عندما يتحدث رفاق الخندق الواحد من حكايات الصمود والنصر

50 عاما و يزيد، وما زالت الذكرى تفيض لتملأ السجلات ببطولات تليق برجال أبطال أمكنهم عبور المستحيل..

 أتحدث عن ذلك الجيل الذهبى الذى حمل مشاعل الأمل، فاستطاع أن يبدد ضباب اليأس، واجتاز الهزيمة أخذا بالثأر بعد أيام قليلة من النكسة.

"أبداً بلدنا للنهار.. بتحب موال النهار.. لما يعدى ع الدروب.. ويغنى قدام كل دار".. كان هذا المقطع الشجى يتردد عبر أثير الإذاعة المصرية ليستقر فى قلوب المقاتلين على الجبهة، وكان واحداً من هؤلاء هو ضيفنا المقاتل حسنى سلامة.. والذى يؤكد لنا فى رسالته أن الإعداد والتجهيز لحرب تحرير سيناء ما كان ليتحقق على هذا النحو الرائع دون تلك الروح التى دبت أعقاب النكسة بافتتاحية بطولية كان عنوانها "مرحلة الصمود" وكان استهلالها الأول بـ معركة "رأس العش". 

خاض المقاتل حسنى سلامة أربعة حروب معاصرة حصل فيها على ثلاث ترقيات استثنائية وعدد من الأنواط والميداليات التذكارية، وتوج مسيرته بالحصول على درع الصاعقة فى اليوبيل الذهبى لتأسيسها، فضلا عن تكريم السيد رئيس الجمهورية فى الذكرى الخمسين لحرب أكتوبر.. لكنه احتفظ بمشاهد هى أثمن ما يملكه المقاتل من ذكريات فارقة لأكثر من معركة فإلى جانب مشاركته بمعركة رأس العش أواخر يونيو 67، شارك "سلامة" بدور بطولى ضمن ملحمة لسان بورتوفيق الأولى فى ذروة حرب الاستنزاف.

وأعود لرسالته عن معركة رأس العش لأدرك معنى (التضحية والفداء والمجد) كثلاث كلمات أمكنها اختزال ما يرمز إليه شعار قوات الصاعقة المصرية.. ويمكن أن نزيد من الشعر بيتاً لنتحدث عن معنى الوفاء لكل من حمل لواء البطولة كقيمة متأصلة لمن خاضوا غمار الحرب، لا يبتغون فيها سوى النصر أو الشهادة.

يستدعى المقاتل حسنى سلامة مشاهد لا تنمحى من الذاكرة عن فئة من المرابطين الذين أمكنهم دحر العدوان عن مدينة بورفؤاد لتبقى محررة شرق قناة السويس طيلة مراحل الصمود والاستنزاف وصولاً لحرب العاشر من رمضان.

كان حسنى سلامة يتقدم صفوف سرية الصاعقة التى تشبثت بتلك الأرض أواخر يونيو 67، وخاض المواجهة الدامية فاجتاز وزملاؤه فارق الإمكانات الهائلة، حتى أمكنهم أن يحطموا إرادة العدو، وأن يدمروا آلياته ومجنزراته ويقتلوا العشرات من أفراده.. لذلك يقول حسنى سلامة "إن رأس العش كانت فاتحة لأولى بشائر النصر"

 وما أعمق الكلمات حين تأتينا بقلم مقاتل يتحدث عن رفاق الخندق الواحد .. يكتب حسنى سلامة فى رسالته: لن أنسى أبداً أبطال وشهداء معركة رأس العش.. وسأحكى لكم اليوم قصة واحد منهم.. هو الشهيد محمد ابراهيم أبو زيد.. شاب ريفى من إحدى قرى مركز قطور بمحافظة الغربية.. قوى العقيدة والإرادة.. مطيعاً للأوامر ومنفذاً إياها بحمية ووطنية.. رفض أن يتم إخلاؤه للعلاج بعد إصابته الأولى.. وظل يتنقل بين الخنادق ليمد المقاتلين بالذخائر.. وظل ملازماً لى مع تقدم سير القتال العنيف.. انسحبت القوات المهاجمة بعدما منيت بخسائر فادحة فى اللأرواح والمعدات فيما كنا نطارد العدو المنسحب بدفعات متتالية من النيران.. وساعتها سمعت صوت "أبو زيد" للمرة الأخيرة وهو ينادينى بإسمى، فأيقنت أنه لم يستجب لأوامرى بضرورة الانسحاب، وآثر إلا أن يبقى وسط زملائه مقاتلاً حتى الرمق الأخير.. لم أخف سعادتى بأنه لم يزل على قيد الحياة.. وما هى إلا دقائق حتى عاجله قناص اسرائيلى جريح كان قد أصيب بالذعر من جحيم المعركة.. واستشهد المقاتل أبو زيد قبيل آذان الفجر.. وهدأت إلى حين كثافة النيران.. ومع حلول الصباح الباكر أمرنى قائدى الرائد سيد الشرقاوى بالعودة إلى الضفة الغربية لقناة السويس بعد ما أديت مهمتى.. وحين رفعت جسد الشهيد أبو زيد وجدت ابتسامة الرضا وقد ارتسمت على ملامحه الوادعة كملاك طيب.

56 عاماً لم تفارقنى ذكرى بطولته عرفاناً لإبن بار من أبناء الصاعقة المصرية.. وأحمد الله أننى قمت بتصويره وكنا نقيم داخل معسكرنا بمدرسة أشتوم الجميل بمدينة بورسعيد.. كان ذلك قبل اندلاع معركة رأس العش بثلاثة أيام.. رحم الله الشهيد محمد ابراهيم أبو زيد.  

Katen Doe

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أصغر جندى فى العالم يحصل على وسام من الرئيس جمال عبد الناصر

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص