جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب اشتعال الأزمات الإقليمية وتشابك الملفات العربية، ولكن لأنها جاءت أيضا فى لحظة ظن فيها البعض أن العلاقات بين مصر والسعودية تمر بمنعطف حاد وخلافات كبيرة فى الرؤى والمصالح.
حيث انتشرت فى الفترة السابقة تأويلات وتحليلات حول فتور فى العلاقات، وتضاربت القراءات بشأن تباينات فى وجهات النظر الاقتصادية والسياسية، فجاءت الزيارة لتضع النقاط فوق الحروف وتبعث برسالة مباشرة بأن العلاقة بين القاهرة والرياض أكبر من الشائعات وأقوى من محاولات التشويش، وأن الاختلاف إن وُجد لا يعنى الخصام، بل جزءًا طبيعيًا فى علاقة استراتيجية راسخة بين دولتين لهما وزن تاريخى وإقليمى ضخم.
ملفات ثقيلة
منذ اللحظة الأولى للزيارة، بدا واضحًا أنها ليست بروتوكولية أو شكلية، بل محملة بملفات ثقيلة تتصدرها القضايا الإقليمية المشتعلة، وعلى رأسها الوضع فى غزة، والأزمة اليمنية، وتعقيدات المشهد فى السودان وليبيا وسوريا، إلى جانب الملفات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين. اللقاءات التى عُقدت بين الأمير فيصل بن فرحان والسيد الرئيس عبد الفتاح السيسى وبين وزيرَى الخارجية كشفت أن العلاقات المصرية السعودية تقوم على قاعدة ثابتة وهى التنسيق المشترك لمواجهة الأخطار التى تهدد الأمن القومى العربي، وأن البلدين رغم أى تباينات مرحلية، يتحركان فى إطار إدراك عميق بأن استقرار أحدهما وثقله ينعكس مباشرة على الآخر.
علاقة قدرية
العلاقات بين مصر والسعودية ليست علاقة عابرة أو مرتبطة بمزاج سياسى مؤقت، بل هى تراكم تاريخى طويل تشكل عبر عقود من التعاون والتحالف. منذ الخمسينيات وحتى اليوم، ظل البلدان يقفان إلى جانب بعضهما فى المحطات الكبرى من أزمة السويس، مرورًا بحرب أكتوبر، ووصولًا إلى حرب تحرير الكويت، ثم حقبة مكافحة الإرهاب والتحولات الكبرى فى الإقليم. بالإضافة الى الدور النهضوى المهم الذى ساعدت فيه الشقيقه الكبرى مصر المملكه فى بداية مشروعاتها للنهضة والتنمية على كل المستويات من خلال نقل كل الخبرات على كل المستويات، وهذا التاريخ المشترك أفرز نمطًا ثابتًا من العلاقات يمكن وصفه بأنه شراكة قدرية ليس بدافع العمل الدبلوماسى ولكن بحسابات الجغرافيا والسياسة والاقتصاد وضرورات الأمن الإقليمي.
آليات عملية
كما أكدت أن البلدين لا يكتفيان بالشعارات السياسية العامة، بل يعملان على تحويل الشراكة إلى آليات عملية، من بينها آلية مجلس التنسيق الأعلى بين مصر والسعودية، الذى يمثل إطارًا مؤسسيًا لإدارة الملفات الاقتصادية والاستثمارية الكبرى. فالقاهرة والرياض ترتبطان اليوم بمشروعات ضخمة فى الطاقة والبنية التحتية والسياحة والصناعة، وتعد السعودية من أكبر المستثمرين العرب فى مصر، بينما تمثل مصر عمقًا بشريًا وثقافيًا واستراتيجيًا للمملكة. هذه المصالح المتبادلة تعزز فكرة أن العلاقات ليست مجاملة دبلوماسية، بل شبكة مصالح حقيقية تبنيها الحكومتان وتدعمها الشعوب.
