تل أبيب ترهن حل أزمة السد الإثيوبى بقبول مشروع تهجير الغزاويين إلى سيناء

«الدفاع المشترك» مع الصومال حاصرت الموساد فى القرن الإفريقى اعترافات ضابط موساد متقاعد تكشف شراك أفخاخ إسرائيل فى إثيوبيا وأعالى النيل

ربما لا يمكن الفصل بين ما يجرى على حدود مصر الشرقية، ونظيرٍ لا يقل خطورة فى إثيوبيا؛ فإسرائيل التى تمارس ضغوطًا للإبقاء على احتلال محور فلادلفيا (صلاح الدين) فى قطاع غزة، هى ذاتها الحاضر بقوة فى خاصرة ملف السد الإثيوبى، وهى المسئول منذ عدة عقود عن تهديد عمق مصر الاستراتيجى فى الجنوب، ونصب أكثر من شراك عند أعالى النيل باعتراف ضابط الموساد المتقاعد يوسى ألبير، الذى كان مسئولًا مع رفاق دربه فى الموساد عن تموضع الكيان فيما يسمى بـ«دول الطوق»، وبالأخص فى القرن الأفريقي، وتحديدًا فى إثيوبيا.

وفى كتابه «نظرية الطوق»، الذى اقتبست مجلة «يوم ليوم» العبرية بعض أجزائه، أوضح الضابط ذو الأصول الأمريكية أن إسرائيل بلورت منذ بداية تأسيسها فى 1948 أكثر من خطة للفت انتباه المصريين على الأقل، وإظهار مدى قدرتها على فرض حضور غير مباشر فى جنوب مصر من خلال إثيوبيا؛ بالإضافة إلى «تلويح بين فينة وأخرى بتهديد منابع النيل بالقوة، وتعزيز الدعم الإسرائيلى لإثيوبيا، وإزكاء صراعها المسلح أمام معسكر الدول العربية والإسلامية». وخلص ضابط الموساد المتقاعد إلى أن تل أبيب عززت باستراتيجيتها ما تصفه بـ«الدواعى الملحَّة لضمان ممر ملاحى آمن على مضيق باب المندب، ومنه إلى البحر الأحمر، وصولًا إلى ميناء إيلات».

اعترافات يوسى ألبير وغيرها الكثير وشت بواقع يتعارض وتسويق حيادية إسرائيل عند التعاطى مع قضية السد الإثيوبى، وربما يؤكد ذلك تركيزها الإعلامى غير المعهود على آليات الحراك العسكرى الأخير، الذى وضعت به القاهرة قوات مصرية على أرض الصومال، بموجب اتفاقية دفاع مشترك مع مقديشيو، وبتنسيق كامل مع دول الاتحاد الإفريقي، التى تشارك هى الأخرى بقوات حفظ سلام هناك.

 قلق مريب

وبأحادية تكشف مدى القلق المريب، وضع تقرير نشره موقع «نتسيف» علامات استفهام حول قوام ودور القوات المصرية فى المهمة، مشيرًا إلى أنه «بينما يشارك 5 آلاف جندى من القوات فى مهام حفظ السلام، يتواجد على أرض الصومال أيضًا 5 آلاف جندى مصرى آخرين جنوب غرب الصومال، وتحديدًا فى ولايتى «هيرشبيلي»، و«جالمودوج»، وهو ما يؤكد حقيقة تهديد المصريين أكثر من أى وقت مضى السد الإثيوبى».

الأكثر من ذلك، محاولة إسرائيل تصدير أزمة متعددة الأبعاد، ردًا على الخطوة العسكرية المصرية المفاجئة فى الصومال؛ فبينما تذمَّرت إسرائيل غير مرة من انتشار قوات مصرية فى سيناء، واعتبرت تطهير شبه الجزيرة من الإرهاب، أو دفاع المصريين عن أمنهم القومي، يتعارض وبنود اتفاقية السلام (كامب ديفيد)، حذرت مما وصفته بـ«تأثرها أمنيًا بنقل فيلق من الجيش المصرى إلى الصومال».

