أبعاد الصراع بين إثيوبيا والصومال بالبحــر الأحمر فى هذا التوقيت
يشكل البحر الأحمر منطقة استراتيجية على مستوى العالم، فهو يشكل موقعا ذا أهمية تجارية وإقتصادية ، ويشكل صراع وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر أحدث التطورات الاستراتيجية المتعلقة به، وربما أحدث فصول الصراعات المائية على مستوى العالم، ووفقا للخبراء فإن هذا الصراع "إثيوبيا – الصومال " هو صراع يمس الأمن القومى المصرى والعربى فى آن واحد .
رامي زهدي — خبير الشؤون الأفريقية، نائب رئيس مركز العرب للدراسات الاستراتيجية يقول: "الصراع بين إثيوبيا والصومال لا يمكن قراءته باعتباره خلافا حدوديا تقليديا، هو تعبير مكثف عن تحولات استراتيجية عميقة في إقليم القرن الأفريقي، تتقاطع فيها اعتبارات الجغرافيا السياسية مع ضرورات الاقتصاد والأمن القومي، وتتشابك فيها الحسابات الوطنية مع توازنات إقليمية ودولية معقدة.
يضيف زهدي قائلا: " إثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ انفصال إريتريا عام 1993، تنظر إلى مسألة الوصول إلى منفذ بحري باعتبارها قضية وجودية وليست رفاهية سياسية.
يشدد زهدي بقوله: "وجهة النظر الإثيوبية أن دولة يتجاوز عدد سكانها 120 مليون نسمة، وتطمح إلى معدلات نمو مرتفعة، لا يمكن أن تظل رهينة لموانئ الدول المجاورة، خصوصا ميناء جيبوتي الذي يمر عبره ما يزيد على 90% من تجارتها الخارجية، هذا الاعتماد الأحادي يضع الاقتصاد الإثيوبي تحت ضغط دائم، سواء من حيث التكلفة أو من حيث المخاطر السياسية المرتبطة بأي توتر إقليمي. من هذا المنطلق، يمكن فهم التحركات الإثيوبية الأخيرة، خاصة مذكرة التفاهم المثيرة للجدل مع إقليم "أرض الصومال" غير المعترف به دوليا، باعتبارها محاولة لتأمين موطئ قدم على البحر الأحمر أو خليج عدن، غير أن هذه الخطوة اصطدمت مباشرة بالسيادة الصومالية، إذ تعتبر مقديشو أي اتفاق يتم دون موافقتها انتهاكا لوحدة أراضيها وشرعيتها الدولية، وهنا يتحول الملف من قضية تنموية إثيوبية إلى أزمة سيادية صومالية، وهو ما يفسر حدة الردود السياسية والدبلوماسية من جانب الحكومة الفيدرالية الصومالية.
وعن تأثير الصراع الإثيوبى الصومالى على الأمن القومى العربى يشير زهدي قائلا: "أري أن المشكلة في أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر مائي تقليدي، بل أصبح أحد أهم مسارح التنافس الجيوسياسي عالميا، فالممر يربط بين قناة السويس والمحيط الهندي، ويمثل شريانا حيويا للتجارة الدولية والطاقة، ومن ثم فإن أي تغيير في موازين القوى على ضفتيه يثير حساسية قوى إقليمية مثل مصر والسعودية، وقوى دولية كبرى تسعى لتأمين نفوذها في هذه المنطقة الحيوية.
بالنسبة لإثيوبيا، هناك خطاب رسمي يتحدث عن "الحق الطبيعي في الوصول إلى البحر"، بل وذهب بعض المسئولين إلى الإشارة إلى اعتبارات تاريخية، لكن في العلاقات الدولية، لا تُدار الملفات بمنطق التاريخ بقدر ما تُدار بمنطق القانون الدولي والتوازنات الواقعية، وأي محاولة لفرض أمر واقع خارج الأطر القانونية ستفتح الباب أمام تصعيد قد لا تتحمل المنطقة كلفته.
أما الصومال فيقول د.زهدى: "الصومال هي دولة خارجة تدريجيا من عقود من الهشاشة والانقسام، وتحاول إعادة بناء مؤسساتها وترسيخ سيادتها، ومن ثم فإن أي مساس بوحدة أراضيها يمثل تهديدًا مباشرا لمشروع الدولة نفسه، ولهذا وجدنا تحركات صومالية مكثفة على المستوى العربي والأفريقي، لتأكيد دعم وحدة أراضيها ورفض أي ترتيبات أحادية؛ لكن من زاوية أكثر هدوءًا، يمكن القول إن الأزمة تحمل في طياتها فرصة لإعادة طرح فكرة التكامل الإقليمي بدلا من الصراع الصفري، فبدلًا من أن يكون الوصول إلى البحر مشروعا أحاديا مثيرا للقلق، يمكن أن يتحول إلى مشروع شراكة إقليمية يقوم على المصالح المتبادلة، عبر اتفاقات طويلة الأمد، أو مناطق اقتصادية مشتركة، أو صيغ استثمارية تعزز التنمية لدى الطرفين، القرن الإفريقي اليوم لا يحتمل صراعات جديدة، فالمنطقة تعاني بالفعل من أزمات داخلية في أكثر من دولة، ومن تحديات الإرهاب والهجرة غير النظامية وتغير المناخ، وأي تصعيد عسكري أو حتى توتر سياسي طويل الأمد بين إثيوبيا والصومال سيؤثر سلبا على الاستقرار الإقليمي بأكمله، وسينعكس على أمن البحر الأحمر، وهو ما يهم مصر ودول الخليج بشكل مباشر.
