رسالة تعكس طبيعة العلاقات المصرية الصينية فى ظل الاضطرابات الدولية

السفير محمد حجازى: مصر ليست طرفاً فى الصراع الأمريكى الصينى.. وتلتزم بالسياسات المرنة د. إبراهيم نوار: سياسة القاهرة تقوم على أساس مصلحة الاقتصاد المصرى أولاً د. نادية حلمى: التبادل التجارى بالعملة يحمى الاقتصاد المصرى من صدمات الدولار

في ظل عالم يشهد استقطابا حادا، وتصعيدات عسكرية غير مسبوقة، وحروبا تجارية وتقنية تعيد رسم خرائط النفوذ، تبرز العلاقات المصرية الصينية كنموذج فريد للشراكة الاستراتيجية، ومع احتفال السفارة الصينية بالقاهرة بمرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية تحت شعار "الشاى من أجل الوئام"، لا يقتصر الحدث على الاحتفاء بالماضي، بل يمثل منصة استراتيجية لاستشراف مستقبل تتقاطع فيه المصالح الحيوية للدولتين... في هذا التحقيق نناقش أعماق هذه الشراكة، ودلالات التبادل التجاري بالعملة المحلية، وأثر انضمام مصر إلى "بريكس"، ومواقف بكين الداعمة للقاهرة، وكيفية التوازن في العلاقات الدولية، عبر استعراض رؤى نخبة من الخبراء.

في البداية يؤكد السفير الدكتور "محمد حجازي" مساعد وزير الخارجية الأسبق: أن العلاقات المصرية

الصينية استندت تاريخيا إلى مبادئ الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والبحث عن المشترك فى التنمية. مشددًا على أن تقييم هذه العلاقات في ظل التصعيدات العسكرية الراهنة يشير إلى أنها "شراكة مرنة" قادرة على التكيف مع الصدمات العالمية؛ ففى وقت يواجه فيه العالم اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد، تجد مصر فى الصين شريكا تنمويا موثوقا، وتجد الصين فى مصر بوابة استراتيجية المبادرة "الحزام والطريق"، مما جعل ترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة ضرورة أملتها المتغيرات الدولية.

وحول اعتماد التبادل التجارى بالعملة المحلية، يرى حجازي أنها خطوة ضرورية تمنح الطرفين مرونة استراتيجية في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي، فهى لیست مجرد تسهيل فني بل هي تعبير عن الإرادة المشتركة في تخفيف الاعتماد على العملات الصعبة التي أصبحت أداة للضغط السياسي الدولي.

أما عن انضمام مصر لتجمع "بريكس"، فيؤكد حجازی أن دعم الصين لهذا الانضمام كان اعترافا بدور مصر الإقليمي، حيث يوفر هذا التجمع لمصر مظلة اقتصادية أوسع تتيح لها تنويع شركائها بعيدا عن الهيمنة الغربية وهو ما يمنح الاقتصاد المصرى متنفسا حيويا.

وحول شعار "الشاى من أجل الوئام"، يرى حجازى أنه يعكس فلسفة صينية فى الدبلوماسية الناعمة؛ فالشاى رمز للصبر والحكمة، وهو ما يتماشى مع المدرسة الدبلوماسية المصرية التي تفضل الحلول السلمية على التصعيد.

وعن مواقف الصين الداعمة لمصر، خاصة بعد ثورة 30 يونيو، يشدد حجازى على أن الصين لم تضع شروطا سياسية على مصر بل احترمت الإرادة الشعبية وواصلت دعمها لمشاريع التنمية الكبرى، وهو ما يعكس براجماتية صينية تقدر استقرار مصر كركيزة لأمن المنطقة واستقرارها.

وفيما يخص الموازنة الاستراتيجية، يوضح حجازي أن مصر تمارس "دبلوماسية التوازن"، فهى ليست طرفا في حرب واشنطن التجارية ضد بكين، بل تتبنى سياسة مستقلة تخدم مصالحها الوطنية.

وعن الملف الفلسطيني، يرى حجازى أن الصين أصبحت "صوت الحق" في مجلس الأمن، وتتطابق رؤيتها مع مصر في ضرورة حل الدولتين.

