ضربات فى العمق وخسائر خارج التوقعات
بعد أن هدأت حدة التصعيد بين إيران وإسرائيل بعد حرب استمرت لمدة 12 يومًا فى واحدة من أكثر المواجهات خطورة وتعقيدًا فى الشرق الأوسط منذ عقود، وسط انخراط معلن من قبل الولايات المتحدة، بعد قصفها للبرنامج النووى الإيراني، فى فوردو.
لكن، وسط زخم الأحداث وسيل المعلومات المتضاربة، من الثلاث دول، تبرز أسئلة مصيرية، مثل من خرج رابحًا من هذه الحرب الخاطفة؟ وهل فعلاً نجحت إسرائيل فى كسر إرادة إيران النووية؟ أم أن طهران أثبتت أنها لا تزال قادرة على الرد، بل وإيلام خصومها بشدة؟
فى البداية أكد عضو المجلس المصرى للشؤون الخارجية، أن الحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران كشفت عن معادلات جديدة فى ميزان القوى الإقليمية، مشيرًا إلى أن ما بدا فى بدايته كمفاجأة إسرائيلية مدعومة من الولايات المتحدة، تحوّل سريعًا إلى معركة كشفت هشاشة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وعززت من ثقة إيران بقدراتها الدفاعية والهجومية.
وقال السفير رخا أحمد حسن أن العملية بدأت بخدعة أمريكية واضحة، عندما تم الإيحاء بأن هناك جلسة مفاوضات مرتقبة يوم الأحد، بينما شنت إسرائيل هجومًا فجر الجمعة، وهذا عنصر مفاجأة تقليدى فى الحروب الحديثة، لكنه لم يكن وحده العامل الحاسم، موضحًا أن هناك اختراقًا استخباراتيًا مزدوجًا من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، بمساعدة بعض الأطراف الإقليمية، أدى إلى تنفيذ عمليات اغتيال داخل إيران باستخدام طائرات مسيّرة أُطلقت من الداخل الإيرانى نفسه، فى واحدة من أعقد العمليات الاستخباراتية الحديثة.
وأشار السفير رخا أحمد حسن إلى أن الرد الإيرانى لم يتأخر كثيرًا، فخلال أقل من 18 ساعة استعادت طهران توازنها، وبدأت هجومًا مضادًا استهدف عمق الداخل الإسرائيلي، فى سابقة هى الأولى من نوعها، حيث عجزت القبة الحديدية عن التصدى لصواريخ فرط صوتية دقيقة ضربت أهدافًا حيوية، إضافة إلى أنه ولأول مرة منذ عقود، يشعر المواطن الإسرائيلى بالخطر الحقيقي، فعدد كبير من الإسرائيليين لجأوا للملاجئ، بل إن المخابئ لم تعد تكفي. وتوقفت المطارات، والأعمال اليومية، ووفقًا للصحف الإسرائيلية، غادر نحو 45 ألف إسرائيلى البلاد فور فتح الموانئ الجوية، ما يعكس حجم الذعر الشعبي.
وأضاف: هذه ليست مجرد معركة صواريخ، بل ضربة نفسية وسياسية وأمنية للداخل الإسرائيلي. حتى واشنطن فوجئت برد الفعل الإيراني، وفشلت فى منع التصعيد رغم أنها كانت الداعم الرئيسى للهجوم الأول، والولايات المتحدة وجدت نفسها أمام اختبار صعب، فهى لا تستطيع دعم إسرائيل بلا حدود، خاصة مع بدء استهداف قواعدها فى المنطقة. الضربة التى طالت قاعدة العديد فى قطر، وإن كانت محسوبة، لكنها حملت رسالة واضحة من إيران.
وكشف السفير رخا أحمد حسن، عن وجود قاعدة أمريكية تم إنشاؤها فى صحراء النقب منذ 10 سنوات، والتى أُنشئت خصيصًا لاعتراض الصواريخ القادمة من الشرق، وأثبتت أنها غير كافية، وأمريكا نفسها أصبحت تدرك الآن أن أى تصعيد إضافى قد يُشعل المنطقة بأكملها، بما فى ذلك دول الخليج.
وحول ما إذا كانت إسرائيل نجحت فى تحقيق هدفها المعلن بتصفية البرنامج النووى الإيراني، قال السفير رخا أحمد حسن: "حتى داخل أمريكا هناك خلاف بين الاستخبارات والرئاسة، فالبعض يقول إن المفاعلات تعرضت لأضرار كبيرة، لكن لم يتم تدميرها بالكامل. أما إسقاط النظام، فهذه مغامرة أكبر بكثير، لافتًأ إلى أن إيران دولة عريقة، مساحتها تتجاوز 1.6 مليون كيلومتر مربع، مقابل 22 ألف كيلومتر لإسرائيل. وعدد سكانها 92 مليون نسمة، وهى قادرة على امتصاص الخسائر، عكس إسرائيل الصغيرة والمكشوفة.
وأضاف: "حتى مسألة اغتيال المرشد الأعلى لم تكن حاسمة، فالنظام الإيرانى لديه بنية مؤسسية قادرة على استيعاب مثل هذه الصدمات. هناك صفوف قيادية متعددة، والأجهزة الغربية تعرف ذلك جيدًا، مؤكدًا أن الخاسر الحقيقى هو من فشل فى تحقيق أهدافه، وإسرائيل لم تتمكن من إسقاط النظام الإيراني، ولا تدمير برنامجه النووي، ولا حتى حماية جبهتها الداخلية، فى المقابل، إيران أثبتت أنها قادرة على الرد، وعلى التألم ولكن دون السقوط، وأمريكا بدورها أدركت أن دعم إسرائيل له سقف، وأن إشعال حرب برية ضد إيران سيكلفها ما لا طاقة لها به.
فى سياق متصل أكد الدكتور عمرو حسين، الباحث فى العلاقات الدولية، أن هذه المواجهة لم تكن مجرد نزاع عسكري، بل لحظة فاصلة فى تاريخ الشرق الأوسط، كشفت عن تغيرات جوهرية فى موازين القوى، وعن واقع إقليمى قابل للانفجار فى أى لحظة، وأن هذه الحرب أظهرت أن الصدام المباشر بين تل أبيب وطهران لم يعد أمرًا مستبعدًا، بل بات مسألة وقت، نتيجة تراكم العوامل الاستراتيجية، وتعاظم المواجهات غير المباشرة التى خرجت أخيرًا عن حدودها.
أكد أن جميع الأطراف تكبدت خسائر كبيرة، مشددًا على أن إسرائيل كانت المتضرر الأكبر على مستوى الجبهة الداخلية، حيث تعرّض عمقها الاستراتيجى لهجمات لم تشهدها منذ تأسيس الدولة، وتوقفت الحركة الاقتصادية، ونزل ملايين المدنيين إلى الملاجئ، بينما اهتزت صورة "الجيش الذى لا يُقهر"، مضيفًا أن إيران، رغم الضربات التى طالت منشآتها النووية والعسكرية، خرجت وهى تمسك بأوراق قوة غير مسبوقة، بعدما فرضت معادلة "الرد المباشر" على إسرائيل، ونجحت فى إشراك حلفائها الإقليميين بشكل منسق، مما أظهر قدرتها على إدارة حرب إقليمية متعددة الجبهات.
وبحسب حسين، فإن الولايات المتحدة لعبت دور "الداعم الحذر"، حيث قدمت لإسرائيل دعمًا لوجيستيًا واستخباراتيًا، لكنها تجنّبت الانخراط المباشر، خشية انزلاق المنطقة إلى حرب كبرى. ومع ذلك، خسرت واشنطن بعضًا من مكانتها كضامن للاستقرار الإقليمي، وفتحت المجال أمام الصين وروسيا لتوسيع نفوذهما فى المنطقة، مشيرًا إلى أن كل طرف من أطراف النزاع قدّم سرديته الخاصة عن النصر، لكن الواقع يُظهر أن ما تحقق لم يكن نصرًا حاسمًا لأى طرف. وقال: "إيران تتحدث عن كسر هيبة إسرائيل، وتل أبيب تروج لنجاحها فى تحجيم المشروع النووي، وواشنطن تزعم أنها أنقذت العالم من حرب شاملة، لكن الحقيقة أن الجميع خسر – بدرجات متفاوتة – والشعوب هى من دفعت الثمن الأكبر".