فى نهاية حديثه يشير زهدي: "من وجهة نظري، الحل يكمن في ثلاث دوائر متوازية: أولا، التزام إثيوبي واضح باحترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه، مع تجنب أي خطوات أحادية، ثانيا، انخراط صومالي براغماتي في حوار اقتصادي يراعي احتياجات إثيوبيا التنموية دون التفريط في الثوابت السيادية، ثالثا، دور وساطة فاعل من أطراف إقليمية وأفريقية، يضمن تحويل الأزمة من صراع محتمل إلى إطار تعاون منظم، في النهاية، الوصول إلى البحر حق تنموي مشروع لأي دولة حبيسة، لكن الطريق إليه لا يجب أن يمر عبر إضعاف دولة أخرى أو تهديد استقرار إقليم بأكمله، البحر الأحمر ليس مساحة فراغ، بل فضاء توازنات دقيقة، وأي اختلال فيه ستكون له ارتدادات تتجاوز حدود إثيوبيا والصومال إلى مجمل معادلة الأمن الإقليمي.
د.طارق فهمى أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة يقول : بالتأكيد هناك وجود إسرائيلي فى أرض الصومال وهناك حضور إسرائيلي فى شمال أرض الصومال وهى نقطة ارتكاز رئيسية وليست محطة وهناك دول عربية فى هذه الأماكن واسرائيل تسجل حضور فى هذه الأماكن ومناطق الشمال، وهذا الوجود تدعم فى الفترة الأخيرة بعد اعترافها رسميا بإقليم أرض الصومال غير المعترف به دوليا ونحن أمام تحديات كبيرة تواجه الأمن القومى المصرى والعربى فى آن واحد، ونحن يهمنا ألا تعبث إسرائيل بهذه المناطق، وهناك احتمالات لأن يقوم نتنياهو بزيارة أرض الصومال ورئيس هذا الإقليم سيزور إسرائيل ومن ثم هناك جملة من التطورات، أما إثيوبيا تريد منفذًا بحريًا لكن هناك مقايضة كبرى تحكم علاقات هذه الدول فى اطار المستجدات التى تشكل خطورة واهتمام كبير بالنفوذ الموجود، وهناك صراعات كبرى تحكم هذه المنطقة، وأمريكا تتابع الموقف لكنها لم تعترف بأرض الصومال، وهناك سيناريوهات واحتمالات لتاثيرات كبيرة ستجرى خلال الفترة القادمة
إسماعيل تركى الباحث المتخصص فى العلاقات الدولية يقول: تُعد منطقة القرن الأفريقي إحدى أكثر مناطق العالم هشاشةً من حيث توازنات القوة وتشابك المصالح الدولية والإقليمية، غير أن مذكرة التفاهم التي وقّعتها الحكومة الإثيوبية مع إقليم أرض الصومال الانفصالي مطلع عام 2024، للحصول على منفذ بحري مقابل تلميحات بالاعتراف السياسي، نقلت الصراع من مستوى التنافس التقليدي إلى مستوى إعادة تشكيل خرائط النفوذ والسيادة في شرق أفريقيا.
فمنذ انفصال أريتريا عام 1993، فقدت إثيوبيا منفذها البحري، لتتحول إلى أكبر دولة حبيسة سكانياً في العالم، وتعتمد في تجارتها الخارجية على ميناء جيبوتي، ما يضع الاقتصاد الإثيوبي في حالة تبعية جغرافية مكلفة تتجاوز ملياري دولار سنوياً.
بالنسبة لرئيس الوزراء آبي أحمد، لا يُعد الوصول إلى البحر الأحمر خياراً اقتصادياً فحسب، بل حلمًا وضرورة استراتيجية؛ ففي الأدبيات الواقعية، تسعى أديس أبابا من خلال هذا الحلم إلى كسر القيد الجغرافي عبر تنويع منافذها البحرية، وربما تأسيس قوة بحرية مستقبلية، بما يعزز موقعها كقوة إقليمية صاعدة.