الملفات المشتركة
على المستوى الإقليمي، كان أحد أهم محاور الزيارة هو ملف غزة وتداعيات الحرب على الأمن القومى العربى بأكمله. مصر بحكم الجغرافيا والدور التاريخى تتحمل العبء الأكبر من مسئولية معبر رفح والملف الإنسانى والأمني، والسعودية بما لها من ثقل سياسى واقتصادى تمارس دورًا حاسمًا فى الحشد الدولى لدعم الحقوق الفلسطينية ورفض التهجير والحلول المؤقتة. لذلك كان التنسيق المصرى السعودى ضروريًا لإدارة هذا الملف شديد الحساسية، خاصة مع محاولة بعض القوى الدولية والإقليمية فرض حلول تنتقص من الحقوق الفلسطينية أو تمس الأمن القومى المصرى والسعودى معًا. وفى اليمن، حيث تتقاطع مصالح الأمن الخليجى مع الأمن القومى المصرى فى البحر الأحمر وباب المندب، برزت أهمية التنسيق بين البلدين فى دعم مسار الحل السياسى ومنع تحوّل البحر الأحمر إلى ساحة صراع مفتوح يهدد الملاحة الدولية والاقتصاد العالمي. أما السودان، الذى يشهد صراعًا داميًا، فيمثل تحديًا مزدوجًا للبلدين، إذ ترتبط به مصر جغرافيًا واجتماعيًا وأمنيًا، وترتبط به السعودية عبر الأمن الإقليمى ومصالح البحر الأحمر والاستثمارات. من هنا كانت الزيارة منصة لمناقشة كيفية وقف النزيف السودانى ومنع تفكك الدولة وانزلاقها إلى سيناريوهات أخطر. كما امتد الحديث إلى ليبيا وسوريا، حيث تدرك القاهرة والرياض أن استمرار الفوضى لن يهدد الدولتين فحسب، بل يهدد المنطقة بأكملها ويفتح الباب لتنامى التنظيمات المتطرفة وتجار السلاح والبشر. لذلك تسعى الدولتان لدعم الحلول السياسية والحفاظ على وحدة الدول، وهى ثوابت ظهرت بوضوح فى بيانات وتصريحات الطرفين.
صومالى لاند
بالإضافة إلى التحديات الجديدة التى ظهرت على الساحة والتى تتطلب تنسيقًا مشتركًا فى ملفات أبعد جغرافيًا لكنها تمس الأمن القومى لكليهما بشكل مباشر مثل ما اثير مؤخراً حول الاعتراف الإسرائيلى بإقليم صوماليلاند كدولة مستقلة ودعوة إسرائيل لفتح سفارة هناك، وهو ما أثار اعتراضات مصر والسعودية وعدد كبير من الدول العربية والإسلامية باعتباره خطوة أحادية تنتهك مبادئ القانون الدولى وتؤثر على استقرار القرن الأفريقى ومنطقة البحر الأحمر التى تربط الشرق الأوسط بأفريقيا والعالم، وقد حذرت القاهرة والرياض وغيرها من الدول من أن الاعتراف هذا يشكل سابقة خطيرة تهدد الأمن والسلام الإقليميين وترفع من احتمالات تأزم العلاقات مع الحكومة الفيدرالية الصومالية وتزيد من حالة عدم الاستقرار فى منطقة حيوية تتقاطع فيها مصالح أمن الملاحة وإمدادات الطاقة والتجارة العالمية. وقد أكدت مصر فى بيانات رسمية رفضها القاطع لاعتراف إسرائيل بهذه الكيان المفصول الذى لم يعترف به دولياً، وشددت على دعمها لوحدة وسيادة الصومال، معتبرة أن أى خطوات من هذا النوع تعزز الفوضى وتفتح الباب أمام تدخلات جديدة وتقويض جهود البناء والاستقرار فى القرن الأفريقي، وهو ما له انعكاسات مباشرة على أمن البحر الأحمر وسيناء والحدود الجنوبية لمصر. السعودية بدورها عبرت عن موقف مماثل فى بيانات مشتركة مع عدد من الدول الإسلامية، مؤكدة أن هذه الخطوة لا تخدم السلم الإقليمى وأن الشراكة العربية يجب أن ترتكز على احترام مبادئ السيادة وعدم المساس بحدود الدول، وذلك فى إطار رؤية موحدة ترى أن مواجهة محاولات تعدى الحدود ومشاريع التفتيت الإقليمى يشكل أحد أبعاد الأمن القومى المشترك الذى يجمع الرياض والقاهرة وهذا التنسيق الاستراتيجى فى مواجهة الملف الصومالى لا يعنى فقط موقفًا سياسيًا موحدًا، بل يمتد إلى العمل من أجل تعزيز استقرار المنطقة من خلال دعم الجهود الأفريقية والدولية الرامية للحفاظ على وحدة الأراضى الصومالية وتعزيز قدراتها باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الإقليمى الشاملة التى تربط بين أفريقيا والعالم العربي، الأمر الذى يبرز عمق الاستشراف المشترك بين مصر والسعودية فى مواجهة مخاطر محتملة تتجاوز حدودهما إلى قلب خطوط الملاحة والاقتصاد العالمي.
مشروعات إقتصادية
وعلى المستوى الإقتصادى حملت الزيارة رسائل مهمة. فبينما يمر الاقتصاد العالمى بظروف صعبة، تعمل القاهرة والرياض على إعادة ترتيب أولويات الاستثمار والتعاون المشترك، ليس فقط من خلال الأرقام، ولكن عبر مشروعات نوعية ترتبط بالطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والنقل واللوجستيات والسياحة، وربط البحرين الأحمر والمتوسط كمحورين استراتيجيين لنقل التجارة والطاقة. وتدرك السعودية أن مصر تمثل سوقًا ضخمًا وقوة بشرية مؤثرة، فيما ترى مصر أن السعودية ركيزة رئيسية للاستثمارات العربية والدعم الإقليمى والاستقرار المالي.
