المصلحة الفضلى للطفل... البوصلة الهادئة لتشريعات الأسرة

في قلب كل أسرة طفل يرى العالم من خلال من يحبهم، ويستمد إحساسه بالأمان من استقرار علاقته بهم، وتنعكس القرارات التي يتخذها الكبار على صحته وتعليمه وشخصيته ومستقبله. ولهذا تحتل تشريعات الأسرة مكانة دقيقة؛ فهي تنظم روابط إنسانية عميقة، وتمس حياة أشخاص تجمعهم المودة والمسؤولية حتى عندما تتغير صورة العلاقة بينهم.

بقلم المستشار حسام الدين علام
مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام
عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع


وعندما يقع الخلاف، يحتاج القانون إلى معيار يهدئ حدة التنافس، ويوجه القرار نحو من لا يملك عادة أدوات الدفاع عن نفسه أو التعبير الكامل عن احتياجاته. وهذا المعيار هو "المصلحة الفضلى للطفل"، التي تمثل بوصلة قانونية وإنسانية تضع سلامة الطفل ونموه واستقراره في مركز كل إجراء يمس حياته.

ولا يقوم هذا المبدأ على تفضيل أحد الوالدين، ولا يحول الطفل إلى خصم لأي منهما، وإنما يعيد ترتيب السؤال القانوني: ما القرار الذي يصون للطفل كرامته، ويحفظ أمنه النفسي والجسدي، ويدعم علاقاته الأسرية السليمة، ويوفر له أفضل فرص النمو المتوازن؟

المصلحة الفضلى حق دستوري ومنهج لاتخاذ القرار

نصت المادة 80 من الدستور المصري على التزام الدولة بتحقيق المصلحة الفضلى للطفل في جميع الإجراءات التي تتخذ حياله. ويتكامل هذا الالتزام مع قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته، ومع اتفاقية حقوق الطفل التي تقرر أن تكون مصالح الطفل الفضلى اعتبارا أوليا في كل إجراء يتعلق به، سواء صدر عن محكمة أو جهة إدارية أو مؤسسة للرعاية أو سلطة تشريعية.

وقد أوضحت لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة، وهي هيئة من الخبراء المستقلين تتولى متابعة تنفيذ الدول الأطراف لاتفاقية حقوق الطفل وتفسير أحكامها، في تعليقها العام رقم 14 لسنة 2013، أن المصلحة الفضلى تؤدي ثلاث وظائف مترابطة. فهي أولا حق موضوعي للطفل في أن تقيم مصلحته وتمنح وزنا أساسيا. وهي ثانيا قاعدة لتفسير النصوص، بحيث يرجح التفسير الأكثر اتساقا مع حقوق الطفل. وهي ثالثا ضمانة إجرائية تقتضي بيان أثر القرار عليه، والعناصر التي جرى فحصها، وكيفية الموازنة بينها.

وبذلك تصبح المصلحة الفضلى منهجا قانونيا قابلا للفحص، لا عبارة عامة تُضاف إلى الأحكام والقرارات. فالقول بأن ترتيبا معينا يحقق مصلحة الطفل يظل محتاجا إلى أسباب واقعية واضحة تبين احتياجاته، وظروفه، والآثار المتوقعة للقرار في حاضره ومستقبله.

تقدير المصلحة يبدأ من الطفل بظروفه الحقيقية

لكل طفل ظروفه، ولذلك لا توجد صيغة جامدة تصلح لجميع الأسر. ويبدأ التقدير من سلامته الجسدية والنفسية، واستقرار رعايته وتعليمه، وعمره وحالته الصحية، وعلاقاته الأسرية، واحتياجاته الخاصة، وقدرة القائمين على رعايته على تلبية احتياجاته اليومية.

وتدخل ضمن التقدير كذلك استمرارية البيئة التي اعتادها الطفل، والمحافظة على الروابط العائلية الآمنة، وتوفير الرعاية الصحية والتعليمية، واحترام هويته وخصوصيته، وحمايته من العنف والإهمال والاستغلال. ويجب النظر إلى هذه العناصر مجتمعة، لأن عنصرا واحدا لا يكفي وحده لحسم القرار.

