سيناريوهات إحياء مخطط «الفوضى الخلاقة» فى المنطقة بمخطط إسرائيلى جديد

د. رانيا فوزى: الثورات يفجرها المقاوم.. ويجنى ثمارها الاحتلال الجبان السفير معتز أحمدين: المنطقة تواجه «صيف ساخن».. ووعى الشعوب يحول دون تكرار سيناريوهات الماضى

يتجدد الحديث هذا الأيام عن صيف ساخن فى الوطن العربي.. وهناك من يسعى إلى تصويره بأجواء خريف الاضطرابات الذي عاشته المنطقة قبل أكثر من 15 عاماً.

مرة أخرى تجد دول المنطقة مؤسسا على أعتاب نقاشات محتدمة بشأن احتمالات إعادة إنتاج سيناريوهات الاضطراب وموجات الاحتجاج الشعبي. وتتجاذب هذا المشهد قراءتان رئيسيتان: الأولى ترى أن ثمة مخططات ومساعى تتغذى على الأزمات المعيشية وتستغل الفضاء الرقمي لإعادة تأجيج الشارع وتشتيت الشعوب عن قضاياها المحورية، بينما تؤكد القراءة الثانية أن استنساخ أحداث الماضى ليس حتمية جغرافية؛ نظراً لاختلاف السياقات السياسية واكتساب المجتمعات خبرات تراكمية في إدارة الأزمات.

في هذا الاطار وبين هذا وذاك، يتضح أن قدرة الدول على الصمود لا تتوقف فقط عند حدود التدابير الأمنية بل ترتكز بالأساس على كفاءة المؤسسات الوطنية وفاعلية السياسات العامة، إلى جانب ترسيخ "المواطنة الواعية" كحائط صد أصيل يحمى عقول المواطنين من الاستغلال الرقمى ويصون استقرار المجتمعات.

يرى الدكتور سعيد الزغبي، أستاذ العلوم السياسية أن ما تشهده بعض دول المنطقة ناتج عن تداخل عدة

عوامل... ما بين اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية موضحا أن ارتفاع معدلات التضخم والبطالة والضغوط المعيشية وضعف الثقة في بعض المؤسسات.. كلها عوامل قد تخلق بيئة تسمح بتصاعد الاحتجاجات وفي بعض الحالات يمكن أن تتداخل هذه العوامل مع تنافسات إقليمية أو حملات إعلامية مكثفة فتزيد من حدة الاستقطاب، مؤكدا أن انتقال الأحداث من دولة إلى أخرى ليس أمرا تلقائيا، لأن لكل دولة ظروفها السياسية والاقتصادية والاجتماعية مختلفة، مشيرا إلى أنه صحيح أن دول الجوار قد تتأثر بالأزمات المحيطة من خلال الضغوط الاقتصادية أو الإعلامية أو الأمنية، لكن درجة التأثر تعتمد بالأساس على قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الأزمات ومستوى التماسك المجتمعى وفعالية السياسات العامة فى الاستجابة لمطالب المواطنين.

وأوضح الزغبي أن المشهد الإقليمي اليوم يختلف في جوانب كثيرة عن الظروف التي صاحبت موجة الاحتجاجات قبل أكثر من عقد، وخاصة الصدمات الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع الدولي، كما أن المجتمعات والدول اكتسبت خبرات مختلفة في إدارة الأزمات والتعامل مع آثارها، مشيرا إلى إن إعادة إنتاج السيناريو نفسه ليست مسألة يمكن الجزم بها، لأن السياقات المحلية والإقليمية تغيرت تماما، مبينا أن ما يمكن قوله هو أن الضغوط الاقتصادية والسياسية قد تؤدى إلى أشكال مختلفة من الاحتجاج أو المطالبة بالإصلاح، لكن طبيعة هذه التحركات ومساراتها تختلف من دولة إلى أخرى، ولا توجد قاعدة واحدة تنطبق على الجميع.