وفى دراسة أعدها مارتن شيرمان، الذى خدم 7 سنوات فى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، زعمت إسرائيل أن «تشتيت الجيش المصرى بين تأمين سيناء ضد الإرهاب من جهة، وتواجده فى ظل اتفاقية الدفاع المشترك على أرض الصومال من جهة أخرى، يسمح برفع قرون تنظيمات راديكالية فى شبه الجزيرة السيناوية مجددًا، وهو ما يهدد أمن إسرائيل، ويفرض عليها حتمية الدفاع عن نفسها تحت أى ظرف!».

 دلالات خطيرة

ربما تعكس دراسة الباحث الإسرائيلى دلالات أمنية خطيرة، لكنها فى المقابل تكشف مدى قلق تل أبيب من خطوة مصر العسكرية، لا سيما فى ظل تهديد الربيبة الإثيوبية، والربيبة الأقل ظهورًا على الساحة «صوماليلاند»؛ لكن الأكثر من ذلك هو محاولة تل أبيب استثمار الخطوة المصرية ذاتها فى خدمة تطلعات دؤوب بقطاع غزة، خاصة إعادة طرح ملف تهجير الغزاويين إلى سيناء، حسب تقرير نشره موقع «قناة 14» العبرية على شبكة الإنترنت؛ فالتقرير الذى يعكس إلى حد كبير مدى العلاقة الوطيدة بين إسرائيل ومسرح عملياتها فى القرن الإفريقي، بالإضافة إلى علاقة أكبر بين ما يجرى على حدود مصر الشرقية، ونظير لا يقل أهمية فى إثيوبيا، زعم نصًا إن «بقاء القوات المصرية على أرض الصومال لن يكون قصير المدى، وإنما قد يظل لسنوات، وهو ما يفرض ضغوطات اقتصادية كبيرة على القاهرة، ويصبح الوقت مناسبًا لإعادة التلويح بمشروع تهجير الغزاويين إلى سيناء مقابل حصول المصريين على مقابل مادى سخي».

ولفت كاتب التقرير دين براندشتيتر انتباه دوائر صنع القرار فى تل أبيب إلى «ضرورة استغلال الواقع الإقليمى المتأزم فى إعادة إحياء ملف تهجير الغزاويين إلى سيناء». ورغم الرفض المصرى القاطع لمحاولات رخيصة، تحرض على تصفية القضية الفلسطينية من جذورها، ادعى التقرير الإسرائيلى إن «ظروف القاهرة الاقتصادية قد تضطرها هذه المرة للقبول بالعرض!».

 الحليفان الأهم!

وتباينت المواقف الإسرائيلية مع ملف السد الإثيوبى قبل وبعد توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين القاهرة ومقديشيو، فبينما روَّجت فى السابق لـ«حيادية ونزاهة مواقفها بين حليفين هما الأهم فى منظومة علاقاتها الإفريقية»، حتى أنها رفضت الوساطة لإنهاء الأزمة بين مصر وإثيوبيا»، حسب تقدير موقف لمركز دراسات الأمن القومى الإسرائيلى فى أكتوبر 2020؛ اعتبرت نشر قوات مصرية فى الصومال حاليًا مساسًا بمسرح عملياتها فى القرن الإفريقي.

ولم يستنكف معدا تقدير الموقف الإسرائيلى فى حينه أوفير ويتنر، وزميله أشير لوفوتيسكى تصدير السلبية الإسرائيلية عند التعاطى مع ملف السد الإثيوبى، وقالا نصًا: «رغم أن إسرائيل ليست جزءًا من الصراع على المياه بين مصر وإثيوبيا، وهذا أمر جيد، فمن غير المستبعد اندماجها فى مبادرات إقليمية لاحقة، بعد أن يصبح السد حقيقة قائمة. وفى الوقت نفسه، وبما أن هذه مسألة وجودية تقع فى قلب الأمن القومى لجميع الأطراف المعنية، فيجب على إسرائيل أن تستمر فى التعامل معها بالحساسية المطلوبة».

وربما تباينت المواقف الإسرائيلية قبل وبعد اتفاق الدفاع المشترك على خلفية تقديرات سابقة، رأت استحالة طرح الخيار العسكرى فى التعامل مع الأزمة؛ إذ تصوَّرت تل أبيب عجز المصريين عن كسر حاجز التباعد الجغرافى بين آخر نقطة على حدود مصر الجنوبية وموقع السد الإثيوبى (2000 كيلو متر تقريبًا)، لكن تقديراتها تقلَّصت بفعل حصول المصريين على طائرات الرافال الفرنسية، وتدشين المنشأة الجوية والبحرية الضخمة، وهى قاعدة «برنيس» العسكرية، على البحر الأحمر شرق أسوان (على بعد 850 ميلًا من سد النهضة) عام 2016. أما الخطوة الأكثر جرأة، والتى سقطت من حسابات إسرائيل، فهى اقتراب المصريين بمسافة لا تتجاوز بضعة كيلومترات من السد الإثيوبى بعد انتشار القوات المصرية جنوب غرب الصومال.

