يوم الأربعاء الموافق 23 يوليو 1952، هو اليوم الذى وصفه نجيب محفوظ فى مذكراته التى حررها رجاء النقاش بأنه يوم هادئ، رأى فيه شارع شريف الذى تقع فيه وزارة الأوقاف الموظف فيها،
غارقاً فى هدوء وسكون، رغم وجود الدبابات، ولم يكن يعلم أن "الضباط الأحرار" استولوا على دار الإذاعة الواقعة فى شارع الشريفين المتفرع من شارع شريف، ولم يكن يعلم أن مسار التاريخ المصرى تحوّل من زمن المفاوضات إلى زمن المعارك ضد الاستعمار، وأن الوفد احترق ضمن ما احترق فى القاهرة يوم السبت 26 يناير 1952 وأن الشعب انتدب الجيش ليقوم بالمهمة الكبرى، مهمة طرد الاحتلال وتحقيق حلم الاستقلال والعدل الاجتماعى والنهضة الوطنية بعد فشل جيل ثورة 1919 فى تحقيق هذا الحلم الكبير الذى دفع الشعب ثمنه من دمه وقوت يومه..
فى مذكراته التى حررها ـ رجاء النقاش ـ تكلم نجيب محفوظ عن يوم 23 يوليو 1952 وهو الوفدى الهوى والهوية، وهو من صوّر ثورة 1919 بكافة حلقاتها وهو من رصد انحراف الوفد وفساد قيادته فى السنوات الأخيرة التى سبقت ثورة الجيش فى يوم الأربعاء 23 يوليو 1952، وذلك فى روايته الكبرى الثلاثية التى ضمت: بين القصرين وقصر الشوق والسكرية، وروايته الفارقة ـ السمّان والخريف ـ التى تناولت التحوّل الذى جعل حزب الوفد حزباً لكبار الإقطاعيين بعد أن بنى مجده على الانحياز للطبقة المتوسطة فى المدن وصغار ملاّك الأراضى فى القرى، ولا تخطئ عين القارئ الحصيف وجود شخصية ـ فؤاد سراج الدين ـ فى رواية السمان والخريف باعتباره المسئول عن التحوّل إلى سياسة مغايرة للسياسة التى أرسى دعائمها سعد زغلول وآمن بها النحاس حتى ظهر سراج الدين وزينب الوكيل فى حياته، سيطر سراج الدين على الحزب، وسيطرت زينب الوكيل على عقل النحاس زوجها، وفقد الشعب القيادة التى كان يراهن على وطنيتها وظهرت فى الساحة طاقة ثورية جديدة قوامها العمال والطلبة، وهذه الطاقة استطاعت أن تلقى بظلالها على الوفد نفسه.. وتخلق فيه الجناح الأكثر ثورية من الجناح الذى يعبر عنه فؤاد سراج الدين والذين معه من الباشوات والبكوات أصحاب الأطيان.
