حديقة «الليكود» الخلفية أدارت الأزمة لحساب اليمين المتطرف وسوَّقت لوضع المحتل فى دائرة «الضحية» / مشروع التهجير اعتمد على تسوية المبانى بالأرض وخلق كارثة إنسانية وشراء القطاع بـ30 مليار دولار
أتاحت الهدنة المؤقتة فى قطاع غزة الفرصة أمام أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لإعادة أوراق عملية «طوفان الأقصى» فى السابع من أكتوبر الماضي؛ فالدوائر التى تعتمد على حسابات أمنية فقط للتعاطى مع خطر ما، يمكن إبعادها عن حسابات سياسية، تتطلع إلى الوصول لهدف أو آخر حتى وإن كان على المدى البعيد؛ وربما كان لذلك أثر بالغ فى الانفتاح على أدلة دامغة، قد تعزز فرضية سماح المستوى السياسى من خلال دوائر غير رسمية، يمكن اعتبارها «حديقة خلفية» للنظام، لتمرير استهداف مستوطنات ومواقع غلاف قطاع غزة العسكرية، لاسيما عند تجاوز عوائد رد الفعل الإسرائيلى المتوقع سقف تصفية حماس.
تشمل العوائد حينئذ «تهجير» الغزاويين إلى سيناء، وتصفية القضية الفلسطينية برمتها، وإعادة ضم كامل مساحة القطاع (365 كيلو مترا مربعا)، وانفراد إسرائيل بثروات الطاقة على امتداد ساحل غزة؛ فضلًا عن إحياء مشروع قناة «بن جوريون»، لمنافسة قناة السويس عبر الربط بين إيلات جنوبًا وساحل غزة شرق البحر المتوسط؛ وتدشين بنى تحتية لوجستية على جانبى ضفتى القناة الوليدة، تسمح عوائدها بتغطية نفقات «شراء القطاع»؛ وانفتاح مستوطنة «جوش دان» على القطاع، لبناء وحدات سكنية مخصصة للطبقة الراقية (نظرًا لأهمية الموقع المقترح)؛ بالإضافة إلى توسيع نطاق مصنع الاستيطان ليشمل صحراء النقب.
وتزيد فرضية سماح إسرائيل بعملية «طوفان الأقصى» عند متابعة تواريخ تصورات «أدمغة المخطط» لواقع ما بعد تهجير الغزاويين، فجميع أوراق البرامج المطروحة لتمرير المشروع، استبقت موقعة «طوفان الأقصى» بأيام؛ وحتى إذا لم تر النور إلا بعدها ببضعة أيام؛ فالمنطق واعترافات معدى الخطط، تؤشر إلى التبكير بطرح تصورات ما بعد عدوان «السيوف الحديدية» على القطاع؛ ولعل اعتراف اليمينى المتطرف، رئيس ما يُعرف بـ«المعسكر الليبرالي» فى حزب «الليكود» الحاكم أمير وايتمان، كان كفيلًا بترسيخ استباقية المخطط لموقعة «طوفان الأقصى».
وثيقة الدراستين
قد تزيد الصورة اكتمالًا عند الوقوف أمام تصورات وايتمان، التى أدرجها فى خطتين، نشرهما (بعد أيام من 7 أكتوبر الماضي) فيما يُعرف بمعهد «مسجاف» الإسرائيلى لدراسات الأمن القومى والاستراتيجية الصهيونية. ورغم أن المعهد الذى يقود طاقمه رئيس جهاز الأمن القومى الإسرائيلى السابق مئير بن شابات، ينتمى فى هيكله البحثى والإدارى إلى معسكر اليمين الإسرائيلى المتطرف، اضطر أمام ضغوطات الرقابة العسكرية الإسرائيلية إلى حذف الدراستين، وقدم رئيسه اعتذارًا معلبًا، يدور حول تبعية مسئولية الأفكار لأصحابها، وأن أمير وايتمان ليس محسوبًا على المعهد، وإنما يتعامل معه من الخارج؛ إلا أن مضمون حوار وايتمان مع موقع القناة الإسرائيلية السابعة بتاريخ 12 أكتوبر 2023، فوَّت الفرصة على تبريرات "بن شابات"، وأضاع فائدة حذف دراستى رئيس «معسكر الليبراليين» فى حزب «الليكود» من موقع «مسجاف» على شبكة الإنترنت.
إذا كان محور الحديث هنا يتعلق بالتواريخ التى استبقت وتلت موقعة «طوفان الأقصى»، فليس ثمة شك فى أن العامل الزمني، وحاجة الدراستين لوقت كاف عند إعدادهما، كفيل بكشف تخطيط وايتمان و«رفاقه» لمستقبل قطاع غزة قبل «طوفان الأقصى».