 معادلة المقارنة

وفيما تواترت معلومات سابقة، تؤكد تأمين السد الإثيوبى بدفاعات جوية إسرائيلية، تفاقمت أزمة إثيوبيا وسدها فى ظل أريحية المفاضلة المصرية الحالية بين أكثر من سيناريو للتعامل مع السد؛ وعند قراءة بيانات ميزان القوى بين القاهرة وأديس أبابا، تخرج إثيوبيا من معادلة المقارنة، إذ تحتل القوات المسلحة المصرية، حسب موقع Global Firepower، المتخصص فى تقييم جيوش العالم، المركز التاسع بين 138 دولة شملها الاستطلاع من حيث القوة الإجمالية (تقدير يشمل الأصول العسكرية، والقوى العاملة المتاحة، والقدرة اللوجستية، من بين نقاط بيانات أخرى). وفى المقابل، تحتل قوات الدفاع الوطنى الإثيوبية (ENDF) المرتبة 60.

الخبير الأمريكى تشارلز دبليو دن، وهو زميل غير مقيم فى المركز العربى بواشنطن (ACW)، ومستشار السياسة الخارجية لمدير الخطط والسياسات الإستراتيجية فى هيئة الأركان المشتركة فى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) فى الفترة ما بين 2007 حتى 2008، قال فى ورقة بحثية نشرها مركز (ACW) إن حجم الجيش المصرى يبلغ ضعفى ونصف حجم الجيش الإثيوبي، حيث يبلغ تعداده 440 ألف جندى فى الخدمة الفعلية مقابل 162 ألف جندى إثيوبي؛ وتشغل القوات المسلحة المصرية 15,998 دبابة قتالية وعربة مدرعة، أى 31 ضعف عدد الجيش الإثيوبى (514). وتمتلك القاهرة حوالى تسعة أضعاف عدد الطائرات المقاتلة التى تمتلكها إثيوبيا (215 مقابل 24)، و81 طائرة هليكوبتر هجومية مقابل ثمانى طائرات هليكوبتر فى إثيوبيا.

كما أن مصر، حسب الخبير الأمريكي، قادرة على إبراز قواتها فى البحر عبر حاملتى مروحيات فرنسيتين الصنع، وثمانى غواصات؛ أما البحرية الإثيوبية فأوقفت عملياتها فى عام 1996 عندما أصبحت دولة غير ساحلية، بعد حصول إريتريا على استقلالها عن أديس أبابا. وأعلنت إثيوبيا فى عام 2018 استعدادها لإنشاء قوة بحرية لحماية سفنها فى منطقة خليج عدن والبحر الأحمر، على أن يتم لاحقًا تحديد الميناء الرئيسي. وفى حين وافقت فرنسا على المساعدة فى إعادة بناء القوات البحرية الإثيوبية، إلا أن تقديرات الموقف تؤكد أن هذه الجهود تستغرق سنوات طوالا. بالإضافة إلى ذلك، تعد أديس أبابا فى وضع لا تحسد عليه من حيث عمر وكفاءة معظم منظوماتها العسكرية؛ فمعداتها تعود فى الأساس إلى الحقبة السوفييتية، حيث يقتصر إمداد روسيا وأوكرانيا قوات الدفاع الوطنية الإثيوبية على أسلحة مستعملة إلى حد كبير.

 	محمد نعيم

محمد نعيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

خطوط حمراء جديدة.. رسائل مصرية لردع المتلاعبين بملفات الصراع فى أفريقي
إجراءات جادة لمواجهة أزمة السد الإثيوبى بعد افتتاحه رسمياً

المزيد من سياسة

مصر تعيد لم شمل أهالى غزة بعد فتح الجانب الفلسطينى من معبر رفح

تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج

7 محاور أساسية لتحسين أوضاع المواطنين.. ضمن أهداف الحكومة الجديدة

3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م