الفريق سعد الشاذلى يشرح: تفاصيل خطة عبور القناة ومعجزة السادس من أكتوبر

الجيل الجديد يعرف أن الجيش المصرى حقق معجزة كبرى فى يوم السادس من أكتوبر 1973 ويعرف أن الشعب  قدم الغالى والنفيس من أجل إزالة آ ثار الهزيمة المرة التى لحقت به فى يوم “5 يونيو 1967”،

 لكن قلة قليلة هى التى تعرف “الفريق سعدالدين الشاذلى “ مهندس حرب العبور،وكان “رئيس أركان حرب” القوات المسلحة فى الفترة من “16 مايو 1971“ إلى “ديسمبر 1973”، أى أنه شارك فى حرب الاستنزاف، وكان القائد فى معركة تحرير سيناء، وفى مذكراته المنشورة فى مصر منذ سنوات شرح واف لما حدث داخل غرفة العمليات وفى الخنادق وما كان يشغل عقول القادة قبل الإقدام على اتخاذ قرار الحرب، ومن هذه المذكرات اخترنا ما يجيب على السؤال “كيف تحققت معجزة العبور؟”وهوالسؤال الذى يهمنا أن يعرف الجيل الجديد إجابته بعد مضى “50 سنة” على أعظم حرب خاضها الجيش المصرى مدعوما بتضحيات الشعب من أجل استرداد الأرض واستعادة الكرامة الوطنية..

يذكر الفريق سعدالدين الشاذلى فى مذكراته، فى الفصل الذى حمل عنوان «مشكلات العبور وكيف تم التغلب عليها» أن عبور قناة السويس يعتبر من العمليات العسكرية ذات الطابع الخاص،وأن التنظيم العادى والتسليح العادى والعقائد العسكرية السائدة لم تكن قادرة على تقديم الحلول التى تستلزمها عملية «العبور»، لذلك تم إنشاء وحدات عسكرية جديدة ذات تنظيم معين لتكون قادرة على القيام بمهام محددة،كذلك تم إدخال بعض المعدات البدائية التى كانت تستخدم فى العصور القديمة،وإدخال معدات من أرقى المعدات فى العالم كله،وإجراء مئات التجارب قبل الوصول إلى قرار الحرب ويضيف قوله:

«ـ قناة السويس مانع مائى من نوع فريد فى طبيعته،وقد أضاف العدو إليها كثيرا من العوائق الاصطناعية مما جعلها تبدو فى أعين الكثيرين من العسكريين مانعا مائيا لايمكن اقتحامه ويمكن وصف قناة السويس كمانع مائى بأنها،مانع مائى صناعى يتراوح عرضه بين «180و200متر»وأجنابها حادة الميل ومكسوة بالدبش والحجارة لمنع انهيار الأتربة والرمال إلى القاع،وهذا يجعل من الصعب على أية دبابة برمائية أن تعبرها إلا إذا تم نسف أكتاف الشاطىء وتجهيز منزل ومطلع تستطيع المركبة البرمائية أن تستخدمهما فى النزول إلى الماء والخروج منه،وقام العدو بإنشاء سدترابى على الضفة الشرقية للقناة بارتفاع يصل فى بعض الاتجاهات المهمة إلى «20مترا»مما يجعل من المستحيل عبورأية مركبة برمائية إلى الشاطىء الآخرإلا بعد إزالة هذا السد.

 فتح الثغرات فى الساتر الترابى

ويروى الفريق الشاذلى فى مذكراته الحلول التى تم وضعها واقتراحها من جانب رجال العسكرية المصرية لفتح «ثغرات» فى الساتر الترابى المقام على الشاطىء الشرقى للقناة :

«ـ عندما شغلت منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية كانت العقيدة السائدة لفتح الثغرات فى الساتر الترابى تتلخص فى ما يلى :

ـ يقوم المهندسون العسكريون بشق حفرة داخل السد الترابى مستخدمين فى ذلك أدوات الحفر اليدوية،ثم تملأ هذه الحفر بالمتفجرات ويتم تفجيرها بعد أن ينسحب المهندسون إلى مسافة «200متر» بعيدا عن مكان التفجير،ويبدو من الناحية النظرية أنه كلما عمق المهندسون الحفر داخل السد الترابى،وكلما زادت كمية المتفجرات المدفونة فى السد زادت كمية الأتربة المزاحة أما من الناحية العملية فقد كان الموقف مختلفا، إذ كانت طبيعة التربة التى تكون السد الترابى متهايلة وكان ذلك يجعل من الصعب تعميق أية حفرة فى جسم السد،وكانت الأتربة والرمال على أجناب الحفرة تتهايل إلى داخلها مع كل محاولة لتعميقها وبالتالى فقد كانت المتفجرات التى نقوم بدفنها داخل السد ليست على عمق كاف يسمح بإزاحة كمية كبيرة من الأتربة، ولم تكن النتائج مشجعة وكانت كمية الأتربة المزاحة نتيجة التفجير تصل إلى حوالى «200ـ 300» مترمكعب تاركة مايقرب من «1200» مترمكعب أخرى تجب علينا إزاحتها بواسطة العمل اليدوى والميكانيكى.

ـ يستأنف العمل اليدوى لتجهيز مطلع «البلدوزر» الذى يتم نقله على معدية ثم يبدأ فى العمل لاستكمال عملية فتح الثغرة.