كما يعد الاستماع إلى الطفل جزءا أساسيا من التقييم، وفق سِنه ودَرجة نُضجه. والمقصود هو إتاحة فرصة آمنة له للتعبير عما يشعر به وما يحتاج إليه، بلغة تناسب عمره، وبواسطة شخص مؤهل عند الحاجة. ولا يعني ذلك تحميله مسؤولية الاختيار بين والديه، أو تحويل رأيه إلى تصويت نهائي، أو وضعه في مواجهة من يحبهم.

ويظل عنصر الزمن بالغ الأهمية؛ فشهور قليلة قد تبدو قصيرة في حساب الإجراءات، لكنها قد تمثل جزءا كبيرا من عمر طفل صغير. ولهذا تحتاج المسائل المتعلقة بالعلاج والتعليم والنفقة والرعاية والتواصل الأسري إلى مسارات سريعة تمنع تراكم آثار يصعب تداركها.

حماية الطفل تعزز وحدة الأسرة ومسؤولية الوالدين

تنظر المواثيق الدولية إلى الأسرة باعتبارها البيئة الطبيعية لنمو الطفل، وتؤكد المسؤولية المشتركة للوالدين عن تربيته ورعايته. ومن ثم، فإن وضع الطفل في مركز التشريع يدعم المعنى الحقيقي للأسرة، لأنه يحول الأبوة والأمومة من مجال للتنافس إلى مسؤولية ممتدة تقوم على الرعاية والتعاون.

وقد تنتهي العلاقة الزوجية، بينما تظل المسؤولية الوالدية قائمة. ويحتاج الطفل في هذه الحالة إلى استمرار المعلومات المتعلقة بصحته وتعليمه، واحترام صورة كل والد في وجدانه، وتنظيم التواصل بصورة مستقرة وآمنة، وتجنيبه الرسائل المتعارضة أو استخدامه وسيطا في الخلاف.

ويقتضي ذلك فهما دقيقا للمفاهيم القانونية المتصلة به. فالحضانة تتعلق بالرعاية اليومية والمعيشة المباشرة، والولاية تتصل باتخاذ قرارات قانونية أو تعليمية أو مالية بحسب تنظيم القانون، بينما يهدف التواصل الأسري إلى المحافظة على علاقة الطفل بأفراد أسرته متى كانت هذه العلاقة آمنة ومفيدة لنمائه.

ويخدم القانون وحدة الأسرة عندما يشجع التسوية الهادئة في الحالات المناسبة، ويوفر تدخلا متخصصا عند تعقد الخلاف، ويحمي الطفل فورا عند وجود خطر. كما أن الوساطة الأسرية تكون مفيدة حين تتوافر الإرادة الحرة والتوازن والأمان، وتصبح غير ملائمة عندما توجد شبهة عنف أو تهديد أو إكراه.

عدالة الأسرة تحتاج إلى إجراءات صديقة للطفل

تتحقق جودة العدالة الأسرية بقدر ما تكون إجراءاتها واضحة وسريعة وإنسانية. فالطفل يحتاج إلى بيئة قضائية تحمي خصوصيته، وتحد من تكرار استدعائه، وتمنع مواجهته المباشرة بالنزاع، وتستعين بأخصائيين مدربين في علم النفس والخدمة الاجتماعية.

كما ينبغي أن تكون الأحكام والقرارات المتعلقة به مسببة تسبيبا خاصا يوضح العناصر التي اعتمدت عليها المحكمة، وطريقة تقديرها لمخاطر كل بديل ومنافعه. ويساعد هذا التسبيب على توحيد المبادئ، ورفع جودة الممارسة، وتعزيز ثقة الأسرة في أن القرار بني على دراسة حقيقية.

وتحتاج مكاتب تسوية المنازعات الأسرية إلى دعمها بخبرات متعددة التخصصات، حتى تقدم التوجيه القانوني والنفسي والاجتماعي في وقت مبكر. وقد تمنع المساعدة المبكرة اتساع الخلاف، وتساعد الوالدين على بناء خطة عملية للرعاية والتعليم والعلاج والتواصل.