ورغم أن حديثى محوره ـ الأربعاء 23 يوليو1952 ـ لكن افتتحته بالحديث عن أدب نجيب محفوظ، لأنه الأديب الذى عبّر عن الطبقة التى كانت تراهن على الوفد وفقدت الأمل فى إصلاحه، وهى نفسها التى راهنت يوماً على مصطفى كامل والحزب الوطنى، وكان مصطفى النحاس قبل لحاقه بالوفد المصرى تحت قيادة سعد زغلول عضواً مهماً فى الحزب الوطنى، ولكن تحوّل الوفد إلى لاعب سيرك، يقدم المطلوب منه لإسعاد الجمهور أو إسعاد من يدفع، وجاء مع حادث 4 فبراير 1942 الذى سقطت فيه معاهدة الصداقة بين مصر وبريطانيا ـ معاهدة 1936 ـ وظهرت فيه أنياب ومخالب بريطانيا الاستعمارية، وكان اقتحام قوات الجيش البريطانى قصر عابدين والاشتباك مع قوات الحرس الملكى وإهانة الملك فاروق وتخييره بين النزول عن العرش وتكليف مصطفى النحاس بتشكيل حكومة وفدية وقبول النحاس التكليف البريطانى، بداية لدخول "الجيش المصرى " ميدان السياسة والانشغال بها، ذلك لأن "الملك فاروق " هو القائد الأعلى للجيش، وإهانة القائد هى إهانة للجنود والضباط، وكان أثر ذلك اليوم مكتوباً فى مذكرات ـ خالد محيى الدين ـ عضو الضباط الأحرار عن سلاح الفرسان ومنه نقتطع هذه السطور:
ـ ..ثم كان 4 فبراير 1942، وابتداءً أقررأننى لم أكن أحب الملك، لكننى كذلك لا أدّعى أننى كنت فى ذلك الوقت أكرهه، كنتُ أعتبره رمزالوطن وقائد الجيش، لكن لم أكن مثل عديد من الضباط الذين كانوا يتعلقون بجلالة الملك المُفدّى، وكان حادث ـ 4 فبراير 1942ـ إهانة مريرة لمصر وللملك وللجيش، فاختلطت هذه المسئل معاً ولم يكن من السهل الفصل بينها.. محمد نجيب أكد أكثر من مرة أن "4 فبراير" كان نقطة تحوُّل فى حياته.. عبدالناصر أكدها كثيراً، وقبل الثورة تحدث طويلاً فى رسائله من السودان إلى أحد أصدقائه عن حادث "4 فبراير" وتأثيره المباشر على تفكيره وتكوينه، وقد نُشِرت هذه الرسائل فى مجلة "المصوّر" بعد الثورة بعدة سنوات.
والتحليل الذى توصل إليه ـ محمد حسنين هيكل ـ فى كتابه: سقوط نظام، الذى شرح فيه كل الأسباب التى جعلت 23 يوليو1952 ضرورة سياسية وإجتماعية، هو أن 4 فبراير 1942 كان الانقلاب العسكرى البريطانى الذى مهد لحركة الجيش المصرى فى يوم الأربعاء 23 يوليو 1952 لأن اعتماد "الدبابة" أداة للتغيير السياسى، فى ظل وجود غطاء دبلوماسى وصيغة تعاون تحكمها معاهدة تسمى فى قاموس الوفد معاهدة الشرف والاستقلال، أدى إلى هزيمة الملكية الدستورية، وهزيمة فاروق الأول واستدعائه ما حدث للخديو عباس حلمى الثانى فى الحرب العالمية الأولى 1914 فقد تم عزله لأنه كان يميل إلى تركيا التى كانت تعادى بريطانيا، وتحوّل المشهد، لتصبح مصر تحت الحماية البريطانية، ويصبح عباس حلمى الثانى آخر خديو يحكم مصر تحت التاج العثمانى ـالتركى ـ وكانت هزيمة الملكية الدستورية، المبرر الذى جعل فاروق يتعامل مع الحكم والسياسة بطريقة المكسب والخسارة وتصفية الحسابات، وظل الوفد يدفع ثمن ما حدث فى 4 فبراير 1942 لمدة طويلة، فقد أُقيل مصطفى النحاس فى أكتوبر 1944 وصدر عن الملك خطاب إقالة يحمل إهانة بالغة للنحاس، وجاء فاروق بالدكتور أحمد ماهر زعيم السعديين المنشق عن الوفد وجعله يصوّر صورة ديممقراطية هزلية سميت انتخابات برلمانية نجح فيها السعديون والكتلة الوفدية والدستوريون وحُرِم الوفديون من الفوز بالصورة التى تتماشى مع قوتهم الحقيقية فى الشارع المصرى، وجاء العام 1948 ليكون العام الفاصل فى التاريخ السياسى للعائلة الحاكمة ولكل الذين يمارسون السياسة وفق اللعبة التى يتحكم فيها الملك فاروق والسفير البريطانى.