الأكثر من ذلك هو اعتراف ويتمان بما يعزز هذا الاعتقاد؛ ففى لقائه مع محاور القناة الإسرائيلية شيمعون كوهين، قال نصًا: «أعددت وثيقة الدراستين، ووزعتهما عبر البريد الإليكترونى على كامل أعضاء «الليكود» فى الكنيست. فى الحقيقة لم يصلنى رد أو تعقيب؛ وحتى إذا حدث العكس، فما كان من اللائق إعلان ذلك؛ فكل ما يهمنى هو تسويق إسرائيل لفكرة «تهجير» سكان القطاع لدى رأى عام المجتمع الدولي، حتى تستمع قيادات العالم لأصوات الشعوب، وهى تطالب بمحو غزة وحماس من الوجود، ووضع حل طويل المدى فى المقابل».
الواقع العملياتي
إذا لم تكف نظرية «العامل الزمني» لجمع قطع البازل وتكامل الصورة، فمن الممكن مضاهاة الأسلوب المقترح فى الدراستين بالواقع العملياتي، الذى اعتمدت عليه آلة الحرب الإسرائيلية بعد ساعات من «طوفان الأقصى»، فمن بين النقاط التى أوصى بها وايتمان فى دراسته: «تسوية كامل مبانى قطاع غزة بالأرض، وفقًا لاقتراح مستشار رئيس الوزراء الأسبق أرئيل شارون، مهندس خطة «فك الارتباط» الأحادية الإسرائيلية عن قطاع غزة عام 2004، جيورا آيلند)، ويجب أن تتم عملية تسوية المبانى بالأرض عبر منهجية، تبدأ من الشمال إلى الجنوب، لتدفع سكان القطاع نحو الجنوب، وتخلق بالتالى أزمة إنسانية لا يمكن لمصر تجاهلها».
ويبدو أن مهندس الخطة، كان مدركًا من البداية لأبعاد ردود فعل المجتمع الدولى وأدواته الإعلامية؛ وتعليقًا على تحسبات من هذا النوع، قال نصًا: «من يخشون فى إسرائيل ردود فعل المجتمع الدولي، أو حتى مراسلى وسائل الإعلام، يعيشون حقًا فى الماضي. ما يحدث لدينا لم يعد يثير اهتمام أحد؛ ففى الماضى كانت إسرائيل نقطة محورية فى عمل وأداءات مراسلى وسائل الإعلام الأجنبية؛ وبينما أثار ذلك غضب إسرائيل، تراجعت الظاهرة إلى حد كبير، ومنذ العقد الأخير تقريبًا، لا يثير ما يحدث هنا اهتمام أحد».
ربما ضاهت أفكار دراستى ويتمان إلى حد كبير المنهج العملياتي، الذى اعتمده المستويان العسكرى والسياسى فى تل أبيب، لاسيما مع بداية عدوان «السيوف الحديدية»؛ فتسوية مبانى قطاع غزة بالأرض، وتدرج العمليات العسكرية من أقصى الشمال صوب الجنوب، والإصرار على خلق أزمة إنسانية تصل حد الكارثة على أبواب معبر رفح المصري، تؤدى فى نهاية المطاف إلى إخلاء القطاع من قاطنيه والانفراد باحتلاله، أكدت جميعها أن مشروع تهجير الغزاويين إلى سيناء لم يكن يقبل نهائيًا القسمة على اثنين فى إسرائيل، حتى قبل عملية «طوفان الأقصى».
بطانة الإعلام
كان ويتمان موفقًا أيضًا فى استشراف مواقف المجتمع الدولى من العدوان الإسرائيلي، فالحقيقة أكدت مدى تلاقى مشروع «التهجير» مع مواقف حكومات معسكر الغرب بقيادة الولايات المتحدة، ولعل ذلك كان واضحًا مع تقاطر رؤساء حكومات تلك الدول على تل أبيب، وإطلاق أعيرة التضامن النارية على شرف الدولة العبرية ومشروعها، فضلًا عن حشد الدعم العسكرى واللوجستى غير المسبوق. يضاف إلى ذلك قراءة وايتمان وإدراكه المبكر – وفقًا لما جاء فى دراسته – لبطانة وسائل الإعلام الغربية، التى اصطفت مع طرف على حساب آخر حتى قبل تقصى الحقائق.
كان كل ذلك كفيلًا باعتراف الليكودى المتطرف أمير وايتمان خلال حواره مع القناة الإسرائيلية، وإشارته حرفيًا إلى «نحن أمام فرصة تاريخية لن تتكرر، سبق وأهدرتها حكومة إسرائيل «الحمقاء» إبان حرب 1967، حين تخلت عن مشروع التخلص من الغزاويين، وتقاعست عن تهجيرهم إلى سيناء»؛ وكرر وايتمان تسويق أهدافه بأسلوب مختلف، قائلًا: «فى حرب الأيام الستة (67) سنحت لنا فرصة إخلاء القطاع، لكن حكومتنا أهدرت الفرصة. هذه خطوات لا يمكن القيام بها إلا فى أوقات الأزمات وليس فى أوقات تقليدية. إذا لم نفعل ذلك خلال الأسابيع القليلة المقبلة، نفقد الفرصة مجددًا، ولا ندرى ما إذا كان من الممكن إتاحتها لاحقًا».
فى ظل هذه المعطيات وغيرها، لايمكن الوثوق أبدًا فى ارتجالية المشروع الإسرائيلي، أو تعارضه (بصورة غير مباشرة بطبيعة الحال) مع «طوفان الأقصى»، عند التسليم بتسويق دوائر إسرائيل السياسية والأمنية للسقوط فى شراك فخ المباغتة، أو سوء التقديرات الاستخباراتية، التى قللت من نوايا التصعيد الحمساوي، لاسيما بعد عملية «حارس الأسوار» الأخيرة، والتى انفرد بها تنظيم «الجهاد الإسلامي»، وغضت حماس الطرف عن المشاركة فيها.
أبعاد اقتصادية
قبل التطرق تفصيليًا إلى هذه النقاط، لابد من العودة مجددًا إلى أمير وايتمان؛ فمن خلال قراءة أوراقه الخاصة، يمكن الوقوف على أبعاد غير معلنة (إسرائيليًا على الأقل) فى خطة «التهجير»، وهو ما يعكس أبعادًا أكثر عمقًا للمشروع؛ فرغم تصدير هويته السياسية، واحتسابه على معسكر اليمين الإسرائيلى المتطرف، لا يمكن تجاهل نشاطه الاقتصادي؛ فمع إدارته صندوق استثمار « Sample Capital» الإسرائيلي، وحلوله محاضرًا شبه دائم على معاهد الدراسات والأبحاث الاقتصادية فى إسرائيل وخارجها، واعتماده فى إعداد دراستى تهجير الغزاويين إلى سيناء على الاقتصادي، رجل الأعمال الإسرائيلى (إيطالى الأصل) مارسيلو ديل مونتا، عوَّل أيضًا عند تمرير خطة التهجير على أدوات اقتصادية، تمحورت فى تصدير صورة قاتمة للاقتصاد المصري، والبناء عليها عند ممارسة ضغوطات على القاهرة للقبول بالفكرة، إذ قال نصًا فى واحدة من خطتيه: «استثمار بضعة مليارات من الدولارات (حتى إذا بلغت 20 أو 30 مليار دولار) فى تهجير الغزاويين إلى سيناء، هو فى الحقيقة حل مبتكر، وغير مكلف، ومستدام. وفى هذا السياق، ينبغى التذكير بأن دولة إسرائيل أنفقت فى أقل من عام واحد فقط 200 مليار شيكل لعلاج تفشى وباء «كورونا» (سعر صرف الشيكل أمام الدولار عند كتابة هذه السطور 0.27 دولار)،
صبغة رسمية
وأضاف ويتمان فى دراسته: «ليس هناك ما يدعو إلى افتراض عجزنا عن تحمل تسديد دفعة فورية من الأموال، تتراوح قيمتها ما بين 20 إلى 30 مليار شيكل، خاصة إذا وضعنا فى الاعتبار أن دفع هذا المبلغ هو فى الواقع شكل من أشكال شراء قطاع غزة، ونستطيع عبر ذلك إضافة أكثر من قيمة مضافة هائلة؛ فمع مرور الوقت يصبح الأمر فى الواقع استثمارًا مفيدًا جدًا لدولة إسرائيل؛ فواقع الأرض فى قطاع غزة يضاهى إلى حد كبير «جوش دان» (مستوطنة إسرائيلية)، وهو ما يسمح فى المستقبل ببناء تجمعات سكنية عالية المستوى للعديد من المواطنين الإسرائيليين، فضلًا عن توسيع نطاق المستوطنة ذاتها حتى الحدود مع مصر؛ بالإضافة إلى أن ذلك يضفى زخمًا هائلًا على آلية الاستيطان فى النقب».
ما لا يمكن تفاديه أيضًا فى أوراق أمير وايتمان الخاصة، ويضعه فى طليعة الدوائر الإسرائيلية الفاعلة ذات الصلة بقضايا مفصلية وفى طليعتها بلاشك مشروع التهجير (الذى جرى إحباطه مصريًا، واعتبر الرئيس السيسى تمريره خطًا أحمر)، هو أن وايتمان عضو ومؤسس «معسكر الليبراليين» بحزب «الليكود» الحاكم، الذى جرى تأسيسه عام 2013، لوقف زحف منظمة العمال الإسرائيلية «الهستدروت» نحو دائرة القرارات السياسية فى تل أبيب، وإبعاد نخب حزب «مباي» السابق (العمل حاليًا، أو بالأحرى تيار الوسط) عن الدائرة ذاتها؛ ما يعنى أن خطة وايتمان الرامية إلى تهجير الغزاويين، تحمل صبغة الرسمية، وتترجم توجه الحزب الإسرائيلى الحاكم، واعتماده على «حديقة خلفية» فى تمرير المشروعات، حتى لو صمت ولم يعلق عليها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج
3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...
خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى
لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...