عانى الليبيون خلال السنوات الماضية من أجواء قاسية.. ما بين كوارث طبيعية ضربت عدة مناطق، وحالة انقسام سياسي استغلها الطامعون في ثروات الأشقاء والراغبين في تفتيت مؤسساتهم وأراضيهم...
مصر أدركت مبكرا خطورة ما يجرى على الأراضي الليبية.. ولم تكتفى بالتحذير من مخاطر السيناريوهات المعدة لإسقاط الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية بل سارعت بدعم الأشقاء على كل الجبهات.. حركة المسترال المصرية لإغاثة المناطق المنكوبة بفعل الكوارث الطبيعية، وسعت إلى جمع شمل الفرقاء في جولات ممتدة لتحقيق التوافق وإنقاذ مؤسسات الدولة بما يضمن وحدة وسلامة أراضيها ومقدرات شعبها.
سنوات ممتدة لم تتخلى القاهرة عن دورها .. ولم تتأخر عن دعم الأشقاء في ليبيا.. والآن تعيد القاهرة طرحمبادرة جديدة للتوافق... تحظى بدعم أمريكي... أو بمعنى أدق مشروع برؤية مصرية ووساطة أمركية عبر مسعد بولس مستشار الرئيس الأمريكي لشئون الشرق الأوسط وأفريقيا، بهدف توحيد السلطة التنفيذية الليبية.
في هذا السياق أكد هاني سليمان مدير المركز العربي للبحوث والدراسات أنه يمكن النظر إلى المبادرة الأمريكية باعتبارها محاولة لإعادة تنشيط المسار السياسي الليبي بعد سنوات من الجمود والانقسام المؤسسي، خاصة في ظل تنامى المخاوف الدولية من تحول ليبيا مجددا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح.
وأوضح سليمان أن عنصر التوقيت يحظى بأهمية خاصة عقب المباحثات التي جمعت الرئيس عبد الفتاح السيسي بنظيرة الأمريكي، إذ يعكس ذلك إدراك واشنطن للدور المصرى المحوري في الملف الليبي باعتبار أن القاهرة هي الطرف الإقليمي الأكثر ارتباطا باستقرار ليبيا والأكثر تأثيرًا في العديد من الأطراف الليبية، كما أن هذا التوقيت يشير إلى وجود تفاهمات مصرية أمريكية حول ضرورة الدفع نحو تسوية سياسية شاملة تستند إلى الحفاظ على وحدة الدولة الليبية وإنهاء حالة الانقسام الحالية.
ولفت سليمان إلى أن هناك قدر كبير من التوافق بين الرؤية المصرية والثوابت التي تعلنها القيادة العامة للجيش الليبي، ويتمثل ذلك في التأكيد على وحدة الأراضي الليبية ورفض أي مشاريع للتقسيم أو الفيدراليات المفروضة بالقوة، والحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية، ودعم الجيش الوطني باعتباره مؤسسة نظامية موحدة، بالإضافة إلى ضرورة تفكيك المليشيات المسلحة وإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من الأراضي الليبية. كما تتفق القاهرة والقيادة العامة الليبية على أن أي تسوية سياسية يجب أن تكون ليبية ليبية بالأساس، وتحظى بإجماع وطنى واسع، بعيدا عن محاولات فرض حلول خارجية لا تراعى خصوصية الواقع الليبي.
وشدد سليمان على أنه منذ اندلاع الأزمة الليبية عام ۲۰۱۱، تبنت مصر سياسة ثابتة تقوم على الحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومؤسساتها الوطنية. وقد استضافت القاهرة عشرات الاجتماعات والحوارات بين مختلف الأطراف الليبية، وسعت إلى توحيد المؤسسة العسكرية، ودعمت كافة المبادرات التي تستهدف استعادة الاستقرار.
ونبه سليمان إلى أن مصر لعبت دورا مهما في منع انزلاق الأزمة إلى مستويات أكبر من الفوضى، خاصة في المناطق الشرقية والجنوبية القريبة من الحدود المصرية. ولو تخلت القاهرة عن هذا الدور، لكان المشهد الليبي أكثر تعقيدا، وربما كانت البلاد قد واجهت سيناريوهات تقسيم فعلى أو تمددا أكبر للجماعات الإرهابية والتنظيمات المسلحة، بما كان سيهدد الأمن الليبي والأمن الإقليمي على حد سواء
وأضاف سليمان أنه لا تزال ردود الفعل داخل المعسكرات الليبية المختلفة متفاوتة، فهناك أطراف تنظر بإيجابية إلى أي جهد دولي يمكن أن يقود إلى انتخابات وإنهاء الانقسام، بينما تبدى أطراف أخرى تحفظات مرتبطة بمخاوفها من إعادة توزيع موازين القوى أو فقدان مكاسب سياسية وأمنية تحققت خلال السنوات الماضية، مشيرا إلى أنه على صعيد القوى الخارجية، فإن دخول الولايات المتحدة بصورة أكثر وضوحًا إلى الملف الليبي قد يحد من قدرة بعض الأطراف الإقليمية والدولية على توظيف الأزمة الخدمة أجنداتها الخاصة، ومع ذلك، لا تزال هناك قوى ترى في استمرار الانقسام الليبي وسيلة للحفاظ على نفوذها أو مصالحها الاقتصادية والأمنية، وهو ما يجعل نجاحأي مبادرة مرهونا بوجود توافق دولي حقيقي يدعم الاستقرار بدلا من إدارة الصراع.