الصهيونية وفلسطين
كانت الظروف السياسية فى الداخل المصرى تجعل الجيش المصرى مجرد أداة تستخدمها بريطانيا فى معاركها ـ الحرب العالمية الثانية ـ بموجب نصوص معاهدة 1936 وكان الملك يعتمد الحرس الملكى وحده ويعتبره الجوهرة التى تزين التاج، ولم يكن لدى الجيش استعداد للقتال ولم يكن يتلقى تدريبات تسمح له بخوض الحرب بمعناها الحديث المعتمد على قوة النيران والتكتيك وغير ذلك من وسائل الحرب، وكانت المهمة الشعبية للجيش هى حماية كسوة الكعبة المشرفة التى تخرج من دار الكسوة بالقاهرة إلى مكة المكرمة فى مظاهرة شعبية تسمى خروج المحمل الشريف، وكانت رغبة فاروق الأول ملك مصر تتمثل فى البحث عن عدو خارجى يرفع عنه الضغط السياسى الداخلى منذ العام 1946 وهو العام الذى شهد مقتل رائده ورئيس ديوانه أحمد محمد حسنين باشا على كوبرى قصر النيل فى حادث تصادم سيارته مع سيارة تابعة للجيش البريطانى، وهو الأمر الذى جعل الملكة الأم ـ نازلى ـ تهرب من القاهرة بعد موت زوجها أحمد حسنين وكان زواجهما برغبة من الملك بعد أن أذاع سر العلاقة التى جمعت بين حسنين ونازلى فى القصر الملكى وفى دوائر العائلة المالكة، وبعد هذا الهروب الذى قامت به الملكة الأم تدهورت العلاقة بين الملك فاروق وزوجته الملكة فريدة، وانتهى الأمر بالطلاق، وكذلك طلَّق شاه إيران محمدرضا بهلوى الإمبراطورة فوزية فؤاد شقيقة الملك فاروق، فأصبح الملك يحتاج لمن يرفع عنه الحرب النفسية، وكانت عصابات الصهيونية التى تحارب الشعب الفلسطينى وتسعى للسيطرة على فلسطين بدعم مباشر من بريطانيا، هى الحل السحرى الذى جعل فاروق الأول ملك مصر يرسل الجيش مع مجموعة جيوش عربية أخرى تحت راية الجامعة العربية بهدف نُصرة الشعب الفلسطينى، وكان محمود فهمى النقراشى رئيس الحكومة المصرية يعرف أن الجيش المصرى غير جاهز لخوض حرب فى الوقت الراهن، وجرى ما جرى ووقع الحصار على قوات مصرية كانت تحارب فى ـ الفالوجا ـ وهناك سمع عبدالناصر جملة البطل الشهيد أحمد عبدالعزيز وهى جملة لخصت المشهد كله فقد طلب الشهيد من الضباط المصريين خوض معركة الجهاد الأكبر فى القاهرة، بعد أن أدرك أبطال الجيش أنهم كانوا ضحية ملك مستهتر لا يعرف قيمة أرواح البشر ولا يدرك قيمة السلاح والدم، ولكن كل ما شغله هو خلاصه الفردى وشغل الشعب بالحرب مع العصابات الصهيونية، وتصوير نفسه فى صورة المجاهد الكبير الذى يدافع عن شرف الأمة العربية.
وتوالت الأحداث، وهُزم الجيش المصرى فى فلسطين، وتشكل تنظيم الضباط الأحرار واستطاع الضباط السيطرة على الحكم وسط قبول شعبى جارف، وكتب ـ جمال عبد الناصر ـ كتابه الذى حمل عنوان "فلسفة الثورة"، وفيه قراءة للمشهد السياسى الذى شغل "الجيش" حتى تقرر دخوله على الخط السياسى للقيام بالعملية الجراحية التى فشل الوفد والقوى الوطنية الأخرى فى تنفيذها، وهنا نقرأ ما كتبه عبدالناصر:
ـ ..ولكن التجارب فيما بعد وتأمل هذه التجارب واستخلاص معانيها الحقيقية، خففت من وقع الأزمة فى نفسى، وجعلتنى ألتمس لهذا كله أعذاراً من الواقع، عثرت عليها حين اتضحت أمامى ـ إلى حد ما ـ الصورة الكاملة لحالة الوطن، وأكثر من هذا أعطتنى الجواب عن السؤال الذى طالما راودنى وهو:
ـ هل كان يجب أن نقوم، نحن الجيش ـ بالذى قمنا به فى 23 يوليو؟
والجواب:
ـ نعم.. ولم يكن هناك مهرب أو مفر..