ولفت إلى أن أطرافًا عديدة تغذت على لهيب هذا النزاع، فى مقدمتها شركات الأسلحة العالمية التى شهدت طفرة فى المبيعات، إلى جانب اللوبيات الأمنية فى الغرب التى عززت نفوذها. كما استفادت أسواق النفط والغاز من ارتفاع الأسعار، فى حين استغلت الصين وروسيا الفرصة لإظهار عجز الولايات المتحدة عن احتواء الأزمات، مشددًا على أن الحركات المتطرفة فى المنطقة قد استفادت أيضًا من مشهد الفوضى، حيث استخدمت الحرب لتعزيز خطابها الدعائى وزيادة التجنيد والتعبئة.
وأوضح أن البرنامج النووى الإيرانى خرج من الحرب بوضع غامض: فإيران لم تفقد قدراتها الأساسية، لكن بعض منشآتها الحيوية تعرضت لضربات دقيقة، وهو ما قد يدفع طهران إلى إعادة النظر فى استراتيجيتها النووية، إما بالتسريع نحو امتلاك "العتبة النووية" أو الدخول فى مفاوضات بشروط أكثر تشددًا، متوقعًا أن تكون المفاوضات المقبلة، إن عُقدت، أكثر تعقيدًا، نظرًا لرفض إيران التنازل دون ضمانات فعلية، فى وقت تحاول فيه إسرائيل الدفع نحو "خيار الصفر" أى إنهاء المشروع النووى بالكامل.
وأشار حسين إلى "إمكانية اندلاع حرب عالمية ثالثة كانت حقيقية"، مشيرًا إلى أن أى استهداف إيرانى مباشر للقواعد الأمريكية فى الخليج أو تدخل روسى أو صينى معلن، كان كفيلًا بإشعال صراع واسع. وأضاف: "نحن أمام نظام دولى فقد آليات ضبط التوتر، وتراجعت فيه مؤسسات الردع الجماعي، ما يجعل المنطقة على شفا انفجار دائم"، كاشفًا أن أحد السيناريوهات التى طرحتها إسرائيل خلال الحرب كان استهداف المرشد الأعلى الإيراني، غير أن العواقب كانت ستكون كارثية. وأوضح: "اغتيال المرشد كان سيُحدث فراغًا دستوريًا وأمنيًا خطيرًا، وربما يُدخل البلاد فى صراع أجنحة داخل الحرس الثوري، ويدفع القوى الدولية للتدخل بشكل مباشر لحماية مصالحها، وقد يُفضى إلى انهيار المنظومة السياسية القائمة بالكامل".
ورجح أن تشهد المرحلة المقبلة انتقال الصراع من الطابع العسكرى المباشر إلى صيغ أكثر مرونة وخطورة، مثل الحرب الاقتصادية والسيبرانية، والتجاذبات الدبلوماسية، وتحركات اللوبيات الدولية، موضحًا أن "اللوبى الصهيونى فى واشنطن سيبدأ حملة شرسة لمنع أى تخفيف للعقوبات على إيران، وشيطنة النظام الإيرانى فى الأوساط السياسية والإعلامية، بينما ستسعى طهران إلى ترسيخ مكتسباتها الميدانية عبر تحالفاتها فى العراق وسوريا واليمن ولبنان".
وأضاف إن الواقع الداخلى فى إسرائيل بات مقلقًا، حيث تعيش الدولة العبرية حالة من الانقسام السياسى والارتباك الأمني، وانهارت الثقة الشعبية فى الحكومة، بينما تواجه المؤسسة العسكرية موجة انتقادات غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن "المجتمع الإسرائيلى يمر بحالة صدمة استراتيجية، إذ لأول مرة يشعر الإسرائيلى العادى أن الحرب لم تعد تجرى بعيدًا عن المدن، وأن التفوق لم يعد مضمونًا، وأن الخطر بات فى قلب تل أبيب".
وتابع: "هذه الحرب لم تُنهِ الصراع، بل أعادت تعريفه، نحن أمام مرحلة جديدة من المواجهة الإقليمية، أكثر تعقيدًا، وأكثر خفاءً، وإذا لم تُعالج جذور هذا النزاع – السياسية والأمنية والاقتصادية – فإن المواجهة القادمة ستكون أوسع، وأشد، وربما لا يمكن احتواؤها".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج
3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...
خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى
لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...