وكشف هاني سليمان مدير المركز العربي للبحوث والدراسات أن الأزمة الليبية تمر حاليا بمرحلة مفصلية، حيث يتزايد الإدراك المحلى والدولى بأن استمرار الوضع الراهن لم يعد قابلا للاستدامة. فحالة الانقسام المؤسسي والاقتصادى والأمنى تؤثر بصورة مباشرة على استقرار البلاد وقدرتها على استثمار مواردها الضخمة. وفي هذا السياق، تظل قضية المرتزقة والمليشيات المسلحة من أبرز العقبات أمام أي تسوية سياسية دائمة، وتتمسك مصر، ومعها العديد من الأطراف الدولية، بضرورة إخراج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة وتفكيك التشكيلات المسلحة غير النظامية أو دمج العناصر المنضبطة منها داخل مؤسسات الدولة وفق آليات قانونية واضحة. ومن دون معالجة هذه القضية سيظل أي اتفاق سیاسی معرضا للانتكاس في أي لحظة.
وأكد سليمان أن التقارب المصري التركي خلال السنوات الأخيرة ساهم في تخفيف حدة الاستقطاب الإقليمي الذي كان ينعكس بشكل مباشر على الساحة الليبية، فعندما تتقارب الدول المؤثرة في الأزمة. تتراجع فرص التصعيد العسكري وتزداد فرص الحلول السياسية. وقد أوجد هذا التقارب مناحا أكثر ملاءمة للحوار بين الأطراف الليبية، وساعد على تعزيز الرسائل الدولية الداعية إلى التسوية بدلا من المواجهة.
ورغم أن الأزمة الليبية أكثر تعقيدا من أن تحل عبر تفاهم ثنائي فقط، فإن التفاهمات المصرية - التركية أسهمت بلا شك في تهيئة الظروف اللازمة لدفع العملية السياسية إلى الأمام، وصولا إلى هدف رئيسي يتمثل في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تفضى إلى مؤسسات شرعية موحدة قادرة على إدارة الدولة وإنهاء المرحلة الانتقالية الطويلة.
في السياق ذاته أكد محمد الطماوي، خبير العلاقات الدولية أن المبادرة الأمريكية الجديدة لحل الأزمة الليبية تمثل تحولا لافتا في مسار التعاطى الدولى مع الملف الليبي، إذ تنتقل من إدارة حالة الانقسام إلى محاولة معالجتها عبر مدخل عملى يستهدف توحيد السلطة التنفيذية، باعتبارها الخطوة الأساسية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتهيئة المناخ الإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وأوضح الطماوى أن المبادرة، التي يقودها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس تعكس إدراكا أمريكيا متزايدا لفشل المقاربات السابقة التي اكتفت بترتيبات سياسية مؤقتة، دون معالجة جذور الأزمة المرتبطة بازدواجية المؤسسات وتضارب الشرعيات.
وأضاف الطماوى أن توقيت طرح المبادرة، عقب المباحثات والاتصالات المكثفة بين الرئيس "السيسي" والإدارة الأمريكية بشأن ليبيا، يحمل دلالات سياسية مهمة، ويؤكد إدراك واشنطن أن أي تسوية مستدامة في ليبيا لن تنجح دون التنسيق مع القاهرة، باعتبارها الطرف الإقليمي الأكثر ارتباطا بأمن واستقرار ليبيا والأكثر تمسكا بمبدأ الحل الليبي - الليبي القائم على توحيد المؤسسات وإجراء الانتخابات بشكل متزامن وأشار الطماوي إلى أن ترحيب القيادة العامة للجيش الليبى بالمبادرة ووصفها بأنها "واقعية" يعود إلى انطلاقها من الاعتراف بتعقيدات المشهد الليبي وموازين القوى القائمة على الأرض، بعيدا عن المبادرات السابقة التي تجاهلت حقائق الانقسام السياسي والعسكري، لافتا إلى أن المبادرة لا تفرض صيغة نهائية جاهزة، وإنما تترك التفاصيل للتفاوض بين الأطراف الليبية، بما يمنحها قدرا أكبر من المرونة وفرص القبول.
وشدد الطماوى على أن مصر لعبت على مدار السنوات الخمس عشرة الماضية، دورا محوريا في حماية وحدة الدولة الليبية ومنع انزلاقها إلى سيناريوهات التفكك والفوضى، من خلال دعم مؤسسات الدولة الوطنية. واستضافة الحوارات بين الأطراف الليبية، وتعزيز جهود توحيد المؤسسة العسكرية، إلى جانب وضع خطوط حمراء واضحة لمنع تمدد التنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة نحو الحدود الغربية المصرية. وأشار الطماوى إلى أن نجاح المبادرة الأمريكية لن يكون مضمونا في ظل تباين مواقف القوى الليبية إذ من المتوقع أن تبدى بعض الأطراف السياسية والعسكرية في غرب ليبيا تحفظات على أي ترتيبات قد تؤدى إلى إعادة توزيع النفوذ أو تقليص المكاسب التي حققتها خلال السنوات الماضية، في حين قد تنظر إليها أطراف أخرى باعتبارها فرصة لإنهاء حالة الجمود السياسي.
