون عليها فى جذب أسماع المتفرجين، وأصبحت الطبيعة هى المسيطرة على التمثيل، فالهمس والوقفات بين الجملة والجملة أصبحت تؤثر فى النظارة أكثر من الحوار الذى يعتمد على الصراخ والعويل.

 أيهما أكثر تأثيرا فى الشعوب السينما أم المسرح؟

نظرا لزيادة انتشار الأفلام السينمائية من قطر إلى قطر، ولأننا يمكننا أن نطبع منها عدة نسخ تسافر لجميع البلاد،  فلا شك أن السينما فائدتها أهم، من الوجهة الصناعية..أما المسرح فرسالته محدودة لأنه يعتمد على فرقة التمثيل الخاصة التى إما أن تبقى فى البلد نفسه أو تنقل إلى بلد آخر، ولكن كلاهما مهمان، فالمسرح ضرورى والسينما ضرورية.

 لماذا تميل إلى المأساة؟ يأخذ بعض الناس عليك اهتمامك بحدة المأساة وكثرة الأحداث العنيفة فى مسرحياتك .. فما هو سر هذا الاتجاه؟

ليس هذا بسر.. أنا رجل واقعی.. وقد كانت تمثيليات الماضى تدور فى جو من الطغيان والفساد، وكانت تنصب على الفقراء وغير القادرين, ولا شك أننا قد شاهدنا كيف كان يعيش الفقير، وكيف لا يستمتع الفلاح بحياة تتوفر فيها السعادة والهناء، وبما أننى واقعى كما قلت، فقد كنت متأثرا بما يحيطنى فى حياتى من مآسى تلك الأيام، ولا شك أنكم تشعرون الآن أن المسرح بقسوته فى الماضى، كان يهدف إلى ما حققته الثورة هذه الأيام من محاربة الإقطاع، والقضاء على الفساد.

 هل تعتقد أن البرنامج الحالى لمعهد التمثيل يمكن أن يخلق ممثلا ناجحا، وما هى مقومات الممثل الناجح؟

بصرف النظر عن أن أكثركم من الملتحقين بمعهد التمثيل، رائدكم حب الفن، فأنا أقول بكل أسف إن المعهد الآن يعمد فى تدريسه إلى طريقة لا تفيد إلا فائدة ضئيلة جدا، فليس به دروس خاصة، ولا محاضرات أعدت خصيصا لصقل المواهب، ولیس به مکان يسمى معهدا ولا مسارح صغيرة للتدريب عليها، ولا يراعى فى الامتحانات السابقة مقدرة المتقدم إلى الامتحان، ولذا يجد الفنان حامل الدبلوم صعوبة كبيرة عند تخرجه فى مواجهة الحياة الواقعية، وأنا أفضل أن أختار ثلاثة أو أربعة صالحين و"فيهم خميرة" أستطيع بها أن أجعل منهم أبطالا، من أن أختار خمسين من حاملى الدبلوم ولكنهم غير صالحين، كما أن الطريقة التى يعملون بها غير عملية.. والطريقة الوحيدة هى أن تعتنى الحكومة بخريجى المعهد، وأعنى بذلك أن يزيد عدد الفرق الأهلية وتتعدد دور المسارح، وبهذه الطريقة تبرز المواهب، ويثق الفنان الذى وهب حياته للفن أن حياته ستسير بمقدار عمله ورسالته لا بشهادته وحدها.

 لماذا لم تساهم فى التدريس بمعهد التمثيل؟

أحب أن أكون صريحا، فأقول إننى وجدت أنه لا يمكننى أن أعطى دروسا فى مكان يجلس فيه أشخاص على تخت تلاميذ فى سن العاشرة، أو أن أعطيهم دروسا على لمبة قوة ٢٥ شمعة، وأن أدخل فى مكان كئيب، فأرى هؤلاء كأنهم سجناء وليسوا فنانين، من أجل هذا تألمت وكنت أخرج جريا وأتنفس الصعداء.

 هل تعتقد سيادتك أن الفن للحياة أم الحياة للفن أو الفن للفن؟

الفن يمثل الحياة، والحياة للفن، أما أن نقول الفن للفن، فهو كمن يقول الماء للماء، أى لا معنى له.

 نلاحظ أن بعض الفرق التمثيلية لا تستمر طويلا فى أداء رسالتها، ولا تلبث حتى تغلق أبوابها.. فما السبب؟

يرجع هذا الى عدة عوامل، أهمها، عدم وجود المسارح الكافية التى تتيح المجال لإظهار المواهب الفنية، وبكل أسف ليس لدينا بالقاهرة غير مسرحى الأزبكية والأوبرا، فإذا تقدمت بعض الفرق الأهلية فهى تتصارع لكى تأخذ بضعة أيام فى مسرح الأزبكية، بينما مسرح الأوبرا مشغول معظم أيام السنة بالفرق الأجنبية، وإذا أردنا أن نقدم صورة مما نسمع عنه فى أوروبا، فإنه فى باريس مثلا ٧٦ مسرحا للمحترفين، ٨٦ مسرحا للهواة، وفى لندن ٢٥٦ للمحترفين و٩٧ للهواة، وحتى فى شمال أفريقيا، فى تونس أو طرابلس أو مراکش، نرى فى كل عاصمة مسرحا للبلدية تقدمه للفرق مجانا. وفى اليوم الذى تجد الفرق المصرية مثل هذا التشجيع الذى يتفق مع حضارتنا الراهنة، فسوف يزدهر فن المسرح المصرى، ويضارع أى مسرح أجنبى.

وهنا عرف الشباب كل شىء عن المسرح المصرى قديمه وحديثه، وغادر عميد المسرح المصرى استوديو الإذاعة، وقد أشرق وجهه بالسرور والسعادة والارتياح للوعى الجديد فى شباب مسرح الغد.

Katen Doe

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

فى ذكرى رحيلها ال 22 راهبة الفن أمينة رزق تحكى قصة حياتها

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص