تفاصيل التحركات المصرية لحسم معركة تكسير العظام.. فى القرن الأفريقى

تلعب الدولة المصرية دورًا فاعلا لتعزيز التعاون مع دول القرن الأفريقي وترفيع العلاقات الاستراتيجية مع دول أريتريا والصومال وتأتى هذه التحركات فى مواجهة المخططات الاثيوبية الاسرائيلية التي تستهدف اثارة القلاقل والتوتر في هذه المنطقة الحيوية، والتي تمس بشكل أساسي بالأمن القومى المصرى.

وقال رامی زهدى خبير الشؤون الأفريقية نائب رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، ورئيس وحدة الدراسات الأفريقية

تمثل التحركات المصرية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي تحولا استراتيجيا عميقا في فلسفة إدارة الأمن القومى المصري، خاصة في ظل التحديات المركبة التي فرضتها السياسات الأثيوبية خلال السنوات الماضية، سواء فيما يتعلق بأزمة السد الأثيوبي، أو بمحاولات إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية فى البحر الأحمر والقرن الأفريقي عبر تحالفات إقليمية ودولية مشبوهة، يأتي في مقدمتها التعاون الوثيق مع إسرائيل.

و تابع زهدى قائلا : إن الدولة المصرية لم تعد تتعامل مع القرن الأفريقى باعتباره مجرد نطاق جغرافی مجاور، بل باعتباره امتدادا مباشرا للأمن القومى المصرى والعربى والأفريقي، ولذلك شهدنا خلال الفترة الأخيرة زخما كبيرا فى التحركات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والتنموية المصرية تجاه الصومال وأريتريا وجيبوتي والسودان، بالتوازي مع العودة القوية إلى دول حوض النيل عبر أدوات التنمية والتعاون الاقتصادى والمساعدات الفنية.

يشدد زهدى قائلا: الصومال تحديدًا أصبح أحد أهم المحاور الرئيسية فى الاستراتيجية المصرية الجديدة داخل القرن الأفريقي، خاصة بعد تنامى المخاطر المرتبطة بمحاولات أثيوبيا فرض وجود بحرى على البحر الأحمر عبر الاتفاق المثير للجدل مع إقليم أرض الصومال ما يُعرف بـ صومالی لاند» والذي يمثل انتهاكا صريحا لوحدة وسيادة الدولة الصومالية ويفتح الباب أمام إعادة إنتاج سيناريوهات التفكيك والانقسام داخل المنطقة. أما عن التحركات الأثيوبية تجاه صومالی لاند فيقول "زهدى": لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد محاولة للحصول على منفذ بحرى فقط، بل هي جزء من مشروع أوسع لإعادة تموضع أثيوبيا كقوة إقليمية مهيمنة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهو المشروع الذي يحظى بدعم وتنسيق واضح مع إسرائيل، التي تسعى بدورها إلى توسيع نفوذها الأمنى والاستخباراتي في البحر الأحمر وباب المندب، باعتبارهما من أهم الممرات الاستراتيجية عالميا.

وأضاف: إسرائيل تدرك جيدًا أن أي حضور لها في البحر الأحمر لا يمكن أن يتحقق إلا عبر بوابة أثيوبيا وبعض الكيانات الانفصالية الهشة، ولذلك جاء الحديث الإسرائيلى المنفرد والمتكرر بشأن أرض الصومال في إطار محاولة صناعة واقع جيوسياسی جدید يخدم المصالح الإسرائيلية في مواجهة القوى العربية والأفريقية الفاعلة، وعلى رأسها مصر

لكن ما حدث فعليا هو أن القاهرة نجحت في إحباط جزء كبير من هذه المخططات عبر التحرك السريع نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع مقديشو، وإرسال رسائل واضحة بأن وحدة الأراضي الصومالية تمثل خطا أحمر بالنسبة للدولة المصرية، وهو ما انعكس في حالة التنسيق السياسي والعسكري المتنامي بين البلدين.

بشأن ترفيع العلاقات المصرية مع كل من الصومال وأريتريا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية أكد زهدي أن هذا التوجه يحمل دلالات شديدة الأهمية. أبرزها أن القاهرة تعمل على بناء شبكة توازنات إقليمية جديدة قادرة على احتواء الطموحات الأثيوبية، ومنع أي طرف إقليمي أو دولي من فرض معادلات تهدد استقرار البحر الأحمر

واستطرد زهدى قائلا في ظل محاولات استغلال حالة الانقسام الداخلي لإضعاف الدولة السودانية واستنزاف قدراتها، بما يخلق بيئة إقليمية مضطربة تسمح بإعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، مشيرا إلى أن القاهرة تدرك تماما أن سقوط السودان في دوامة التفكك والفوضى يمثل تهديدا مباشرا للأمن المصري، ولذلك تتحرك الدولة المصرية على عدة مستويات تشمل دعم وحدة الدولة السودانية والحفاظ على مؤسساتها الوطنية، ومنع التدخلات الخارجية التي تسعى إلى تحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي ودولي مفتوح.

واختتم "زهدى" بالقول: الأهم في المشهد الحالي أن مصر لم تعد تعتمد فقط على الخطاب السياسي التقليدي، بل انتقلت إلى مرحلة بناء النفوذ الحقيقي عبر التنمية والاستثمار والتعاون الأمنى وتبادل الخبرات، وهو ما يظهر بوضوح في عودة الحضور المصرى بقوة داخل أفريقيا، سواء عبر الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، أو من خلال مشروعات البنية التحتية والطاقة والتدريب وبناء القدرات.

في السياق ذاته قال محمد الطماوي خبير العلاقات الدولية: إن تحرك الدولة المصرية في منطقة القرن الأفريقي وفق استراتيجية شاملة تستهدف حماية الأمن القومى المصرى والعربي، والحفاظ على استقرار الدول الوطنية، ومنع محاولات إعادة رسم خرائط النفوذ في البحر الأحمر وشرق أفريقيا عبر دعم كيانات انفصالية أو توظيف الأزمات الداخلية لتحقيق أهداف جيوسياسية تخدم أطرافا إقليمية ودولية؛ وجاء تعزيز العلاقات المصرية مع كل من أريتريا والصومال وتشاد ليؤكد توجه القاهرة نحو بناء محور استراتیجی داعم للاستقرار الإقليمي، يقوم على التعاون السياسي والأمنى والاقتصادي، ويرتكز على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، في مواجهة مخططات التفكيك والانقسام التي تهدد عدداً من دول المنطقة.

يضيف الطماوى قائلا: تحمل الشراكات المصرية مع دول القرن الأفريقي رسائل سياسية وأمنية مباشرة أبرزها رفض أي محاولات لفرض أمر واقع جديد على البحر الأحمر، أو إقامة ترتيبات إقليمية خارج إطار الدول المشاطئة، خاصة مع تصاعد التحركات المرتبطة بإقليم أرض الصومال ومحاولات منحه اعترافات أو مكاسب سياسية تمس وحدة الدولة الصومالية.

ويشدد الطماوى تتعامل القاهرة مع ملف صومالي لاند باعتباره قضية مرتبطة بالأمن الإقليمي ووحدة الدولة الوطنية في أفريقيا، في ظل محاولات تستهدف تحويل الانفصال إلى أداة لإعادة هندسة المنطقة سياسيا وعسكريا، بما يمنح بعض القوى الخارجية موطئ قدم استراتيجيا قرب الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر وخليج عدن

ويشير الطماوى إلى التقارب بين أثيوبيا وإسرائيل ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة توزيع النفوذ في القرن الأفريقي، خاصة مع سعى أديس أبابا للحصول على منفذ بحري، والتحركات المرتبطة بإبرام تفاهمات مع أرض الصومال، فيقول: أثار حالة واسعة من الرفض الإقليمي باعتبارها خطوات تمس سيادة الدولة الصومالية ووحدة أراضيها.

وفي نهاية تصريحاته يؤكد الطماوي قائلا يحمل الإعلان المصرى المتكرر بأن البحر الأحمر للدول المشاطئة دلالات استراتيجية حاسمة، أبرزها رفض عسكرة البحر الأحمر أو تحويله إلى ساحة نفوذ لقوى غير إقليمية، مع التأكيد على أن أمن الممرات البحرية مسؤولية مشتركة للدول المطلة عليه، بعيدا عن أي ترتيبات تستهدف تهديد الاستقرار أو فرض وقائع سياسية جديدة، كما يعكس ترفيع العلاقات مع الصومال وأريتريا وتشاد إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية إدراكا مصريا لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة، وفي مقدمتها الإرهاب، والجماعات المسلحة، والتهديدات العابرة للحدود، ومحاولات اختراق الأمن الأفريقي عبر الصراعات الداخلية والانقسامات السياسية.

وتابع "الطماوي": على مستوى دول حوض النيل عززت مصر حضورها عبر مشروعات تنموية وبرامج دعم فنى وإنساني شملت إنشاء محطات مياه وسدود. وتدريب الكوادر الأفريقية، وإطلاق قوافل طبية ومبادرات تنموية، بما أعاد ترسيخ الدور المصري داخل القارة الأفريقية باعتباره شريكا في التنمية والاستقرار وليس طرفا في الصراعات.

وتعكس التحركات المصرية في أفريقيا انتقال السياسة الخارجية المصرية إلى مرحلة أكثر شمولا وفاعلية، تقوم على الدمج بين أدوات الدبلوماسية والسياسة والتنمية والأمن بما يضمن حماية المصالحالاستراتيجية المصرية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي. وإفشال أى محاولات لإعادة رسم خرائط النفوذ على حساب الدول الوطنية الأفريقية.

من ناحيته رأی محمد عثمان خبير العلاقات الدولية أن مصر تاريخيا حرصت على مراعاة عمقها الأفريقي. من خلال تعزيز علاقاتها وروابطها الاستراتيجية مع دول القارة، لاسيما دول حوض النيل والقرن الأفريقي. نظرا لما تمثله تلك المناطق من أهمية مباشرة للأمن القومي المصري، سواء فيما يتعلق بالأمن المائي في حالة حوض النيل، أو أمن الملاحة في البحر الأحمر في حالة القرن الأفريقي، وتتبنى القاهرة هذه السياسات عبر قنوات مشروعة تحترم سيادة الدول ووحدتها واستقرارها، ووفقا لضوابط القانون الدولي.

وأضاف عثمان ومن هنا يتضح الفارق الكبير بين المقاربة المصرية المتزنة، وبين التحركات الأثيوبية والإسرائيلية التي باتت تثير الكثير من القلق في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر فأثيوبيا تواصل انتهاج سياسات أحادية تمس الحقوق المائية التاريخية لدولتي المصب مصر والسودان، كما تسعى إلى فرض أمر واقع جديد في الصومال عبر مشروعها الخاص بالحصول على منفذ بحرى داخل أراضى إقليم أرض الصومال دون موافقة الحكومة الفيدرالية الصومالية، وفى السياق ذاته، جاء الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ليضيف بعدا أكثر تعقيدا وخطورة إلى المشهد، بما يحمله ذلك من تداعيات على وحدة الدولة الصومالية وأمن البحر الأحمر وتوازناته الإقليمية.

وأكد عثمان في المقابل، تبنت مصر مقاربة أكثر اتزانا ومسؤولية في تعاطيها مع التحديات التي تواجه القرن الأفريقي، واختارت أن تكون طرفا داعما للاستقرار لا عنصرًا إضافيا في تأجيج الصراعات، ومن هذا المنطلق، انخرطت القاهرة بصورة أكبر في دعم وحدة الصومال وأمنه واستقراره على مختلف الأصعدة. بما في ذلك الصعيدان الأمنى والدفاعي، وذلك من خلال أطر شرعية وتحت مظلة الاتحاد الأفريقي، عبر المشاركة المصرية في القوات المعنية بدعم الاستقرار في الصومال، فضلا عن توقيع اتفاقيات تعاون دفاعی مع مقديشو عززت من الحضور المصري في المنطقة. ولعبت مصر إلى جانب أطراف إقليمية وازنة أخرى. دورا مهما في الحد من المساعي الأثيوبية الرامية إلى فرض ترتيبات أحادية في الصومال، إدراكا منها لما يمثله ذلك من تهديد ليس فقط لوحدة الدولة الصومالية، بل أيضا لأمن البحر الأحمر ومصالح الدول المشاطئة له، خاصة في ظل نمط السلوك الأثيوبي القائم على تجاوز التوافقات الإقليمية والاعتماد على سياسات فرض الأمر الواقع.

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

رسائل السيسى وترامب تخمد فتنة القرن الأفريقى

المزيد من سياسة

تفاصيل التحركات المصرية لحسم معركة تكسير العظام.. فى القرن الأفريقى

تلعب الدولة المصرية دورًا فاعلا لتعزيز التعاون مع دول القرن الأفريقي وترفيع العلاقات الاستراتيجية مع دول أريتريا والصومال وتأتى هذه...

سيناريوهات المواجهة الحاسمة بين تحالف القوى الإسلامية والكيان الصهيونى

نجحت القاهرة في تشكيل تحالف «اسلامی» في مواجهة المخططات الصهيونية التى تستهددف طمس هوية المقدسات الفلسطينية، وعلى رأسها المسجد الاقصى...

رسالة تعكس طبيعة العلاقات المصرية الصينية فى ظل الاضطرابات الدولية

السفير محمد حجازى: مصر ليست طرفاً فى الصراع الأمريكى الصينى.. وتلتزم بالسياسات المرنة د. إبراهيم نوار: سياسة القاهرة تقوم على...

«الإخوان الإرهابية» تلجأ لسلاح الحرب النفسية لشحن المواطنين ضد الدولة

منير أديب: الجماعة تكذب كما تتنفس.. والشائعات سلاحها ضد الدولة سامح عيد: التنظيم يعتمد على الكتائب الإلكترونية لتشويه الحكومة عزت...