وتابع الزغبى تحليله موضحاً أن الغضب الشعبي غالباً ما يكون نتيجة تراكمات داخلية تتعلق بالأوضاع المعيشية أو السياسية، وقد تسعى أطراف مختلفة إلى استثمار هذا الغضب لخدمة أجنداتها سواء كانت قوى سياسية داخلية أو وسائل إعلام أو شبكات تنشط عبر الفضاء الرقمي أو جهات خارجية إذا توافرت أدلة على ذلك، مشددا على أنه من المهم جدا التمييز بين أسباب الغضب الحقيقية وبين محاولات استثماره أو توجيهه وعدم الخلط بين الأمرين، لافتا إلى ضرورة الانتباه الشديد لمنصات التواصل الاجتماعي، حيث يعتقد أنه في فترات الأزمات الاقتصادية أو الإقليمية تصبح هذه المنصات ساحة رئيسية للتنافس على تشكيل الرأي العام. ونتيجة لذلك تزداد المعلومات غير الدقيقة أو المضللة، سواء بدافع تحقيق مكاسب سياسية أو جذب التفاعل أو نتيجة تداول معلومات غير موثقة بين المستخدمين.

ونبه الدكتور سعيد الزغبي إلى أنه لا ينبغى افتراض أن جميع الحملات منسقة أو تقف وراءها جهة واحدة، فقد تتداخل حسابات حقيقية وأخرى آلية وجهات إعلامية مختلفة وأفراد ينشرون معلومات دون تحقق، ولهذا فإن التحقق من المصادر والاعتماد على المعلومات الموثقة يصبح أكثر أهمية في مثل هذه الفترات، محذرا من أن تأليب المواطنين لم يعد قاصرا على وسائل الإعلام التقليدية، بل يشمل عدة أدوات حديثة منها: توظيف منصات التواصل الاجتماعى لتسريع انتشار المعلومات نشر الأخبار غير الدقيقة أو المضللة أو إخراج معلومات صحيحة من سياقها استخدام الصور ومقاطع الفيديو القديمة أو المجتزأة لإثارة الانفعال، تضخيم بعض الأحداث لتبدو وكأنها تمثل الوضع العام، واستغلال القضايا الاقتصادية والخدمية ذات الحساسية العالية في النقاش العام. مؤكدا أن ذلك لا يعنى أن كل محتوى ناقد أو معارض يندرج ضمن هذه الممارسات، فالنقاش العام قد يضم أيضا آراء ومطالب مشروعة.

وشدد الزغبى على نقطة رئيسية مفادها أن الشباب هم المستهدف الأكبر من هذا الخطاب، كونهم الشريحة الأكثر استخداماً لمنصات التواصل الاجتماعي وبالتالي هم الأكثر تعرضا لتدفق المعلومات بمختلف أنواعها موضحا أن التأثير لا يقتصر على فئة عمرية واحدة فقط، فمع انتشار الهواتف الذكية أصبحت مختلف الفئات العمرية عرضة للمعلومات المضللة بدرجات متفاوتة، ليظل مستوى الوعى الإعلامي والقدرة على التحقق من المصادر عاملين أكثر أهمية من العمر وحده.

واختتم الدكتور سعيد الزغبى حديثه بالتأكيد على أن دور المواطن يكمن في ممارسة "المواطنة الواعية" وذلك من خلال خمسة محاور أساسية: التحقق الدقيق من المعلومات قبل إعادة نشرها الاعتماد المباشر على مصادر متنوعة وموثوقة المشاركة الإيجابية في النقاش العام مع احترام الرأي الآخر، التعبير عن المطالب والآراء بالوسائل السلمية والقانونية المؤطرة دعم الحوار المجتمعى الذي يسهم في معالجة المشكلات بدلا من تعميق الاستقطاب، مؤكدا في النهاية أن استقرار الدول لا يتحقق فقط بالإجراءات الأمنية بل يعتمد أيضا على وجود مؤسسات فعالة وثقة مجتمعية ومشاركة مسؤولة من المواطنين في التعامل مع المعلومات والأحداث، منوها إلى أن مفهوم الأمن القومى يضع في اعتباره الأول أمن المواطن المصرى وكيفية حمايته من الشائعات والأخبار الكاذبة.

من جانبها، أكدت الخبير بالشأن الاسرائيلي الدكتورة رانیا فوزى أن الاضطرابات المتصاعدة في بعض دول

المنطقة مثل تونس وليبيا تعيد إلى الأذهان خلفيات اندلاع موجة عام ،۲۰۱۱، مشيرة إلى أن تلك الأحداث صعدت بالأساس نتيجة تردى الأوضاع الاقتصادية وسوء إدارة وتأجيج بعض التيارات كما في حزب النهضة بتونس، إلى جانب الصراعات العرقية والقبائلية كما هو الحال في ليبيا. وأوضحت أن هناك استغلالا محليا وإقليمياً لأزمات الداخل أملا في تفجير موجة جديدة تتراجع معها القضايا المحورية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لافتة إلى أن متابعة وتحليل تقارير وسائل الإعلام مراكز الفكر الدولية كمركز کارینجی وغیره تظهر وجود مؤشرات الموجة جديدة منذ منتصف العقد الماضي.

وأضافت الدكتورة رانيا فوزي عند دراسة الحالة المصرية، نجد أن اندلاع أى ثورة جديدة أمر مستبعد تماماً في الوقت الراهن رغم المعاناة الاقتصادية، وذلك بفضل الالتفاف الشعبي والإحساس العالى بالمسؤولية لدى المواطنين في ظل الظروف الأمنية والإقليمية المعقدة، وتأثيرات الصراعات الإقليمية الممتدة منذ حرب السابع من أكتوبر ثم الحرب الحالية مع ايران مؤكدة أن الشارع المصرى تعلم الدرس جيداً من أحداث يناير ۲۰۲۱ عندما اختطفت جماعة الإخوان المسلمين الثمار، وما أعقب ذلك من صمود الشعب في ثورة ٣٠ يونيو ومواجهة الإرهاب، مشددة في الوقت ذاته على أهمية استمرار احتواء الدولة للمواطنين لغلق الباب أمام الجماعات الارهابية التي تحاول المتاجرة بالأوجاع الاقتصادية.

وأوضحت الدكتورة رانيا فوزى أن ثورات ۲۰۱۱ وصفت أيضا بـ "الربيع الإسرائيلي" لأنها أتاحت لإسرائيل الهدوء بينما اشتعلت المنطقة وتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وانشغلت الدول العربية بأزماتها الداخلية. وبالتالي فإن أي فوضى جديدة تحقق المصالحالإسرائيلية وتخفف عنها أعباء المواجهات العسكرية المباشرة عبر توريط أطراف أخرى، لافتة إلى أن الدور الاسرائيلي غير مستبعد ويظهر في خطاب الإعلام والمواقع الإسرائيلية التي تعمدت ممارسة الشماتة عقب الحوادث واستهداف سفينتا التغييز بميناء دمياط فضلاً عن محاولات التشكيك في المؤسسة الأمنية المصرية ومدى الرد منوهة إلى أن إسرائيل تسعى الاستغلال اتساع رقعة الصراع وإغلاق منافذ إمدادات النفط والغاز التفويت الفرصة على الدول العربية في التصدير وتخفيف الضغوط عن نفسها عبر توسيع دائرة المواجهة.

وأكدت الدكتورة رانيا فوزي على أن الوعي هو حائط الصد الأساسي؛ لأن الشعوب العربية باتت تدرك أن الفوضى لا تجلب سوى توقف عجلة الإنتاج وتراكم الديون والتعطيل التنموي، مقرة بأن الثورات يفجرها المقاوم ويختطف ثمارها الجبان، لذا فالحل الحقيقي يكمن في دعم الانتاج والزراعة والصناعة والتصدير والاستقرآن مشيدة بتمسك الدولة المصرية بالحلول الدبلوماسية واستبعاد الخيارات العسكرية واحتواء الاستفزازات الحدودية، كما ظهر في الاتفاقات ومسارات السلام السابقة، مؤكدة أن أي محاولات الزعزعة الاستقرار الداخلى ستنعكس سلباً على الأطراف المخططة لها تماماً كما تؤثر على المنطقة.