وأنا الآن أستطيع أن أقول إننا نعيش فى ثورتين وليس فى ثورة واحدة، ولكل شعب من شعوب الأرض ثورتان:
ـ ثورة سياسية يسترد بها حقه فى حكم نفسه بنفسه من يد طاغية فرض عليه، أو من جيش معتدٍ أقام فى أرضه دون رضاه
ـ وثورة إجتماعية تتصارع فيها طبقاته، ثم يستقر الأمر فيها على ما يحقق العدالة لأبناء الوطن الواحد.
ويضيف ـ عبدالناصر ـ قوله:
ـ لقد سبقتنا على طريق التقدم البشرى شعوب مرت بالثورتين، ولكنها لم تعشهما معاً، وإنما فَصَل بين الواحدة والثانية مئات من السنين، أما نحن فإن التجربة الهائلة التى امتحن بها شعبنا هى أن نعيش الثورتين معاً فى وقت واحد.
الثورة الإجتماعية
وهنا نقترب من مفهوم "الثورة الإجتماعية" الذى قصده "عبدالناصر" ونفذته الثورة بالقوة على أرض الواقع، والذى حدث هو قيام "الضباط الأحرار" من خلال "مجلس قيادة الثورة" بمصادرة أملاك أسرة محمد على التى حكمت مصر منذ أن استولى مؤسس الأسرة على زمام الحكم فى 15 مايو 1805 وسرقة الثورة الشعبية التى كانت قيادتها تؤمن بأن "السلطة والحكم" ليست من عمل الفلاحين والحرفيين والتجار، وتقدم نقيب الأشراف "عمر مكرم" ومعه العلماء والتجار إلى السلطان العثمانى بطلب تولية "محمدعلى" بعد نجاح القيادة والشعب الغاضب فى خلع الوالى "خورشيد باشا" وكان محمد على جندياً فى الحامية العثمانية، استطاع أن يستولى على السلطة ويحكم منفرداً ويتخلص من القيادة الشعبية "نفى عمر مكرم إلى دمياط" وقمع الأصوات التى طالبت به حاكماً وتوسمت فيه العدل والرحمة، وفى العام 1811 تخلص محمد على من القوة المسلحة المنظمة الوحيدة فى مصر، قوة "المماليك" وكانت "مذبحة القلعة " هى النهاية التى انتهت إليها هذه القوة المسلحة التى حكمت البلاد منذ أن صعدت "شجرة الدر" إلى عرش مصر عقب وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب، واستطاعت ثورة يوليو القضاء على نفوذ أسرة "محمد على" بمصادرة الأراضى التى اغتصبتها بقوة السلطة وقوة الجالس على العرش، فى القلعة وفى قصر عابدين، وتم تخصيص عوائد هذه الأراضى المصَادرة لصالح تنمية الريف، فأقيمت فى كل قرية وحدة صحية ومدرسة ومحطة مياه نقية وخدمات أخرى كانت القرى محرومة منها، ولم تتوقف الثورة الإجتماعية عند حدود تقديم الخدمات، بل قضت على الصيغة القديمة التى حكمت المشهد السياسى لعدة قرون، وترسخت بصدور دستور1923 الذى صاغ شكل الحكم فى مصر وأطلق عليه "ملكية دستورية " وهو شكل لم يتحقق فى الواقع، وكان "الملك" يمارس الاستبداد ويحكم منفرداً، مستعيناً بحكومات "أقلية " أو "حكومات قصر" يمثل وجودها فى الحكم اعتداءً على إرادة الجماهير، وكان المتصارعون فى "لعبة الصندوق " هم كبار الإقطاعيين الذين يملكون آلاف الأرض ومن عليها من الفلاحين، ويتحكمون فى الانتخابات ولم تكن هناك فرصة لصعود شرائح أخرى من الطبقة المتوسطة أو صغار الملاك فى القرى، كل شىء كان فى قبضة الإقطاعيين والأحزاب التى تمثلهم ومنها: الأحرار الدستوريون، الهيئة السعدية، الكتلة الوفدية، وحدث أن حكم ـ الملك فؤادـ بدون دستور1923 لسنوات طويلة بدعم من إسماعيل صدقى ومحمد محمود باشا وهما من رموز الإقطاع المتصالح مع القصر والمتحالف مع الإحتلال البريطانى، وكان الوفد ـ الحزب الشعبى الذى استوعب وجود الطبقة المتوسطة وطبقة صغار الملاك ـ يعانى من الإقصاء والجلوس على مقاعد المعارضة، ولم تتجاوز مدة حكم الوفد منذ ثورة 1919 حتى 1952 سبع سنوات ونصف السنة!