الربط الكهربائى
وعلى صعيد آخر من أطر التعاون البنيوية بين البلدين، يبرز مشروع الربط الكهربائى المصرى السعودى كأحد أبرز الإنجازات العملية التى تُجسد التكامل الحقيقى فى المجالات التنموية والاستراتيجية. فالمشروع، الذى يُعد الأكبر من نوعه فى الشرق الأوسط بتكلفة تقارب 1.8 مليار دولار ويشمل أكثر من 1350 كم من شبكات الربط بين الشبكتين الكهربائية المصرية والسعودية، دخل فى مراحل تنفيذ متقدمة جدًا، مع الانتهاء من المرحلة الأولى التى تسمح بتبادل نحو 1500 ميغاواط من الكهرباء وتشغيلها تجريبيًا مع بداية يناير 2026، بينما من المخطط أن تشهد المرحلة الثانية التى ستزيد سعة التبادل إلى نحو 3000 ميغاواط الانتهاء خلال الربع الأول من العام الحالي، مما يعزز من أمن الطاقة والاستقرار فى الطلب على الكهرباء فى كلا البلدين ويشكل قاعدة لإنشاء سوق كهرباء عربية موحدة.
الربط الكهربائى لا يُعد مجرد مشروع فنى لنقل الطاقة، بل جسرٌ استراتيجى يعكس القدرة على توظيف التكامل الاقتصادى فى دعم أمن الطاقة وتخفيف الفجوات فى أوقات الذروة، فبينما تواجه السعودية ذروة فى الاستهلاك خلال الشتاء، تشهد مصر ذروتها فى الصيف، وهو ما يجعل تبادل الطاقة بينهما أكثر كفاءة ويقلل الحاجة إلى إنشاء محطات توليد باهظة التكلفة، كما يعزز من جذب الاستثمارات الصناعية التى تعتمد بشكل كبير على الكهرباء المستقرة فى المناطق الصناعية المختلفة.
جسر برى
ويتكامل هذا المشروع مع الرؤى الأكبر للربط الاقتصادى بين البلدين من خلال مشاريع بنية تحتية ضخمة أخرى، من بينها مشروع (كوبرى الملك سلمان) الذى ما زال محل بحث وتخطيط، وهو عبارة عن جسر برى يربط سيناء بالسعودية عبر مضيق تيران، ويُعد رمزًا آخر للتواصل بين الضفتين العربيّتين، حيث يُتوقع أن يساهم فى تسهيل حركة البضائع والأفراد بين الدولتين، ويشكل شريانًا لتعزيز التكامل الاقتصادي، السياحي، وحتى الديني، وامتدادًا لخطط الربط اللوجستى بين إفريقيا وأسيا عبر شبه الجزيرة العربية، وهو مشروع يحظى باهتمام مشترك نظراً لما يمثله من فرص اقتصادية وتنموية تربط بين القارة الأفريقية وشبه الجزيرة العربية وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون والتجارة العابرة للقارات.
شراكة متكاملة
وبالتالي، فإن مسارات التعاون بين القاهرة والرياض فى المجالات الاستراتيجية لا تقتصر على التنسيق السياسى فى مواجهة الملفات الحساسة فحسب، بل تتمثل أيضًا فى بناء منظومات تكاملية حقيقية عبر الطاقة والبنية التحتية الضخمة التى تسمح بتعزيز الأمن والتنمية المشتركة، وترسخ فكرة أن الشراكة بين مصر والسعودية هى شراكة استقرار وتطوير وتقدم يمتد أثرها إلى أجيال قادمة.
كل ذلك يجعل من زيارة فيصل بن فرحان للقاهرة ليس حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، بل علامة سياسية مهمة تقول إن العلاقات المصرية-السعودية أقوى من الشائعات وأصلب من الأزمات وأنها علاقة تُدار بعقل الدولة لا بانفعالات التواصل الاجتماعي. قد تتباين الرؤى فى التفاصيل، وقد تظهر خلافات تكتيكية هنا أو هناك، لكن الثابت أن القاهرة والرياض تتحركان فى اتجاه استراتيجى واحد: حماية استقرار المنطقة، حفظ وحدة الدول العربية، مواجهة الإرهاب والتطرف، وتعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة. أن الشراكة بين البلدين الشقيقين ليست مجرد تحالف سياسي، بل هى علاقة دولة بدولة، وتاريخ بتاريخ، ومستقبل بمستقبل. جاءت الزيارة فى لحظة شك، فأعادت اليقين، وجاءت فى زمن أزمة، فأرسلت رسالة طمأنة بأن هناك ركيزتين عربيتين كبيرتين ما زالتا قادرتين على الحوار والتفاهم والتنسيق مهما اشتدت العواصف من حولهما.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...