وختاما، يرى حجازى أن التنسيق المصرى الصيني يمتد لضبط إيقاع التوترات الإقليمية، خاصة بين واشنطن و طهران، حيث تعمل الدولتان على منع اندلاع صراع مفتوح قد يهدد الملاحة الدولية في البحر الأحمر مؤكدا أن القاهرة وبكين تمثلان صمام أمان لاستقرار التجارة العالمية.

الأمن السيبراني والتحول الرقمي

من منظورها المتخصص في الشؤون الآسيوية تؤكد الدكتورة نادية حلمي"؛ أستاذة العلوم السياسية بجامعة بنى سويف: أن العلاقات المصرية الصينية تجاوزت البعد الاستهلاكى لتصل إلى مستوى هیکلی استراتيجي، ففى ظل التصعيدات الدولية تدرك الصين أن مصر هي حجر الزاوية في أفريقيا والشرق الأوسط، بينما ترى مصر في الصين البديل القادر على نقل تكنولوجيا البنية التحتية.

وتعتبر حلمى أن اعتماد العملة المحلية في التجارة هو تحول نوعى يحمى الاقتصاد المصرى من "صدمات الدولار" ويفتح آفاقا تجارية جديدة، وهو ما سيعزز من قيمة الجنيه على المدى الطويل في ظل تكتل اقتصادي يضم القوى الصاعدة الأكثر تأثيرا في العالم.

وفيما يخص "بريكس"، تشير الدكتورة نادية إلى أن انضمام مصر كان بدعم صيني مباشر وقوي، مما وفر للقاهرة مزايا متمثلة فى الحصول على تمويلات تنموية بشروط ميسرة، بعيدا عن المؤسسات التقليدية التي قد تفرض أجندات سياسية.

وعن شعار الشاى من أجل الوئام"، تؤكد أنه ليس مجرد احتفال بروتوكولي، بل هو رسالة تؤكد أن الصين تقف إلى جانب الوئام والاستقرار" في مقابل الصراع والصدام" الذي تروج له القوى الغربية في مناطق النزاع.

وتشير الدكتورة نادية إلى أن مواقف الصين تجاه مصر، خصوصاً عقب ثورة 30 يونيو، كانت تاريخية ومفصلية؛ حيث قدمت بكين دعما سياسيا واقتصاديا ساعد الدولة المصرية على تجاوز تلك المرحلة الحرجة معتبرة أن استقرار مصر هو مصلحة عليا للصين.

أما بشأن التوازن الاستراتيجي، فترى حلمى أن مصر أثبتت نجاحا مبهرا في إدارة علاقاتها مع واشنطن وبكين معا، فهى ترحب بالاستثمارات الصينية التكنولوجية ولا تدخل في صدام مع المصالحالأمريكية، مما يعزز من مكانة مصر كقوة إقليمية وسيطة لا يمكن تجاهلها.

وفي القضايا الحقوقية والدولية، تؤكد حلمى أن الصين تستخدم حق النقض (الفيتو) لصالح القضايا العربية. وتتبنى مواقف متقدمة تجاه القضية الفلسطينية. متمسكة بحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وتختتم الدكتورة نادية برؤيتها حول التنسيق المصري الصيني، مشددة على أن الدولتين تعملان معا من خلال القنوات الدبلوماسية لخفض حدة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرة أن هذا الدور يمثل دبلوماسية وقائية لحماية الأمن الإقليمي، وضمان عدم تحول البحر الأحمر إلى ساحة صراع كبرى

إدارة الأزمات الإقليمية...

في الاطار ذاته وضع الدكتور "إبراهيم نوار" خبير الاقتصاد الدولى تقييمه من زاوية اقتصادية بحتة مؤكدا أن العلاقات المصرية الصينية هي "علاقة تكاملية لا تتأثر بالتوترات العسكرية العالمية، بل تزداد قوة بفعل الحاجة المتبادلة للأمن الاقتصادي.

