على الجبهة ضحك .. وجد.. وحرب

جمال عبدالناصر: على مرمى البصر... تباشير النصر تلوح صوت نحبه كلنا هو انفجارات ألغامنا فى العدو كنا نستوعب برنامج شهر من التدريب فى أسبوع من شدة اللهفة للعبور التقى الفنانون بالمقاتلين وعاشت الجبهة أمسية موسيقية غنائية

لم يكن الانتصار الساحق الذى قامت به قواتنا المسلحة فى السادس من أكتوبر 1973 وليد اللحظة بكل كان نتاج تدريب وعمل سنوات فى كل موقع على جبهة القتال، وداخل كل وحدة من وحدات قواتنا المسلحة فى الخطوط الأمامية، ووراء خط المواجهة، الذى كان يعيش فيه الرجال 24 ساعة عمل كل يوم، ليتحقق النصر..

ـ على جبهة القتال عاش أبطال القوات المسلحة المصرية، أحلامهم المليئة بتحقيق النصر واستعادة الأرض، هؤلاء الجنود هم أولاد الوطن

لذا نلقى الضوء على أوقاتهم وأجواء عيشتهم على الجبهة وكيف مرت الأيام عليهم، ومن جاء لزيارتهم ومن شد من أزرهم، فمن خلال هذا الموضوع الذى رصدنا فيه أجواء جبهة القتال نتعرف على أيام وليالى على الجبهة، وكيف كانت المجلة معهم فى أصعب المواجهات، نعرف هذا خلال صفحات مجلتنا العريقة التى تؤرخ للأيام الوطن ولحياة المصريين بالصورة والورقة والقلم..

فى عام 1970 وتحديداً يوم السبت 4 أبريل بعدد المجلة رقم (1829) جاء مقال بعنوان (الليل والصمت.. السر والرجال)..

جاء وصف دقيق لليالى الجنود على الجبهة، أتيح لمحرر المجلة "فوزى شلبي" أن يشهد عملية العبور، وفى هذه السطور يكتب تجربته التى شاهدها على الطبيعة قائلاً:

الليل.. وبعض النجوم تلمع من خلف السحاب القائم وذرات الرمال تبعثرها رياح شديدة إلى حد ما، والصمت يلف كل شىء فى القطاع الشمالى، من جبهة القتال خلف بطاريات المدافع الثقيلة والمضادة للدبابات أو الطائرات أو فى مواقع الاستعداد للمهمة المقبلة.. والسر على وشك أن يعلن للعالم كله.. ويصبح خبراً مثيراً تطيره وكالات الأنباء والصحف والإذاعات!

وأترك رجال المدفعية إلى مكان ما فى قلب الموقع....

رحب بنا ضابط شاب صارم الوجه، لكنه يبتسم فى مودة.. جلسنا معه وسط (جماعة) من الرجال والشبان وفجأة هزنى "جو السرية" الذى يلف كل شىء فى المكان حولنا، فجأة، أيضاً رن جرس التليفون ورفع (القائد) سماعته ورد وبعد ثانية واحدة استدار إلى رجاله وقال كلمة واحدة.. انتباه!

عینای تتجولان على وجوه الرجال وملامحهم، نسيج بشرى من الانفعالات والاهتمام والجدية كلهم فى العشرينات تجمعهم رفقة السلاح وفجأة انتهى الاجتماع على أن يلتقوا بعد ساعة زمن، وتفرق المقاتلون بعضهم جلس يحلق ذقنه وبعضهم يكتب رسائل للأهل والأحباب، بعضهم جلس يلعب الشطرنج ويضحك..

اتجهت إلى "قائد" العملية لمح السؤال على شفتى ابتسم وقال: عندما نعود بإذن الله سأحكى لك كل شىء..

اتجهت إلى المقاتلين تحدثت إليهم، قال كل منهم حكاية لكن كل الحكايات كانت بعيدة عن "السر" إنهم يستعيدون ذكريات حلوة..

المقاتل (رضوان) كان يتحسس سلاحه باهتمام..

وسألته: هل تخشى أن يخونك السلاح فى العملية؟

ابتسم وقال:

لا، لكننى لا بد أن أتأكد من صلاحيته قبل التحرك.

فيم تفكر فى هذه اللحظة؟

لم أعد أفكر بقلبى واحساسى إلا فى العملية التى سأشترك فيها بعد قليل.

قلت له: متزوج؟

قال: وأب لثلاثة أطفال لكننى الآن نسيت كل شىء بعد أن كتبت لهم خطاباً..

هل اشتركت فى عمليات سابقة؟

نعمٌ.. ودكيت مع زملائى دشم العدو وحاصرناهم بالنيران...

والمقاتل "عفيفي" قال لى:

منذ ١٩٦٧وحتى الآن وقواتنا تحطم "هيبة" العدو الزائفة، لو رأيتهم وهم يصرخون ويهربون ويموتون برصاصنا، لعرفت زيف العدو ولكشفت أكاذيبه.

وقال: إن قادتنا يعطون الفرصة لكل جندى لكى يعبر ويقاتل حتى يتمكن من معرفة العدو عن قرب ويدمر مواقعه.

والمقاتل "حسن" قال لى:

أغلبنا لم يشتبك مع العدو، والعبور إليه يعطينا فرصة التعرف على تأثير أسلحتنا، وتأكيد مقدرتنا العسكرية أمام شعوب العالم، وتصميمنا على القتال لتحرير أرضنا، كما أن العبور ضرورى للتعرف على الأرض التى حتماً سيدور فوقها قتال التحرير..

مرت الساعة!

وتجمع الرجال بكامل مهماتهم وعتادهم..

ودق قلبى ها هم يستعدون لإعلان السر.. للعبور إلى العدو! فى نقطة التمركز بدأ الرجال يختفون فى مجموعات فى جوف الظلام...

فوق وسائل العبور، الليل أضاءته دانات مدافعنا تدك مواقع العدو "لا بد أنها تغطى العملية، بعد لحظات توقف ضرب مدافعنا لا بد أن الرجال يندفعون الآن لأداء المهمة السر"..

الوقت يمر بطيئاً، أريد أن أعرف فى الضفة الأخرى؟ بعد نصف ساعة بالضبط دوت انفجارات وعرفنا فى موقع الانتظار أن المواجهة بدأت، ودعوت الله أن ينصرهم.

من جوف الفجر، رأينا رجالنا يعودون كانت الانفجارات والدانات تزف عودتهم المظفرة، هرولت إلى «القائد» الشاب انشغل عنى لحظة بأخذ التمام من رجاله..

قال لهم: عظیم كلنا تمام.

طارده سؤالی: وقال لى بمودة كمن لم يفعل منذ لحظات مهمة صعبة ودمر عربات ورجال للعدو!

قال: إليك السر؟

.. لقد كلفت مع مجموعتى من الرجال بتدمير (قول مدرع) للعدو، يتكون من 3 دبابات وعربتين نصف جنزير، وقد نفذنا المهمة بنجاح ورجعنا..

بعد لحظة ومع فنجان شای وسيجارة؛ أكمل لى الحكاية..

- عرفنا من المعلومات أن خط سير قول العدو يبدأ من القنطرة، إلى موقع "التينة"، وأن هذا القول يقوم بالتفتيش والاستطلاع لتأمين تحرك نشاط العدو من قولات إدارية وتموين وإخلاء خسائر وتعزيز مواقعه بالأسلحة والمهمات، وببساطة كانت مهمتنا خطيرة، لأنه يتوقف عليها ضرب تحركات العدو فى المنطقة..

لقد تم تخطيط العملية بعد استطلاع دقيق، تم بطرق شتى وبعد دراسة الأرض التى يوجد عليها العدو، وبيان بقواته المعاونة إلخ..

باشرنا التدريب الشاق وعرف كل منا دوره بدقة ثم عبرنا وقمنا بالمهمة، ها نحن نشرب الشاى معا على نغم نحبه كلنا هو انفجارات الغامنا فى مدرعات العدو وعلى ضوء نارنا المشتعلة فى دباباته!

كانت أضواء الفجر تغزو ظلام الليل، وتعانق الرجال طويلا تبادلوا قبلات حارة، عاد الرجال يستعدون لعملية أخرى على طريق القتال من أجل تحرير الأرض.

لقد زارت مجلة الإذاعة والتليفزيون جبهة المدفعية المصرية وفى هذا التحقيق سجل الزميل "شوقى السيد" المحرر العسكرى للمجلة والمصور حبشى محمود إجابة تشغل الأذهان..

بعد فترة هدوء نسبى استمرت نحو شهرین عاد هدير المدفعية إلى الجبهة مرة أخرى.. والحقيقة أن صوت المدفعية على اختلاف أنواعها لم يكن ينقطع فى يوم من الأيام.. ولكنه منذ ٢٤ فبراير 1970 هدأ بشكل ملحوظ، ثم عاد بعد نحو 8 أسابيع يهدر من جديد.. فلماذا هدأ صوت المدفعية؟!، ولماذا عاد هديرها مرة أخرى؟!

ليس جديداً نقول إن المدفعية المصرية تولت منذ أوائل العام الماضى بالتحديد ٨ مارس سنة ١٩٦٩، مهمة تحطيم خط بارليف الذى يمثل خط الدفاع الثابت الذى تصورت إسرائيل أنه السد المنيع أمام القوات المصرية..

ولم يقف دور المدفعية المصرية عند هذا الحد فقد وقفت أمام كل محاولات العدو التى كان يقوم بها لتعزيز خطوطه المحطمة أو إجراء أى تجهيزات هندسية بها، وكانت تضرب كل محاولة من هذا النوع فور وصولها أولاً بأول..

بل وفى أحيان كثيرة كانت تضرب محاولات للتحرك من جانب العدو فى مهدها.

ولكن هذا لم يكن يمنع القوات الإسرائيلية من دفع بعض الأسلحة المحمولة من وقت لآخر إلى الخطوط الأمامية.. وفى الواقع فإن إسرائيل كانت تستميت فى هذه المحاولات وكانت تقوم بها بشتى الطرق وكان لهذا عدة أسباب، منها رفع الروح المعنوية فى قواتها المسلحة بعد أن انخفضت فى الفترة الأخيرة انخفاضاً ملموساً، وعدم حدوث العكس بالنسبة للمصريين..

ومنها إيهام القوات المسلحة المصرية أن نيرانها لا تحدث الأثر المطلوب أو الذى تذيع عنه القيادة المصرية، والدليل هو إصرار العدو على تبادل النيران فى اليوم التالى مباشرة لأى ضربة مدفعية، أما السبب الأخير فهو يكمن فى عدم تمكين المصريين من "تنظيف" المواقع الأمامية للقوات الإسرائيلية على الضفة الغربية، وخصوصاً بعد استعادة الطيران المصرى قدرته على الدفاع وفعاليته فى الهجوم...

وكان نشاط المدفعية المصرية وتيقظها على هذه الصورة بالإضافة إلى الخسائر التى كانت تحدثها فى القوات الإسرائيلية سبباً فى أن العدو لجأ إلى اللعب بالورقة.. الرابحة فى يده وأعنى بها الطيران..

ونشاط طيران العدو كان واضحاً بأن نشاطه يعكس ما يجرى له على قناة السويس، فقد قام بعدة ضربات هستيرية فى العمق كان آخرها ما قام به مع أطفال مدرسة بحر البقر..

وقد حاول العدو استغلال فترة نشاط طيرانه فقام بتحركات وتعزيزات لبعض مواقعه على الجبهة، وقد كانت هذه التحركات كلها تحت سيطرة أجهزة الرصد المصرية، وفى يوم الثلاثاء ٢١ أبريل بداية تصاعد عمليات المدفعية سجلت هذه الأجهزة تحرك عدد من الدبابات الإسرائيلية والسيارات المحملة بالذخيرة وقاعدتين محملتين بالصواريخ أرض أرض فى القطاع الجنوبى لقناة السويس فقامت مدفعيتنا بفتح نيران كثيفة ومركزة عليها، وقامت بتدميرها قبل أن تتمكن من استعمالها...

وقد التقيت برجال المدفعية الذين تعاملوا مع قوات العدو فى نفس اليوم الذى جرى فيه الاشتباك لمدة ساعتين على طول ۳۰ کیلو متراً من بورتوفيق إلى الشط فى القطاع الجنوبى كانت بداية الحديث والراديو إلى جوارنا هو الفرق بين البيانات التى تذيعها والبيانات التى يذيعها العدو، كان العدو قد أذاع بياناً قال فيه: "إن المدفعية المصرية فتحت نیرانها على بعض مواقعنا فى الجباسات، وأصيب ثلاثة أفراد"، أما بيان القيادة المصرية (إن المدفعية المصرية فتحت نيرانها على امتداد ۳۰ کیلو متراً من بورتوفيق إلى الشط فى القطاع الجنوبى لقناة السويس على مواقع العدو فأسكتت مصادر نيرانه)...

وكان البيان المصرى كعادة البيانات التى تصدر مؤخراً متحفظاً فى ذكر خسائر العدو، وقد علق أحد المقاتلين على هذا قائلاً: "إن ضرب يوم الثلاثاء هو أعنف ضرب منذ يوم ٢٤ فبراير الماضى.. وقد استطعنا تدمير دبابتين كان العدو قد نصبهما من ست دبابات تتمركز فى عيون موسى، كذلك دمرنا منطقة شئون إدارية وقاعدتين للصواريخ أرض أرض، ودمرنا مخزن ذخيرة ظلت النيران مشتعلة به طوال الليل، وموقعين لمدفع ماكينة"...

وكانت الساعات التى قضيتها مع رجال المدفعية من أكثر الساعات إثارة للفخر والاطمئنان، فقد رأيت نموذجاً جديداً للجندى المصرى الذى يتعامل مع سلاحه وسلاح العدو بكفاءة منقطعة النظير..

قدم لى النقيب المقاتل واحداً منهم قدم لى هذه القصة الرائعة بتواضع أكثر من روعة.. قال المقاتل "س": كنا نعرف فى يوم من الأيام أن العدو سيدفع بتعزيز لأحد مواقع الدبابات المتقدمة، ورصدنا الطرق المحتملة أن يسلكها العدو إلى هذا الموقع وكانت ثلاثة "مدقات"..

ولكن العدو بخبث وذكاء لم يستعمل أياً من هذه الطرق، وكان الموقع الذى يقصده العدو محاطا بساتر ترابی، وفوجئنا بأن دبابة للعدو تعتلى هذا الساتر من مكان بعيد تماما من الطرق العادية وبسرعة تمكنت الدبابة من القفر فوق الساتر والنزول إلى موقعها..

ولكن ما كادت الدبابة الثانية تحاول اللحاق بزميلتها حتى عاجلتها بطلقة مدفع فى بطنها قلبتها على الفور إلى الخلف فوق الدبابة التى كانت تنتظر دورها للهرب من نيران مدفعيتنا.

إن هؤلاء الرجال يتعاملون مع العدو بكفاءة ودقة فائقة، ويلخص هذه الصورة للمدفعية المصرية أحد القادة فيقول: "إن مدفعيتنا أصبحت قادرة الآن على أن تمنع أى تقدم وتحسين لمواقع العدو ومدفعيته، وهذا حقيقى فعلا فهدير المدفعية الآن يزأر فى الجبهة يدمر كل محاولات للعدو هناك، ولذلك يضطر إلى دفع الطيران، ولكن هذا أيضاً لا يمنع مدفعيتنا من التعامل مع العدو تحت كل الظروف لتكبده خسائر جسيمة فى المعدات والأفراد...

وفى عدد المجلة رقم 1835 الصادر بتاريخ 16 مايو 1970 جاءت صورة للزعيم جمال عبدالناصر وهو فى الجبهة بعنوان: "وعلى مرمى البصر.. تباشير النصر تلوح.. ".

على مدى البصر.. تبحث عيون القائد عن مواقع الخطى للنصر القريب، يرقب هو ووزير الحربية أخطر مناورة جرت للقوات المسلحة منذ حرب يونيو ١٩٦٧، ويشهد فيها قوات المشاة الميكانيكية، والمدرعات البرمائية تعد نفسها لحرب التحرير، وتعد نفسها لليوم الذى تأتى فيه بالنصر لشعبها.. ولأمتها العربية...

ففى عام 1970 وتحديداً يوم السبت 30 مايو بعدد المجلة رقم (1837) جاء مقال بعنوان (الأمانة.. فى صدر المواجهة) ونُشر المقال مصحوباً بصورة للزعيم جمال عبدالناصر وهو يشد على كتف أحد الجنود بالجبهة.

وجاء بمحتواه الآتى: وتحت الشمس العارية وعلى مرمى البصر من الأعداء عبر القناة.. التقى القائد بجنوده.. وأحس المقاتلون أن الشعب كله معهم على أرض المعركة ما دام "جمال عبدالناصر" بينهم، واستشعر كل ضابط، وكل جندى أنه فى أمان.. ما دام قائدة يقف معه على خط النار.. واستشعر كل ضابط وكل جندى أن النصر قريب.. ما دامت خطانا قد اجتازت المراحل الصعبة.. وعبر هذه المياه الزرقاء.. مياه القناة.. كان أعداؤنا بالأمس يسبحون ويلهون.. أما اليوم فلم يعد يرتفع لهم رأس إلا وأطارته الرصاصات المصرية، وغداً يأتى مسرعاً وقريباً.. يوم لا يبقى فيه للأعداء فوق الثرى المصرى أثر.. لتعود الأرض أروع مما كانت.. تنبت الخير والحب والسلام...

وجاء بالعدد المجلة رقم (1838) الصادر بتاريخ 6 يونيو 1970 سراً يُذاع لأول مرة وهو أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967، وجاء للكاتب "شوقى السيد" والتصوير بعدسة حبشى محمود بعنوان: (سر يُذاع لأول مرة.. أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967) وفى متنه:

فى الوقت الذى يتركز فيه اهتمام العالم كله على الموقف الملتهب فى الشرق الأوسط...لا يشغل بال إسرائيل غير عمليات العبور الجريئة التى تتوالى الآن من جانب القوات المصرية..

وإسرائيل حينما ترقب عمليات العبور المصرية بقلق لا ترقبها من جانب تأثيرها البالغ مادياً ومعنوياً على قواتها، ولكن من جانب التطور الكبير فيها.

إن عمليات العبور المصرية بدأت فى يوليو سنة ١٩٦٧، وهذا سر تقدمه مجلة الإذاعة لأول مرة، وبعد أقل من ثلاث سنوات تطورت من أفراد قلائل كان يعبرون فى تلك الفترة إلى عبور كتيبة كاملة..

فكيف تطورت عمليات العبور المصرية؟ وما نتائجها؟

فى أحد المواقع التى يتم فيها التدريب لعمليات العبور فى أرض وظروف مشابهة تماماً لمناطق العبور، والأرض التى يحتلها العدو فى سيناء تم لقاء بينى وبين إحدى الدوريات الصغيرة التى تقوم بعمليات عبور تكاد تكون يومية، وفى هذا الموقع قدم لى قائد الدورية الشاب الأسمر مقاتلاً نحيلاً، ولكنه صلب العود حاد التقاطيع ينطق وجهه بالأمل والإصرار والشجاعة، وقال لى القائد: "مصطفى" عبر ثمان مرات شجاع ولكنه كثير المشاكل ومشكلته أنه يريد أن يعبر مع كل دورية تذهب هناك إلى الشاطئ الآخر)، ويخجل المقاتل مصطفى ويدس نظراته فى الرمال، ويضغط بشدة على المدفع الرشاش الذى يمسك به حتى يكاد ينفرك بين أصابعه ويقول (وماله يا فندم وهل أنا الوحيد الذى يتمنى ويناضل من أجل هذا الشرف!!) وينشغل القائد بمحادثة تليفونية مع القيادة ويكمل مصطفى: أنا عبرت فى أحلك الظروف لقد عبرت القناة فى يوليو ٦٧، واختطفت مدفعاً من جندى حراسة إسرائيلى كان يتمشى فى سيناء وكانه يتنزه، وكان ذلك طبعاً بعد أن قتلته، ولم يكن مصطفى يكشف سراً جديداً بالنسبة لى فأنا وغيرى عشرات يعرفون هذا والتاريخ نفسه...

سيسجل للقوات المصرية فى وقت من الأوقات عشرات ومئات من قصص البطولة سجلها رجالنا فى أحلك الظروف، وأكثر اللحظات مرارة وشعور بالهزيمة.. من هذه القصص قصة الرجال الذين عبروا القناة بعد انسحابهم إلى الضفة الغربية، وتلاحموا مع قوات للعدو واستطاعوا تعطيلها عن التقدم إلى القناة، وكبدوها وهم فى حالة غير ملائمة خسائر فادحة فى الأرواح والمعدات..

وكذلك سجل التاريخ عشرات القصص لرجال انسحبوا إلى الضفة الغربية وتمركزوا على شاطئ القناة، وكانوا يقومون بعمليات عبور فردية جريئة ضد أفراد العدو.. هذا كله ليس جديداً تماماً ولكن الجديد إن القيادة المصرية كانت تقف أمام هذه المحاولات التى كانت تحركها مشاعر الرجال ووطنيتهم فى نفس الوقت على عدم إتاحة الفرصة لهم لمواجهة العدو بعد ضربة الطيران، والأمر بالانسحاب، وكانت القيادة المصرية تعارض هذا، وكانت فى هذا حكمة، وعلى حق فى ذلك إذ لم تكن قد استكملنا قدراتنا القتالية بعد، وعلى هذا فقد كانت نتائج هذه العمليات غير محتملة فى ذلك الوقت..

وتوقفت عمليات العبور من هذا النوع وربما صرف الرجال أنظارهم عنها؛ لأن القيادة كانت تعدهم لما هو أهم وتتجه بهم إلى جهة أخرى كانت عمليات التدريب على العبور بهؤلاء الرجال وغيرهم، فى أماكن متفرقة على الضفة الغربية أو فى أماكن من الصحراء وفى ظروف تشابه تماما أماكن العبور التى يعدون تنفيذ عملياتهم خلالها تتم ليلاً ونهاراً.. وكان التدريب الفنى والجهد الشاق الذى كانوا يقومون به قد ملأ حياتهم جميعاً، ولكنه كان يوماً بعد يوم يقربهم من آمالهم جميعا..

وكان الرجال على حد تعبير أحدهم يستعجلون اللحظة التى سيكلفون فيها بأول عملية عبور بل كانوا فى "أمسياتهم" الودية مع قادتهم، وقد كان يزورهم أثناء التدريب أعلى مستوى من القيادات يطلبون من هؤلاء القادة الأمر بالتحريك.

وقد قال لى أحد الرجال: "لقد كنا نستوعب برنامج شهر من التدريب فى أسبوع، وذلك لشدة تلهفنا إلى العبور، ولكن القيادة لم تكن لترضى بأن تكون عمليات العبور ناجحة بنسبة لا تقل عن ١٠٠ ٪ وبالفعل عندما استيقظ العالم صباح يوم ١٩ أبريل من العام الماضى على أنباء عبور أول دورية مصرية إلى شاطئ القناة الشرقى كانت العملية ناجحة بنسبة ١٠٠ ٪..

وقد توالت بعد ذلك عمليات العبور المصرية وإذا قلنا إن عمرها الرسمى عام فإن قواتنا فى هذا العام كانت تقوم بعمليات عبور تكاد تكون يومية، وكانت هذه العمليات كلها ناجحة تماما بفضل التدريب الشاق الذى كان يبذله الرجال وبفضل الظروف المشابهة لنفس عمليات العبور التى كانوا يواجهونها أثناء التدريب، وكان هذا النجاح سبباً فى التركيز على عمليات العبور من جانب القيادة المصرية وذلك لسببين: أولهما أنه لا يخفى على أحد أننا سنستعيد أرضنا المحتلة فى يوم من الأيام بعد هذا اليوم أم قرب، وأن الوسيلة إلى ذلك هى عبور قواتنا المسلحة إلى سيناء..

ثانيهما: أن عمليات العبور أحدثت من الخسائر والذعر بين صفوف العدو أضعاف ما يمكن أن تحدثه أى أعمال أخرى..

وجاء أيضاً فى نفس العدد: بعنوان شرارة النصر على خطوط النار والتصوير: لرجب عبدالله..

على الخطوط الأمامية.. يقف الجندى المصرى أملا ملتهما أنه خلاصة أحلام الملايين فى انتزاع النصر، يستوعب هذه الأحلام، يجيش بها تتمطى داخل قامته الممشوقة السمراء، وهى التى تضىء طريق أصابعه إلى الزناد، دائما.. وفى كل وقت.. هذا هو الجندى المصرى: شرارة النصر على خطوط اللهب..

وجاء أيضاً مقال بعنوان: (كل ما يحرص عليه القائد)!!

وعلى مدى الأعوام الثلاثة.. وبين الحين والآخر.. يراود الحنين قائد هذه الأمة فيترك عبدالناصر مكتبه، ولقاءاته وأوراقه، ويسرح إلى متعته الوحيدة: لقاء الأبطال على أرض المعركة.. يعيش معهم لحظات الأمل، ويبنى معهم صورة المستقبل، ويمتزج حنين القائد بحنين جنوده، ويستمع إليهم ويسمعونه، ثم يعود وقد أعطاهم من نفسه شحنات تدفعهم إلى الأمام، وتلقى منهم شحنات تضاعف ثقته فى هذا الشعب وفى أبنائه الرابطين على أرض النار.. والفداء.

كما جاء فى عدد المجلة رقم 1840 بتاريخ 20 يونيو 1970 بعنوان: (وإن غداً لناظره قريب)..

وإن غداً مع كل مناورة جديدة لقواتنا المسلحة، كما فى كل عملية ناجحة ضد العدو، يتصاعد الأمل فى النصر، ومع كل قطرة عرق على أرض التدريب، ومع كل قطرة دم على أرض المعركة، تشق طلائعنا المقاتلة الطريق نحو النصر..

ومع كل لقاء للقائد جمال عبدالناصر بقواتنا المسلحة فى مواقعها على خط النار، أو على ساحة التدريب والإعداد للقتال، تتطلع جماهير أمتنا العربية بأجمعها نحو الغد الذى يقودنا عبدالناصر إليه..

وفى يوم 13 يونيو التقى الرئيس جمال عبدالناصر وضيفه العقيد معمر القذافى قائد ثورة الشعب الليبى الشقيق التقيا على مدى اثنتى عشرة ساعة متواصلة، بإحدى فرق قواتنا البرية الميكانيكية، فى إحدى مراحل مناورتها التى استغرقت سبعة أيام..

شهد الرئيسان ومرافقوهما خطوة جديدة من خطى التصاعد بالكفاءة القتالية لقواتنا المسلحة، واستعداداً لمرحلة التحرير..

وعندما عاد الرئيس معمر القذافى والتقى بالشعب الليبى قال فى كلمة قصيرة لشعبه: (لقد اطمأننت على أن النصر سيكون حليفاً للأمة العربية فى معركتها المقبلة..).

ونترك هذه الزيارة العظيمة للجبهة ونذهب إلى يوم آخر وزيارة أخرى.. ففى عدد المجلة رقم 1854 بتاريخ 26 سبتمبر 1970 بعدسة "عبدالمنعم طاهر" وبعنوان "الفنان والمقاتل معاً على خط النار" وشرح لأجواء هذا اليوم من أيام الجبهة التى كانت أجواؤه ترفيهية..

إلى خطوط النار انتقل ميكروفون أضواء المدينة، ومعه حشد من نجوم الغناء والمونولوج، التقى الفنانون بالمقاتلين، وعاشت الجبهة أمسية موسيقية غنائية، ترفع عادة من روح المقاتل، وتتيح للفنان فرصة المعايشة للجنود الرابضين على خطوط النار، إن جنودنا الذين يغنون بحناجر السلاح منذ اعتدت إسرائيل على جزء من وطننا، استمعوا إلى أغنيات المعركة بأصوات فنانينا وفناناتنا: عبدالحليم حافظ ومحمد رشدى وشكوك وفايدة كامل وفايزة أحمد وعايدة الشاعر وليلى نظمى، لبلبة وصفاء أبوالسعود وكورال الإذاعة، وهكذا يلعب الفن والفنانون دورهم فى فترة النضال، وهكذا يلتقى صوت المدفع، وصوت المغنى على صعيد واحد.. صعيد الجبهة.

وفى اليوم التالى كانت الليلة الدينية أيضاً فكان فيها ندوة دينية، جاءت بعنوان: (ندوة دينية على خط النار).

توقفت قافلة السيارات الثلاث عند بداية الطريق لتتلقى تحية قائده، وليبلغها أن القيادة فى الجبهة كانت تطلب منذ قليل أن تعرف لحظة مرور القافلة بنقطة البداية، ثم انطلقت السيارة الأولى التى تقل "حافظ بدوى" وزير الشئون الاجتماعية ورئيس لجنة المواطنين من أجل المعركة والأستاذ الدكتور "عبدالحليم محمود" وكيل الأزهر الشريف والشيخ "عبدالرحمن النجار" مدير المساجد بوزارة الأوقاف وخلفها سيارة تقل الشيخ "مصطفی إسماعيل والشيخ "إبراهيم الشعشاعي"، وفى الأخيرة كان فريق التليفزيون العربى بكاميراته والجميع يتجه ومعداته إلى الجبهة حيث يسجلون فى لقاء برنامج (فى رحاب الإيمان) مع بعض أبطال القوات المسلحة فى الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج، وكانت قد سبقت ذلك اتصالات متعددة على مدى أيام مهدت للقاء الكبير الذى يعتبر عملاً إعلامياً فريداً استجابت للمشاركة مع التليفزيون العربى جهود أكثر من جهة القوات المسلحة، لجنة المواطنين من أجل المعركة، الأزهر الشريف، وزارة الأوقاف، محافظة السويس...

وقرب نهاية الرحلة كانت هناك سيارة نجدة تستوقف الركب حتى يتجمع بعد أن باعد بينه طوال الطريق، ثم خرجت به إلى طرق جانبية تتشعب بدورها، إلى أن وصلنا إلى مكان اللقاء، وكان محمد البلتاجى محافظ السويس فى الانتظار ومعه بعض كبار القادة والضباط فى منطقة ما من جبهة القتال بالسويس...

ولم أستطع أن أتبين أى الفرحتين كانت أشد، فرحة المقبلين بلقاء إخوانهم من أبناء القوات المسلحة أم فرحة الأبطال بإخوانهم المقبلين إليهم من القاهرة ليشاركوهم احتفالهم بذكرى الإسراء والمعراج.. وهناك كانت الوجوه السمراء التى لوحتها شمس الصحراء.. والسواعد القوية تحتضن السلاح فى ثقة وألفة، البسمات المشرقة على الوجوه والفرحة تطل من العيون الحادة التى تسهر أبدا على حماية الأرض والعرض والشرف.. وراء كل بطل منهم قصة بطولة وشجاعة، بينهم الذى أسقط الفانتوم والذى أسقط السكاى هوك، والذى عبر إلى سيناء مرة.. والذى أسعده الحظ فعبر مرات، والذى كان يبكى حين يفوته دور العبور لسوء حظه.. كان فى إجازة سريعة.. وقصص هناك لا تنتهى.. بعضها يبدو لك وكأنه خيال، ولكنه يحيكها لك فى بساطة وصدق، وكأنه لم يفعل شيئاً، وأنت تهتز لسماعها نشوة واعتزازاً، وتشعر بشىء أكبر من السعادة تشعر بكرامتك..

