مع اقتراب تسلّم الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب مهامه رسمياً فى 20 يناير الحالي، تتزايد التساؤلات حول أولويات إدارته الجديدة فى التعامل مع القضايا الدولية الشائكة، وعلى رأسها أزمات الشرق الأوسط، المنطقة التى تشهد تصعيداً مستمراً فى التوترات،
بما يشمل الأزمة السورية، الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، والملف النووى الإيراني، بالإضافة إلى تعقيدات النفوذ الدولى والإقليمي.
فى هذا السياق، يؤكد خبراء السياسة، أن إدارة ترامب ستواجه اختبارات صعبة فى إعادة ترتيب سياساتها الخارجية، خاصة فى منطقة ترتبط بشكل وثيق بمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية.
وأكد الدكتور إكرام بدر الدين، أستاذ العلوم السياسية، أن إدارة الرئيس الأمريكى المنتخب دونالد ترامب، التى ستباشر مهامها رسمياً فى 20 يناير، تواجه تحديات سياسية كبيرة على الصعيدين الداخلى والخارجى فهذه الإدارة ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع ملفات معقدة، وعلى رأسها ملفات الشرق الأوسط التى تحظى بتأثيرات عميقة على الأمن والاستقرار الدولي.
وأوضح بدر الدين أن الإدارة الجديدة ورثت إرثاً مثقلاً بالأزمات الدولية، أبرزها الأزمة السورية، والتوتر بين إسرائيل والفلسطينيين، والملف النووى الإيراني، بالإضافة إلى الصراع فى أوكرانيا، حيث أنهأ أثناء حملته الانتخابية، تحدث ترامب عن رغبته فى إيجاد حلول لبعض القضايا التى وصفها بأنها سبب مباشر للفوضى العالمية، مثل الأزمة الأوكرانية والنزاع فى غزة. لكن التساؤل الرئيسى هنا هو: هل سيتمكن من ترجمة هذه الوعود الانتخابية إلى أفعال ملموسة ؟!
وأضاف إنه من المرجح أن تحاول الإدارة الجديدة تحقيق إنجازات سياسية سريعة فى بداية عهدها عبر تهدئة التوترات فى بعض الملفات الساخنة.
تطرق أستاذ العلوم السياسية إلى الأزمة السورية باعتبارها واحدة من أكثر القضايا تشابكاً، حيث تجمع أطرافاً دولية وإقليمية ذات مصالح متضاربة. وأوضح أن النفوذ الروسى فى سوريا عبر القواعد العسكرية يمثل أولوية استراتيجية لموسكو، وروسيا تسعى منذ عقود إلى تأمين وجودها فى المياه الدافئة، ولا سيما البحر المتوسط، عبر قواعد عسكرية تمنحها نفوذاً إقليمياً، ومن الصعب أن تتخلى عن هذه المكاسب، وقد تكون هناك تفاهمات غير معلنة بين موسكو وواشنطن لتنظيم الوجود العسكرى لكلا الطرفين فى سوريا دون تصعيد مباشر.
وفى الوقت نفسه، أشار إلى أن تركيا قد تتجه لتعزيز نفوذها على حساب تراجع الدور الإيراني، مستغلة قضايا مثل النزاع الكردى لضمان مصالحها فى شمال سوريا.
وفيما يتعلق بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أكد بدر الدين أن إدارة ترامب قد تحاول الدفع نحو تهدئة نسبية فى غزة، خاصة فى ظل الضغوط الدولية المتزايدة بشأن الأوضاع الإنسانية هناك، مشيرًا إلى أن العدوان الإسرائيلى الأخير تسبب فى دمار كبير، وأثار انتقادات واسعة بسبب الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولى الإنساني، لكنه أضاف أن سياسة الولايات المتحدة فى الشرق الأوسط غالباً ما ترتكز على حماية أمن إسرائيل كأولوية قصوى وأن أمن إسرائيل لا يعنى بأى حال من الأحوال القضاء على الشعب الفلسطيني.
قد تعمل الإدارة الجديدة على إيجاد نوع من التهدئة التى تحفظ التوازن بين دعم إسرائيل وتخفيف التوتر الإقليمي.
وحول الملف الإيراني، يرى بدر الدين أن إدارة ترامب ستواجه تحدياً كبيراً فى التعامل مع الاتفاق النووى المبرم عام 2015 وهناك احتمال بأن تُقدّم واشنطن خيارات دبلوماسية جديدة، مثل تعزيز دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية فى مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية وقد تقبل إيران مزيداً من إجراءات التفتيش الدولى كبديل عن مواجهة عسكرية مباشرة؛ وأى تصعيد فى هذا الملف قد يؤدى إلى حرب شاملة بين إسرائيل وإيران، وهو ما لن يكون فى مصلحة الولايات المتحدة ولا المنطقة.
أشار أستاذ العلوم السياسة إلى أن تحقيق تهدئة فى لبنان قد يُعتبر إنجازاً سريعاً للإدارة الجديدة، خاصة إذا ما نجحت فى خفض التوترات القائمة هناك، وإذا تمكنت إدارة ترامب من تحقيق تهدئة فى لبنان، فقد تحاول تطبيق السيناريو نفسه على غزة.
وفيما يتعلق بالعلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا، أكد الدكتور بدر الدين بأن الطرفين قد يسعيان إلى تجنب الصدام المباشر فى الشرق الأوسط وقد تكون هناك صفقات ضمنية بين واشنطن وموسكو تتعلق بتوزيع النفوذ فى سوريا، بما يخدم مصالح الطرفين دون الإضرار باستقرار المنطقة.
وأشار إلى تغير خارطة النفوذ الإقليمى فى الشرق الأوسط، حيث إن انسحاب إيران التدريجى من سوريا قد يفتح الباب أمام تركيا لتعزيز وجودها هناك، وتركيا تعتبر قضية الأكراد محورية، وستعمل جاهدة لضمان السيطرة على المناطق التى تشهد نفوذاً كردياً، بما يضمن استقرارها الداخلي، موضحًا أن الإدارة الجديدة تملك فرصة كبيرة لتحقيق تأثير مباشر فى ملفات الشرق الأوسط، لكن الأمر يعتمد على قدرة ترامب وفريقه على الموازنة بين المصالح الأمريكية والأزمات الدولية.
من جانبه أكد الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، بأن دونالد ترامب، الرئيس الأمريكى المقبل، انتهج قبل دخوله البيت الأبيض سياسة تصعيدية تجاه منطقة الشرق الأوسط، تمثلت فى إطلاق تهديدات متكررة بإشعال المزيد من الحروب وزيادة التوترات الإقليمية، فى حال عدم عقد صفقة تبادل الأسرى بين حركة حماس وفلسطين، موضحًا أن هذه السياسات بدأت فى ديسمبر الماضى حينما تحدث ترامب عن ضرورة وضع المنطقة تحت الضغط لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية معينة، مع تهديدات مستمرة باستخدام القوة العسكرية إذا لم تُنفذ مطالبه.
وأشار الرقب إلى أن الشعب الفلسطينى تحديدًا، والذى يعانى من الاحتلال الإسرائيلى منذ عقود، لا يأبه بمثل هذه التهديدات، مؤكدًا أن الفلسطينيين واجهوا "النيران" فعليًا من الاحتلال ولم تزدهم إلا صلابة، و"ترامب، على الرغم من خطاباته النارية، لا يدرك أن التهديدات وحدها ليست كافية لتغيير إرادة الفلسطينيين أو إجبارهم على القبول بأى تسوية غير عادلة.
وفيما يتعلق بتوجهات ترامب نحو قضايا الشرق الأوسط، أوضح أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، أن الرئيس الأمريكى الجديد وعد اللوبى اليهودى بتوسيع النفوذ الإسرائيلى فى المنطقة، وركز اهتمامه على ملفات مثل ضم الضفة الغربية وأجزاء من الأراضى السورية واللبنانية إلى السيادة الإسرائيلية، ولكنه شدد على أن تنفيذ هذه الخطط ليس بالأمر السهل بسبب التعقيدات الجيوسياسية وتعدد اللاعبين الإقليميين والدوليين.
وأكد الرقب أن أى محاولة لتحقيق "السلام الإبراهيمي" أو التوصل إلى تسوية طويلة الأمد فى المنطقة ستواجه عقبة رئيسية تتمثل فى رفض الحكومات العربية والإسلامية لأى تطبيع مع إسرائيل قبل تحقيق دولة فلسطينية مستقلة. واستشهد بقرارات القمة العربية فى الرياض، التى شددت على أن أى اتفاق سلام يجب أن يتضمن إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، معتبرًا هذا الموقف حجر الأساس لأى تسوية مقبلة.
وفيما يتعلق بالقضية الكردية، وصف الدكتور الرقب الملف بأنه "أحد أكثر القضايا تعقيدًا"، خاصة فى ظل التصعيد الأخير بين تركيا والأكراد، والذى بلغ ذروته فى سوريا، مشيرًا إلى أن تركيا تعتبر الوضع الحالى فرصة تاريخية لإضعاف النفوذ الكردى الذى يشكل تهديدًا دائمًا لأمنها القومي، مؤكدًا أن أنقرة تسعى إلى القضاء على التواجد الكردى قرب حدودها بشكل جذري.
وأضاف أن الولايات المتحدة، التى دعمت الأكراد فى الماضى لتحقيق مصالحها الإقليمية، قد تجد نفسها فى موقف صعب إذا قررت التضحية بعلاقتها مع الأكراد لصالح تحسين علاقاتها مع تركيا، حليفها الاستراتيجى فى الناتو، وترامب قد يختار المصلحة الأمريكية العليا ويتجنب الدخول فى صراع مع تركيا، مما يعنى أن الأكراد قد يجدون أنفسهم فى موقف ضعيف.
وحول الملف الإيراني، أوضح الرقب أن ترامب انسحب من الاتفاق النووى عام 2018، وسيواصل نهجه التصعيدى إذا عاد إلى السلطة، مشيرًا إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو إعطاء الرئيس الأمريكى الجديد الضوء الأخضر لإسرائيل لضرب المنشآت النووية الإيرانية، مع فرض شروط جديدة على طهران لإعادة التفاوض.
فى سياق متصل قال السفير معتز أحمدين خليل، مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة سابقًا: إن إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ستسهم بتوجهاتها الشعبوية وسياساتها القائمة على استغلال التهديدات والتصعيد كأدوات لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، تبرز تساؤلات حول كيفية تعامله مع الملفات الداخلية والخارجية، خاصة فى منطقة الشرق الأوسط.
وأوضح معتز أن ترامب يركز بشكل كبير على السياسات الاقتصادية ذات الطابع الشعبوي، مثل فرض الضرائب على المنتجات الصينية وبعض المنتجات الأوروبية، بهدف دعم الصناعة المحلية وخلق فرص عمل للأمريكيين ورغم أن هذه السياسات قد تبدو جذابة للناخبين، إلا أنها قد تؤدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية بدلاً من حلها.
وأشار إلى أن ترامب يعتمد فى خطابه على التهويل والوعود بإعادة "عظمة أمريكا"، وهو ما ساعده على بناء قاعدة شعبية واسعة، ومع ذلك، فإن الانقسامات العميقة داخل المجتمع الأمريكى وعدم جدوى سياساته الاقتصادية على المدى الطويل قد تعرقل طموحاته السياسية.
أكد مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة سابقًا، بأن ترامب يعتمد بشكل كبير على دعم اللوبى اليهودى فى الولايات المتحدة، الذى أصبح مؤخرًا يميل إلى الحزب الجمهورى بعد عقود من دعم الديمقراطيين، وأن هذا الدعم انعكس فى سياسات ترامب المؤيدة بشدة لإسرائيل، حيث قدم خدمات كبيرة لحكومة بنيامين نتنياهو، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وصفقة القرن.
وتوقع معتز أن يستمر ترامب فى الضغط على الدول العربية لتحقيق تطبيع أوسع مع إسرائيل، فى إطار مشروع "الشرق الأوسط الجديد".
وأوضح أن أى دولة ترفض هذا المسار قد تواجه ضغوطًا اقتصادية وسياسية كبيرة.
وفيما يتعلق بإيران، أوضح معتز أن ترامب، رغم تهديداته المتكررة، يميل إلى استخدام التصعيد كوسيلة ضغط دون تنفيذ ضربات مباشرة على المنشآت النووية الإيرانية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تدركان أن توجيه ضربة عسكرية قوية لإيران قد يؤدى إلى ردود فعل لا يمكن السيطرة عليها، خاصة مع التقدم الكبير الذى حققته إيران فى برنامجها النووى وأن ترامب قد يلجأ إلى فرض عقوبات أشد أو التفاوض على اتفاق جديد بشروط أكثر صرامة، بدلاً من الدخول فى مواجهة عسكرية شاملة.
على الصعيد الدولي، توقع مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة سابقًا أن يستمر ترامب فى السعى للتقارب مع الرئيس الروسى فلاديمير بوتين بهدف تقليل الأعباء الأمريكية فى أوكرانيا وأوروبا الشرقية، كما أنه سيضغط على الدول الأوروبية لتحمل المزيد من التكاليف الدفاعية ضمن حلف شمال الأطلسى (الناتو)، فى محاولة لتخفيف العبء المالى على الولايات المتحدة.
وأشار معتز إلى أن إدارة ترامب الجديدة تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية فى الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وأن ترامب سيسعى لزيادة عدد الدول العربية المطبّعة مع إسرائيل، مع فرض حصار على الرافضين لهذا التوجه، بمن فيهم الفلسطينيون والإيرانيون.
وأكد أن فكرة "السلام الإبراهيمي" ستظل محورًا رئيسيًا لسياسات ترامب فى المنطقة، لكنها تواجه تحديات كبيرة، أبرزها رفض الشعوب العربية والإسلامية لأى تسوية لا تضمن حقوق الفلسطينيين.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...
شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...
السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...
الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...