ويعتبر نوار أن التحول إلى العملة المحلية في التبادل التجاري بين البلدين هو الإنجاز الأهم في السنوات الأخيرة فمن وجهة نظره، هذا الإجراء يكسر هيمنة الدولار الذي استخدم كأداة ضغط اقتصادي، وهو ما يمنح مصر مساحة للمناورة النقدية وتقليل فاتورة التضخم المستورد، مما يجعل الجنيه أكثر تماسكا أمام العملات الصعبة في ظل تقلبات الأسواق العالمية.

وحول انضمام مصر لـ"بريكس"، يرى نوار أنها خطوة استراتيجية تهدف إلى دمج الاقتصاد المصري في منظومة دولية صاعدة، مؤكدا أن الفوائد المحققة لا. تقتصر على التجارة فقط، بل تمتد لتعزيز الاستثمارات. الصناعية الصينية في مصر وهو ما يدعم التوجه المصرى نحو التوطين الصناعي ونقل المعرفة التقنية المتقدمة.

عن شعار "الشاي من أجل الوئام"، يرى نوار أن الصين تروج لمفهوم التنمية للجميع"، وهو ما يتسق تماماً مع رؤية مصر 2030 في تحقيق نمو مستدام وشامل.

وفي سياق دعم الصين لمصر في فترات التقلبات يؤكد نوار أن الدعم الصيني منذ ثورة 30 يونيو لم یکن مجرد تصريحات بل كان استثمارا حقيقيا في بنية الدولة التحتية، وهو ما منح الاقتصاد المصري شريان حياة في وقت كان الغرب فيه يتردد في مد جسور التعاون.

وبالنسبة للموازنة الاستراتيجية بين واشنطن وبكين بری نوار أن الاقتصاد المصرى يعمل وفق قاعدة مصلحة الدولة أولاً، حيث لا يمنع التعاون مع الصين من استمرار التعامل التجاري مع الغرب، فمصر دولة تمتلك جغرافيا سياسية تجعلها شريكا لا غنى عنه للطرفين.

وفيما يخص الحقوق العربية، يرى الدكتور إبراهيم أن الصين هي الحليف الأكثر موثوقية في المحافل الأممية، خاصة في دعم القضية الفلسطينية ومنع الانهيار الاقتصادي في الأراضي المحتلة من خلال

تقديم الدعم والمساعدات التنموية.

وأخيرا، يختتم نوار تحليله بالتأكيد على أن التنسيق المصري الصيني لإنهاء التوترات الأمريكية الإيرانية ينبع من إدراك البلدين أن أي مواجهة بين واشنطن و طهران ستؤدى إلى كارثة اقتصادية عالمية، وبالتالي فإن الوساطة الهادئة هي الخيار العقلاني الوحيد الذي تتبناه القاهرة وبكين لحماية التجارة الدولية وضمان استقرار أسواق الطاقة.

 	صفاء الخميسي

صفاء الخميسي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مصر والصين.. 70 عاماً من العلاقات الاستراتيجية
القوات الجوية و «كاتيك » الصينية تحتفلان بمرور 45 عاماً من التعاون الم

المزيد من سياسة

تفاصيل التحركات المصرية لحسم معركة تكسير العظام.. فى القرن الأفريقى

تلعب الدولة المصرية دورًا فاعلا لتعزيز التعاون مع دول القرن الأفريقي وترفيع العلاقات الاستراتيجية مع دول أريتريا والصومال وتأتى هذه...

سيناريوهات المواجهة الحاسمة بين تحالف القوى الإسلامية والكيان الصهيونى

نجحت القاهرة في تشكيل تحالف «اسلامی» في مواجهة المخططات الصهيونية التى تستهددف طمس هوية المقدسات الفلسطينية، وعلى رأسها المسجد الاقصى...

رسالة تعكس طبيعة العلاقات المصرية الصينية فى ظل الاضطرابات الدولية

السفير محمد حجازى: مصر ليست طرفاً فى الصراع الأمريكى الصينى.. وتلتزم بالسياسات المرنة د. إبراهيم نوار: سياسة القاهرة تقوم على...

«الإخوان الإرهابية» تلجأ لسلاح الحرب النفسية لشحن المواطنين ضد الدولة

منير أديب: الجماعة تكذب كما تتنفس.. والشائعات سلاحها ضد الدولة سامح عيد: التنظيم يعتمد على الكتائب الإلكترونية لتشويه الحكومة عزت...