ومن المفيد كذلك اعتماد نموذج مهني استرشادي لتقييم مصلحة الطفل، يشمل سلامته واستقراره وعلاقاته واحتياجاته ورأيه، من دون أن يتحول إلى معادلة حسابية أو يقيد السلطة التقديرية للمحكمة. فالنموذج يحسن جودة المعلومات، بينما يظل القرار فرديا مرتبطا بظروف كل حالة.
قياس الأثر التشريعي يحول المبادئ إلى نتائج

تبدأ جودة تشريعات الأسرة قبل صدورها بدراسة آثارها المتوقعة، وتستمر بعد تطبيقها بقياس نتائجها الفعلية. ويقصد بقياس الأثر التشريعي التحقق من أن القاعدة تحقق هدفها بأكثر الوسائل عدالة وكفاءة، وأن منافعها تصل إلى الطفل والأسرة من دون أعباء غير لازمة أو آثار جانبية غير مقصودة.

ويقتضي التقييم السابق تحديد المشكلات الواقعية بالاستناد إلى بيانات القضايا، ومدد الفصل والتنفيذ، وأنواع المنازعات المتكررة. كما يقتضي مقارنة البدائل، وقياس أثر كل منها على سلامة الطفل وتعليمه واستقراره وصلاته الأسرية، مع مراعاة الأطفال ذوي الإعاقة، والأسر محدودة الدخل، وحالات البعد الجغرافي بين الوالدين.

أما التقييم اللاحق فيعتمد مؤشرات واضحة، مثل متوسط زمن الفصل، وسرعة تنفيذ القرارات، وانتظام النفقة والرعاية الصحية، واستقرار الطفل في التعليم، وعدد المنازعات المتكررة، وفاعلية التسوية الأسرية، وجودة سماع الطفل، وآثار الإجراءات على صحته النفسية.

ومن ثم، يمكن اقتراح خطوات عملية محددة:
1. وضع تعريف إجرائي واضح للمصلحة الفضلى باعتبارها حقا للطفل، وقاعدة للتفسير، وضمانة لصنع القرار.
2. إلزام القرارات المتعلقة بالطفل بتسبيب خاص يبين العناصر التي جرى تقييمها والموازنة بينها.
3. تنظيم سماع الطفل ببروتوكول مهني يحفظ كرامته ويمنع الضغط والتلقين.
4. تدعيم محاكم الأسرة ومكاتب التسوية بخبرات نفسية واجتماعية مدربة.
٥. إنشاء مسارات عاجلة لمسائل العلاج والتعليم والنفقة والحماية والتواصل الأسري.
6. إعداد تقييم مسبق لأثر كل تعديل تشريعي على الطفل والأسرة، يعقبه تقييم دوري بعد التطبيق.
٧. نشر تقارير إحصائية مجردة من البيانات الشخصية توضح النتائج وتدعم المراجعة المستمرة.

إن المصلحة الفضلى للطفل تجمع الأسرة حول مسؤوليتها الأعمق: أن ينمو الطفل آمنا، محبوبا، متعلما، ومتصالحا مع روابطه الأسرية. وعندما يهتدي القانون بهذه البوصلة، تصبح الرعاية مسؤولية مشتركة، والقرار أمانة، والإجراء مساحة للحماية، وتصبح العدالة الأسرية طريقا إلى التماسك الاجتماعي وحفظ مستقبل الأجيال.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

المصلحة الفضلى للطفل... البوصلة الهادئة لتشريعات الأسرة

في قلب كل أسرة طفل يرى العالم من خلال من يحبهم، ويستمد إحساسه بالأمان من استقرار علاقته بهم، وتنعكس القرارات...

هيبة الدولة ليست شعارا.. بل حماية للوطن وللمواطن

هناك شعور حقيقي يعيشه المواطن المصري اليوم.. شعور بأن الدولة حاضرة، يقظة، تتابع، وتتحرك بسرعة وحسم من أجل حماية الناس...

معايير قياس الوعي الجمعي في الإعلام !

لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو سرد الوقائع، بل أصبح شريكاً أساسياً في بناء الوعي وصياغة الإدراك الجمعي...

الذكاء الاصطناعي في ميزان سوق العمل بين رفاهية الدعم وشبح الاستبدال

تخيل أنك تجلس في مكتبك صباح يوم الاثنين، وفنجان قهوتك لا يزال يفوح برائحته. تفتح حاسوبك لتجد "زميلاً جديداً" قد...