فى ظل ثورة 23 يوليو 1952، ظهر مفهوم الحزب الشعبى الحاضن للجماهير، وألغيت الأحزاب القديمة، وانتهى نفوذ العائلات الإقطاعية مع تطبيق قوانين الإصلاح الزراعى، التى قضت على هذه الطبقة المتحكمة فى مصائر ملايين الفلاحين، وجاءت مجانية التعليم فى جميع المراحل لتخلق صيغة جديدة وطبقة جديدة من هؤلاء الذين كانوا أبناء فلاحين وعمال وتجار صغار، وهذه الطبقة هى التى أدارت الوزارات والهيئات والمرافق فى ظل مبدأ جديد هو "تكافؤ الفرص" وخصص ـ الميثاق الوطنى ـ الذى عرضه عبدالناصر على الشعب فى 1962 باعتباره "العقد الإجتماعى" بين الثورة والمجتمع نسبة خمسين بالمائة من مقاعد المجالس النيابية للعمال والفلاحين، وهذا لم يكن موجوداً قبل الثورة، فالصراع على مقاعد مجلس النواب ومجلس الشيوخ كان صراع أثرياء يملكون آلاف الأفدنة أو المئات فى حالات قليلة، والعمال لم يكن لهم تمثيل نيابى يعبر عنهم، والنقابات عرفوها لأول مرة فى أربعينيات القرن الماضى وقبلها كان نظام الطوائف هم السائد فى مصر، كل مهنة لها "شيخ طائفة" يرعى مصالح أبناء المهنة أو الطائفة، ويجيزالصنايعية أوالحرفيين الجدد أو العاملين فى المهنة ويمنحهم تراخيص ممارسة المهنة أوالحرفة ولم يكن هناك معاش أو تأمين صحى أو أى نوع من الرعاية يحمى هؤلاء العمال من عقوبة الفصل من المصنع أو الشركة، وكان الوفد قد قدم بعض الإصلاحات فى هذا المجال لكنها إصلاحات محدودة، أما الثورة فمنحت العمال حق الحصول على نسب من الأرباح وحق العلاج المجانى، والفلاحون جعلت لهم الثورة جمعيات زراعية تعاونية وأصبحت الحكومة تشترى المحصول من الفلاح بالسعر العادل الذى يتناسب مع ما أنفقه من عرق وجهد، ووضعت الثورة خطة للقضاء على الأمية الأبجدية، وخطة للقضاء على الأمية الثقافية.