اتفق السفير معتز أحمدين خليل، مندوب مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة، مع الطرح التحليلي السابق، مؤكداً أن المنطقة تعيش بالفعل على وقع "صيف ساخن" تحركه عوامل اضطراب سياسية واقتصادية متصاعدة. وإن كان من الصعب الجزم يتحول هذه الأحداث إلى موجة جديدة من الربيع العربي من عدمه، لكون التوازنات والتعقيدات الدولية الراهنة قد تحول دون إحداث تغيير جذري في البنية الداخلية لتلك الدول.

وقدم السفير معتز أحمدين خليل قراءة جغرافية وسياسية تفصيلية لمكامن الخطر في دول الجوار موضحاً أن الاضطرابات في ليبيا والتحركات الموجهة ضد حكومة طرابلس تدعمها قوى إقليمية تسعى للتخلص منها، لافتا إلى أن هذه المحاولات متكررة و سبقها سيناريوهات مشابهة جراء الانقسام الممتد الهيكلي بين الشرق والغرب، لكنها لم تنجح، أما في تونس، فيرى مندوب مصر الأسبق لدى الأمم المتحدة أن حالة الاحتقان ناتجة بالأساس عن شعور بعدم الرضا نتيجة غياب رؤية واضحة ومحددة بشأن المسار الانتخابي.

وأشار السفير معتز أحمدين إلى أن الدول العربية غير الفنية ومنها مصر وتونس، وحتى ليبيا التي تشهد معاناة داخلية رغم ثرواتها بسبب الانقسام، تتشابه جميعاً في بيئة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تخلق أرضية خصبة لاندلاع الاحتجاجات الشعبية. مؤكدا أن النتيجة النهائية لمدى امتداد هذه الاضطرابات تتوقف حصراً على التفاعل بين قدرة الحكومات على احتواء مطالب الشارع والاستجابة لها، وبين حزمها في إدارة الأزمة عند الحاجة واختتم السفير تصريحاته بتوجيه قراءة خاصة للمشهد المحلي، مؤكداً أن الوضع في مصر يستدعى ضخ المزيد من قرارات الحماية والرعاية الاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب تكثيف جهود مكافحة الفساد، باعتبار أن تماسك الجبهة الداخلية هو الحصن والضامن الوحيد للحفاظ على استقرار الوطن في مواجهة أي رياح عاتية.

 	 هبة حسنى

هبة حسنى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر تفرض كلمتها وتجبر الاحتلال على تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق غزة

ديمترى دليانى: لولا صلابة الموقف المصرى لنجح الكيان فى تنفيذ مخطط التهجير

أسباب احتلال مصر المركز الأول عالمياً على قائمة استقبال الضيوف الأجانب

د. أيمن شبانة: اللاجئون أزمة مزمنة.. والمنظمات الدولية لا توفر لهم الحياة الكريمة د. خالد الشافعى: الأعداد المتزايدة تشكل ضغوطًا...

سيناريوهات إحياء مخطط «الفوضى الخلاقة» فى المنطقة بمخطط إسرائيلى جديد

د. رانيا فوزى: الثورات يفجرها المقاوم.. ويجنى ثمارها الاحتلال الجبان السفير معتز أحمدين: المنطقة تواجه «صيف ساخن».. ووعى الشعوب يحول...

نشاط مكثف لذيول الجماعة الإرهابية للهجوم على الدولة المصرية

شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الأخيرة نشاطا مكثفًا من حسابات ومنصات محسوبة على جماعة الإخوان، بالتزامن مع تصاعد التوترات...