غير أن الطموح البحري الإثيوبي يتصادم مع قضايا السيادة والسياسة والقانون، إذ إن مذكرة التفاهم تضمنت استئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومترًا لمدة 50 عامًا من إقليم أرض الصومال، مع تلميح بإمكانية الاعتراف بها كدولة مستقلة؛ وهنا يتحول البعد الاقتصادي إلى مسألة تمسّ بنية النظام الإقليمي القائم على مبدأ وحدة الأراضي الموروثة عن الاستعمار، وهو مبدأ كرّسه الاتحاد الأفريقي تفاديًا لموجات انفصالية متتالية.
يضيف إسماعيل قائلًا: "الحكومة الفيدرالية في مقديشو اعتبرت الاتفاق انتهاكاً صارخاً لسيادتها وتهديداً مباشراً لأمنها القومي. فأي وجود عسكري أو لوجيستي إثيوبي على ساحل تعتبره جزءاً من أراضيها يمثل سابقة خطيرة، ليس فقط للصومال بل للقارة بأسرها"، الاعتراف المحتمل بـ"أرض الصومال" قد يفتح الباب أمام نماذج مشابهة في أقاليم أفريقية أخرى تعاني هشاشة الدولة الوطنية، كما قد يدفع دولًا أخري للاعتراف وهو ما حدث بانتهازية شديدة من جانب إسرائيل في خطوة اعتبرت التعدي الصارخ علي سيادة الصومال، والانتهاك الواضح لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
يشير إسماعيل التركي إلى التحالف مع الصومال فيقول: "في هذا السياق، برز محور مصري – صومالي واضح المعالم لمواجهة هذه التحديات ومساعدة الصومال في الحفاظ علي وحدة أراضيها، فقد وقّعت مصر اتفاقية تعاون دفاعي مع الصومال، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز التضامن الثنائي، لتشمل حماية أمن البحر الأحمر وممرات الملاحة المؤدية إلى قناة السويس، حيث تريد القاهرة من منظور الأمن الإقليمي، أن أي إعادة رسم غير منضبط للحدود في القرن الأفريقي قد ينعكس مباشرة على توازنات البحر الأحمر.
في المقابل، تحاول تركيا لعب دور الوسيط، مستفيدة من علاقاتها الوثيقة مع مقديشو واستثماراتها العسكرية والاقتصادية هناك، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قنوات تواصل مع أديس أبابا، أما الإمارات العربية المتحدة، التي تمتلك استثمارات استراتيجية في موانئ "أرض الصومال"، فتسعى إلى موازنة علاقاتها دون الانخراط في صدام مباشر، بينما تميل المملكة العربية السعودية إلى دعم مقاربة تحافظ على وحدة الدولة الصومالية واستقرار البحر الأحمر.
تبرز هنا التداعيات الأمنية ومكافحة الإرهاب يضيف إسماعيل التركي قائلا: كأحد أخطر تداعيات الأزمة، فقد استغلت حركة الشباب حالة الغضب الشعبي الصومالي لتقديم نفسها كمدافع عن وحدة الأرض، ما يضعف قدرة الحكومة علي مواجهة الإرهاب، من منظور نظرية الأمن الشامل لهذه المنطقة تتداخل هنا الأبعاد الجغرافية والاقتصادية والرمزية، فالصراع ليس حدودياً فحسب، بل يتعلق بالهوية والسيادة وشرعية الدولة الوطنية في أفريقيا ما بعد الاستعمار.
وعن السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول يتمثل في نجاح وساطة إقليمية أو أفريقية في تحويل الاتفاق إلى صيغة تجارية بحتة عبر موانئ صومالية رسمية، بما يضمن لإثيوبيا منفذاً بحرياً دون المساس بالسيادة الصومالية، هذا المسار يتطلب ضمانات دولية وتفاهمات أمنية واضحة تمنع عسكرة الساحل.
أما السيناريو الثاني، فينذر بتحول الصومال إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، حيث تتقاطع المصالح المصرية والإثيوبية والتركية والخليجية، بما يفتح الباب أمام حرب استنزاف سياسية وأمنية طويلة الأمد.
ما أود قوله هنا إن الصراع في جوهره، يعكس صراع الجغرافيا ضد التاريخ، لدولة إثيوبيا تحاول تصحيح ما تعتبره خللاً جغرافياً يقيّد طموحها الاستراتيجي، بينما يتمسك الصومال بشرعية حدود رسمها التاريخ الحديث والنظام الدولي. وبين الطموح البحري والشرعية السيادية، يقف القرن الأفريقي على حافة إعادة تشكيل عميقة قد تعيد تعريف ميزان القوى في شرق أفريقيا لعقود مقبلة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
د. جمال زحالقة: إسرائيل تخطط لترحيل أهالى الضفة الغربية إلى الأردن.. والموقف المصرى أفشل تهجير سكان غزة ديمترى دليانى: إسرائيل...
الأقمار الصناعية رصدت الكارثة
محاكمة المتورطين فى أزمة الدواجن جنائياً.. خطوة على الطريق