إدارة غرفة الأخبار لم تعد اليوم تشبه ما كانت عليه قبل نصف قرن ليس فقط بسبب اختلاف الأدوات، بل لأن فلسفة العمل الإخباري نفسها شهدت تحولاً جذرياً فرضته الثورة الرقمية والتطور المتسارع في تقنيات الاتصال والذكاء الاصطناعي.
إبراهيم الصيادوكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق
وإذا كان جوهر العمل الإخباري يتمثل في اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب، فإن هذا القرار أصبح اليوم يعتمد على منظومة متكاملة من التقنيات والبيانات، دون أن يفقد في النهاية حاجته إلى العقل البشري والخبرة المهنية والتقدير السليم !
قبل نحو خمسين عاماً اعتمدت غرفة الأخبار على أدوات بسيطة مقارنة بما تملكه اليوم. كانت الأوراق و الأقلام، وأفلام 16 ملليمتر، وآلات النسخ وأجهزة المونتاج التقليدية مثل "الماڤيولا"، وأجهزة التليبرنتر (Ticker)، ادوات تمثل العمود الفقري للعمل الإخباري هذا ماوجدته عندما التحقت بأخبار التليفزيون في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين!
متابعة تطورات الأحداث ظلت عملية مرهقة تستغرق وقتاً طويلاً، بينما كان الحصول على المعلومة والتحقق منها يتطلبان جهداً كبيراً واتصالات متعددة ما جعل اختيار الأخبار عملية أكثر صعوبة، ومثل تحديث القصة الإخبارية باستمرار تحدياً يومياً أمام فريق المحررين ورؤساء التحرير.
ورغم تلك الصعوبات، امتازت القصة الإخبارية في كثير من الأحيان بقدر كبير من الدقة والعمق حيث اتاح عامل الزمن، على الرغم من أهميتة للمحرر مساحة أوسع للتحقق والمراجعة، وربط الأحداث بسياقها السياسي والاجتماعي، وهو ما أسهم أنذاك في إنتاج محتوى أكثر تماسكاً وأقل عرضة للأخطاء التحريرية !
أما اليوم تحولت غرفة الأخبار إلى بيئة رقمية متكاملة، تعتمد على أنظمة تحرير إلكترونية يربطها مباشرة بالاستوديوهات Server أو خادم به قواعد البيانات، ومنصات البث، ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى أدوات إنتاج متعددة الوسائط (Multimedia) تجمع بين النص والصورة والفيديو والصوت والرسوم البيانية في منظومة واحدة.من خلال جهاز كومبيوتر !
وأصبح بإمكان الصحفي أن يستقبل المعلومات، ويحررها، ويضيف إليها عناصر سمعية وبصرية ثم يدفعها للنشر أو البث خلال دقائق معدودة.
هذا التطور لم يقتصر على تسريع الأداء، بل أوجد بدائل وحلولاً جديدة لمشكلات التغطية الإعلامية خصوصاً في الأخبار العاجلة التي تتطلب استجابة فورية وبدلاً من انتظار وصول الصور أو التقارير، أصبحت تقنيات البث المباشر، TVU والهواتف الذكية، والطائرات المسيّرة ( الدرونز) ، وأنظمة الاتصال الحديثة، توفر المادة الخام في اللحظة نفسها التي يقع فيها الحدث ولا نقول فور وقوع الحدث !
ومع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار، شهدت عملية اتخاذ القرار نقلة نوعية عندما أصبح الذكاء الاصطناعي شريكاً في إدارة تدفق المعلومات يستطيع جمع كميات هائلة من البيانات من مصادر متعددة، وتصنيفها، وترتيبها حسب الأولوية، والكشف عن المعلومات المتكررة، والتنبيه إلى الأخبار العاجلة، واقتراح زوايا مختلفة للتغطية، بل والمساعدة في إعداد ملخصات أولية توفر الوقت أمام المحررين والترجمة الدقيقة من وإلى العربية إلى و من كل لغات العالم !
وتبقى المعلومة والزمن هما التحدي الأكبر في العمل الإخباري لأن المعلومة الصحيحة المدققة هي أساس المصداقية، والزمن هو العامل الذي يحدد قدرة الوسيلة الإعلامية على المنافسة مع الوسائل الأخرى !
وكلما نجحت غرفة الأخبار في اختصار الزمن بين وقوع الحدث ونشره، مع الحفاظ على الدقة والموثوقية، ازدادت قدرتها على كسب ثقة الجمهور !وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي، إذ يساهم في تنظيم هذا التدفق الهائل من المعلومات من خلال التبويب والتصنيف والتحليل، مما يمنح متخذ القرار رؤية أشمل خلال وقت أقصر .
وبدلاً من أن ينشغل رئيس التحرير بفرز آلاف الرسائل والمصادر، يستطيع التركيز على تقييم أهمية الخبر، وتحديد أولويات النشر، واختيار المعالجة التحريرية و المواءمة السياسية الأنسب.ومع ذلك نقول مهما بلغت التقنية من التطور لا تستطيع أن تحل محل الخبرة الإنسانية. إن الذكاء الاصطناعي لا يمتلك الحس السياسي، ولا يدرك الأبعاد الثقافية والاجتماعية والأمنية التي قد يحملها خبر معين و لا يتحمل المسؤولية الأخلاقية عن قرار البث .
ولذلك يبقى القرار النهائي مسؤولية الإنسان، الذي يوازن بين سرعة البث ، ودقة المعلومات، والمصلحة العامة، والالتزام بالمعايير المهنية.إن مستقبل غرف الأخبار لن يكون صراعاً بين الإنسان والآلة، وإنما شراكة ذكية بينهما وكل تطور تقني يجب أن يُسخر لخدمة الرسالة الإعلامية لا أن يحل محل العقل المهني الذي يصنع ويتخذ القرار !
وستظل المؤسسات الإعلامية الأكثر نجاحاً هي تلك التي توظف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي من أجل تعزيز جودة المحتوى، مع الحفاظ على القيم الأساسية للمهنة:( الدقة Accuracy ، والموضوعية Objectivity، والشفافية Transparency، والانصاف Fairness والمحاسبة Accountability و التنوع Diversity و المصلحة العامة. Public Interest !)
وفي النهاية، يمكن القول إن رحلة غرفة الأخبار من الأوراق والأفلام إلى أنظمة التحرير الرقمية والذكاء الاصطناعي لم تغيّر فقط أدوات الإنتاج، بل أعادت تعريف عملية اتخاذ القرار نفسها في غرفة الأخبار من خلال القيم السالفة الذكر!
وتبقى هناك قاعدة ذهبية ثابتة لمن يتصدى للعمل في الخدمات الإخبارية : (التكنولوجيا تحفز على السرعة، والقرار الرشيد يصنعه عقل الإنسان ) تذكروها دائما ......
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
إدارة غرفة الأخبار لم تعد اليوم تشبه ما كانت عليه قبل نصف قرن ليس فقط بسبب اختلاف الأدوات، بل لأن...
إدارة المخاطر تعني أن نرى مواضع الخلل المحتمل قبل أن تتحول إلى ضرر، وأن نربط القرار بالمعلومة، والإجراء بالمسؤولية، والخدمة...
قبل ظهور الساعات والتقاويم الحديثة، كان الإنسان القديم يرفع رأسه إلى السماء كل ليلة تقريبًا. هناك، وسط الظلام، كان القمر...
قد تحمل الطائرة أبناء الوطن إلى قارات بعيدة، لكنها لا تستطيع أن تنتزع من قلوبهم وطنًا تشكلت ملامحه في الوجدان...