نهضة ثقافية
كانت الحكومات قبل ـ الأربعاء 23 يوليو 1952 ـ تخلو من حقيبة الثقافة، وكانت وزارة المعارف "التربية والتعليم فى الوقت الحالى" تتولى نشر الثقافة العامة من خلال إدارة تابعة لها، وكانت تدعم فرق المسرح بمساعدات مالية محدودة، لكن فى العام 1957 ظهرت فى التشكيل الحكومى وزارة تسمى "وزارة الثقافة والإرشاد القومي" وهى وزارة تولّت القيام بمهام تثقيف الشعب المحروم من التعليم والمعرفة، وبعد فترة قصيرة فُصِلت الثقافة عن الإرشاد القومى وتولى وزارة الثقافة الضابط المثقف ثروت عكاشة واستطاع إنشاء أربعة عشر قصر ثقافة فى عواصم المحافظات إلى جانب الاهتمام بالفنانين والمثقفين والحفاظ على الآثار المصرية القديمة والقبطية والإسلامية، وكانت الثقافة خدمة مُستَحقة لكل مواطن مصرى وكانت الوزارة تطبع الكتب وتطرحها فى الأسواق بأسعار زهيدة، وأنشأت المكتبات العامة وابتكرت فكرة المعارض المتنقلة من خلال أسطول سيارات تابع للوزارة يحمل الكتب إلى المناطق المحرومة والنائية، وكانت القوافل الثقافية خدمة مهمة تقدمها الوزارة لأهالى المدن والقرى البعيدة عن العاصمة، واهتمت وزارة الثقافة بالإبداع الشعبى، فأنشأت مركز الفنون الشعبية وجمعت التراث الشعبى ودوّنته فى أرشيف قومى، ومن ناحيتها خصصت وزارة الإعلام مساحات من برامج الإذاعة لتقديم الفنون الغنائية الشعبية التى تعبرعن الفلاحين وكافة الطبقات فى المجتمع المصرى، وزاد عدد المسارح وشهدت مصر طفرة إبداعية ونهضة فى فنون المسرح والسينما والرقص والغناء والموسيقى.
حركات التحررالوطنى
من يقرأ كتاب "فلسفة الثورة " الذى أصدره الرئيس عبدالناصر، سوف يجد "ثورة يوليو" مهتمة بالتواجد فى المحيط العربى والأفريقى والإسلامى، وهذا التواجد ظهر بصورعديدة منها إرسال البعثات الطبية والتعليمية لدول عربية شقيقة وأفريقية، ودعم حركات التحر الوطنى فى هذه الدوائر، وعلى سبيل المثال قدمت مصر الدعم الكبير للثورة الجزائرية حتى تحقق استقلال الجزائر فى العام 1962، ودفعت مصر ضريبة التصدى للاستعمار البريطانى والفرنسى، فوقع العدوان الثلاثى على مصر فى العام 1956 بسبب قيام الرئيس عبدالناصر بتأميم قناة السويس، وبسبب دعم ثورة الجزائر، وأنشأت حكومات الثورة إذاعات موجهة لتخاطب شعوب الدائرة العربية والدائرة الأفريقية والدائرة الإسلامية، واستضافت الثوارالعرب والأفارقة، بل إن مصر حاربت فى اليمن ودعمت ثورة الشعب اليمنى، وتبنّى الرئيس عبد الناصر منهج القومية العربية لتكون الأمة العربية ـ بقيادة مصر ـ قادرة على التصدى للاستعمار الغربى وحليفته إسرائيل، وقام بتحديث الأزهر، وأنشئت كليات جديدة تابعة للجامعة الأزهرية، وأنشئت مدينة البعوث الإسلامية لاستقبال الطلبة المسلمين من آسيا وأفريقيا الدارسين فى الجامعة الأزهرية، وكانت مصر داعمة لإنشاء منظمة الوحدة الأفريقية التى جمعت الشعوب الأفريقية فى كتلة قوية بهدف التصدى للوجود الاستعمارى فى القارة الأفريقية، وكذلك دعمت مصر الجامعة العربية وجعلتها منظمة قوية لها حضورها فى المجتمع العربى والدولى.
وما زالت آثار ثورة 23 يوليو 1952 موجودة فى عواصم دول العالم الثالث، وما زال حضور تاريخ ومنجز هذه الثورة الوطنية المصرية حياً فى وجدان الشعوب.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...