ولفت الطماوى إلى أن عودة الولايات المتحدة إلى لعب دور أكثر فاعلية في الملف الليبي من شأنها تقليص هامش المناورة أمام القوى الخارجية التي استفادت من استمرار الانقسام، سواء لأسباب جيوسياسية أو اقتصادية أو عسكرية، خاصة أن بعض الأطراف لا تزال تنظر إلى ليبيا باعتبارها ساحة نفوذ وممرا استراتيجيا للطاقة والهجرة غير الشرعية.
واختتم الطماوى بالتأكيد على أن ملف المليشيات والمرتزقة لا يزال يمثل العقبة الأبرز أمام أي تسوية سياسية حقيقية، مشددا على أن استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة يهدد بإفشال أي عملية انتخابية مستقبلية وتبقى احتمالات العودة إلى
المواجهات العسكرية قائمة.
من جانبه أكد محمد عبد الحميد الزهار الخبير في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية أن المبادرة الأمريكية المطروحة لحل الأزمة الليبية تمثل تطورا مهما في مسار التسوية السياسية خاصة أنها تتوافق في العديد من جوانبها مع الثوابت التي دعت إليها مصر منذ اندلاع الأزمة الليبية والمتمثلة في الحفاظ على وحدة الدولة الليبية وصون مؤسساتها الوطنية وإنهاء حالة الانقسام السياسي والأمني
وأوضح الزهار أن الثوابت التي أعلن المشير خليفة جلتر تمسکه بها تتطابق إلى حد كبير مع الثوابت التي أكدت عليها الدولة المصرية في مختلف المحافل الدولية وفي مقدمتها الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية ورفض أي محاولات للتقسيم أو فرض أمر واقع من خلال الجماعات المسلحة أو التدخلات الأجنبية. وأكد الزهار أن مصر لعبت خلال السنوات الماضية دورا محوريا في الحفاظ على وحدة الدولة الليبية ومنع انزلاقها إلى سيناريوهات الفوضى والتقسيم من خلال دعم مؤسسات الدولة الوطنية واستضافة الحوارات الليبية والعمل على تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف الليبية.
وأضاف أن غياب الدور المصرى كان من الممكن أن يؤدى إلى تفكك مؤسسات الدولة الليبية بصورة أكبر وأن يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية بما يهدد الأمن القومي العربي والأفريقي.
وأشار الزهار إلى أن المواقف داخل الساحة الليبية تجاه المبادرة الأمريكية ما زالت متفاوتة إلا أن هناك رغبة متزايدة لدى قطاعات واسعة من الشعب الليبي الإنهاء المراحل الانتقالية المتعاقبة والانتقال إلى مرحلة الاستقرار من خلال انتخابات حرة تعبر عن الإرادة الشعبية.
مؤكدا أن استمرار وجود المرتزقة والمليشيات المسلحة يمثل التحدى الأكبر أمام أي تسوية سياسية حقيقية مشددا على أن نجاح أي مبادرة مرهون بإخراج العناصر الأجنبية وتفكيك التشكيلات المسلحة وفرض سلطة الدولة على كامل الأراضي الليبية.
وأشار محمد عبد الحميد الزهار إلى أن التقارب المصرى التركي خلال الفترة الأخيرة ساعد في تخفيف حدة الاستقطاب الإقليمي المرتبط بالملف الليبي وأسهم في توفير مناخ أكثر ملاءمة للحوار السياسي بين الأطراف المختلفة، مختتما حديثه بالتأكيد على أن الفرصة الحالية قد تكون من أفضل الفرص المتاحة أمام الليبيين للوصول إلى تسوية سياسية شاملة تفضى إلى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية وإنهاء حالة الانقسام واستعادة الدولة الليبية لدورها الطبيعي في محيطها العربي والأفريقي.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رئيس رابطة المراسلين الأجانب فى البيت الأبيض دانييلى كومباتانجيلو للإذاعة والتليفزيون: ترامب شخص عفوى وتلقائى للغاية ويحب كثيراً التواجد وسط...
عانى الليبيون خلال السنوات الماضية من أجواء قاسية.. ما بين كوارث طبيعية ضربت عدة مناطق، وحالة انقسام سياسي استغلها الطامعون...
لابد من ترتيبات أمنية جماعية.. وإخلاء المنطقة من الأسلحة النووية بلا استثناء لا بديل عن إنهاء الاحتلال.. وحصر السلاح فى...
«القرن الأفريقى» امتداد لأمننا القومى.. ولا بديل عن التوافق فى «حوض النيل» ندعم سيادة «أريتريا» على أراضيها.. ونساند مشروعات السدود...