وجلسنا على منضدة متواضعة صفت خلفها بعض المقاعد للمتحدثين والقراء وآخرين وانحنى وزير الشئون الاجتماعية ليقول فى أذنى، هل ترى ذلك الجندى الضخم المفتول العضلات الذى يجلس هناك، إنه قريبى ومن قريتى، إننى سعید به، وعندما التفت، كان الجندى قد فهم أن الحديث عنه فوجدت ابتسامة اعتزاز عريضة على شفتيه كان الجميع بلا رتب.. فقد نزعوا علامات الرتب قبل بدء التصوير.. وعلى مدى ساعات طويلة منذ الصباح وحتى وقت العصر يجلسون فى صبر تحت الشمس استحييت أن أعتذر للضباط والجنود عن إبقائهم ذلك الوقت الطويل فى الجو الشديد الحرارة، فقد عاشوا الشهور تلو الشهور فى ظل جميع الظروف والأجواء تتقلب عليهم الحرارة والبرودة وهم فى صمود الأبطال لا يشكون ولا يملون، فأردت أن أعتذر للوزير وللمتحدثين... وللشيخ مصطفى إسماعيل بالذات الذى حرص على الاستجابة رغم تعبه، وإذا بالجميع يعبرون عن سعادة غريبة يشعرون بها، "حافظ بدوى" يقول أقسم بأننى أشعر بنسمة رائعة، والدكتور عبدالحليم لا يجيب لأن شفتيه تتحركان دائما بالذكر والدعاء، والشيخ مصطفى إسماعيل يقول وددت لو بقيت مع هؤلاء الأبطال أياماً وليالى الحراننى سعيد، ومحمد عويس المخرج وأحمد فراج وقدرى والمساعدون فى حركة مستمرة.. لم تكن هناك طبعا ما مشكلة إضاءة بل كانت المشكلة هى حدة الإضاءة، وشاءت الظروف أن يتم التسجيل فى أشد الأوقات حرارة بين الثانية عشرة ظهراً إلى ما بعد الثالثة والنصف كان التسجيل الذى سيُذاع فى سهرة الأحد الموافق ۲۷ سبتمبر فى ليلة الإسراء؛ بدأ بتلاوة من الشيخ مصطفى إسماعيل ثم كلمة من الشيخ عبدالرحمن النجار مدير المساجد الذى تحدث عن الدعوة الإسلامية فى مكة..

حتى كان الاسراء والمعراج وقيمة المسجد الأقصى فى قلوب المسلمين منذ ذلك الحدث.. ثم تكلم الدكتور عبدالحليم محمود وكيل الأزهر عن العبرة من المعراج، وتحدث السيد حافظ بدوى عن جهاد الرسول بعد الإسراء والمعراج وبعد هجرته إلى المدينة، واختتم الحفل بتلاوة من الشيخ مصطفى إسماعيل، وتقدم الجنود بعد التسجيل بمئات الأسئلة المكتوبة، لم يكن الوقت ودواعى الظروف تسمح بالاستمرار أكثر من ذلك فتلقوا وعداً بأن يخصص نور علی نور بعض حلقاته للإجابة عن أسئلتهم.

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

عندما نجحت كتيبتى فى تدمير 37 طائرة إسرائيلية «770»
خطاب عمره 52 عامًا يحدد آليات التعامل مـع الغطرسة الإسرائيلية فى المنط
أهم منتجات النصر.. بكل فخر صنع فى مصر

المزيد من سياسة

زكريا حمزة: «البورصة السلعية» حائط الصد الأول ضد «مافيا السوق»

نظام المزايدة الإلكترونية يكسر حلقات الاحتكار ويوفر أسعارًا عادلة لجميع السلع

السيسي: جيشنا على قدر المسئولية.. ويُساند فى توفير الحياة الكريمة للمواطنين

متابعة على مدار الساعة لمنافذ بيع السلع.. ومحاسبة المتلاعبين بالأسعار «حوكمة» المنظومة التعليمية .. وعقوبات رادعة ضد المتلاعبين بالامتحانات

محاضر اجتماعات كيسنجر السريَّة فى حرب العاشر من رمضان

كشفت أكاذيب العدو عن قدرات المصريين ..

حرب العاشر من رمضان فى ميزان التحليل الاستراتيجى

عبقرية التخطيط وروعة التنفيذ.. وثيقة خاصة بتوقيع 3 من أبطال نصر أكتوبر عن أهم جولات الصراع العربى الإسرائيلى نتائج الدراسات...


مقالات

كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م
مقياس النيل
  • الجمعة، 06 مارس 2026 09:00 ص