وفى خلال شهرى مايو ويونيو 1971 حضرت عدة بيانات عملية قامت إدارة المهندسين بتنظيمها لإظهار الأسلوب المتبع فى فتح ثغرات  فى السد الترابى نهارا وليلا،وكان يعيب هذا الأسلوب ما يمكن إيجازه فى النقاط التالية :

ـ أن عملية التنسيق بين المهندسين الذين يقومون بالتفجير والمشاة الذين يعبرون أو عبروا وأصبحوا على الشاطىء الآخر،قد لاتسير على الوجه الأكمل مما قد تترتب عليه إصابة بعض جنودنا نتيجة هذه التفجيرات .

ـ تخصيص عدد كبير من المهندسين للقيام بأعمال الحفر اليدوى بعد عملية التفجيرقد تترتب عليه زيادة خسائرنا فى أفراد المهندسين فيما لو وقعت هذه المجموعة تحت نيران العدو المباشرة أو غير المباشرة

ـ إرسال «بلدوزر» للعمل فى استكمال فتح «الثغرة « مبكرا قد يعرضه للتدميربواسطة نيران دبابات العدو،نظرا لكبر حجمه واضطراره للظهورفى كثير من الأحيان على خط السماء وإذا تأخرنا فى إرساله فسوف يتأخرفتح الثغرات وبالتالى يتأخر تشغيل المعدات وبناء الكبارى فتزداد فترة تعرض «قوات المشاة « لهجمات العدو المضادة.

ـ فتح الثغرات بهذا الأسلوب يعتبر باهظ التكاليف فى الأفراد والمعدات والمواد،فقد كان فتح الثغرة الواحدة يحتاج «60فردا» وبلدوزر و»200كيلوجرام» من المتفجرات وعمل يستمر «من 5ـ 6 ساعات «دون حساب لأى تدخل من العدو.

ولم يكن أمامى إلا أن أقبل العمل بهذا الحل إلى أن نجد ماهو أفضل منه،ولكنى أخبرت اللواء «جمال على « مديرإدارة المهندسين،بضرورة البحث والتفكيرفى أسلوب آخر لفتح هذه الثغرات،وفى خلال يونيو من العام نفسه أخبرنى اللواء «جمال على « أن أحد ضباط المهندسين يقترح فتح الثغرة فى الساتر الترابى بأسلوب ضغط المياه،وأنه قدمارس هذا العمل فى «السدالعالى « وكانوا يفتتون الصخر بقوة اندفاع المياه،كانت الفكرة سهلة وبسيطة ولاينقص إلا تجربتها،وقبل انتهاء شهر يونيو،حضرت أول تجربة لاختبارهذه الفكرة،استخدم المهندسون فى هذا البيان ثلاث مضخات مياه صغيرة إنجليزية الصنع وكانت النتيجة رائعة،كان واضحا أنه كلما زاد الضغط زادت سرعة تهايل الرمال وبالتالى سرعة فتح الثغرة وبعد عدة تجارب اتضح لنا أن كل متر مكعب من المياه يزيح مترا مكعبا من الرمال وأن العدد المثالى فى كل ثغرة هو خمس مضخات وفى يوليو1971 تقررأن يكون أسلوبنا فى فتح ثغرات الساتر الترابى هو أسلوب التجريف « ضغط المياه»وقررنا شراء «300مضخة»مياه إنجليزية،وصل قسم منها قبل نهاية العاموالقسم الباقى وصل فى أوائل عام 1972وفى خلال عام 1972  قررنا شراء مضخة أخرى ألمانية الصنع وأكثر قوة من المضخة الإنجليزية،وبتخصيص «3مضخات»لكل ثغرة كان من الممكن إزاحة «1500مترمكعب» من الأتربة خلال ساعتين فقط، وبعددمن الأفراد يتراوح بين «10ـ 15 فردا» فقط.

كان هذا حلا رائعا وسهلا ويتلافى جميع العيوب التى كان يتسم بها الأسلوب السابق،فشكرا للمهندس الشاب صاحب الاقتراح وشكرا لجميع رجال المهندسين الذين قاموا بتطوير الفكرة وتهذيبها إلى أن أخذت لونها النهائى قبل حرب أكتوبر 1973، ومن الأحداث الغريبة حقا أنه على الرغم من عشرات التجارب التى أجريت بهذا الأسلوب خلال الأعوام 1971 و1972 و1973إلا أن الإسرائيليين لم يعرفوا اكتشافنا لهذا الأسلوب فى فتح الثغرات فى السد الترابى وقد تحققنا من ذلك عندما وقع فى أيدينا أحد جواسيسهم قبل بدء الحرب بشهرين.

 مشكلة النيران المشتعلة

ويواصل ـ الفريق الشاذلى ـ سرد تفاصيل ما جرى قبل العبور العظيم والمشكلات التى شغلت القادة العسكريين المصريين ومن أهمها «النيران المشتعلة « التى كانت إسرائيل تعتزم استخدامها لمنع قواتنا من عبور القناة، ولكن العسكريين المصريين لم يستسلموا وفكروا فى إيجاد حلول لهذه المشكلة :

«ـ فى شهريونيو 1971 حضرت بيانا عمليا عن أسلوب التغلب على هذه النيران المشتعلة،وقدتم تنفيذ البيان كمايلى :

ـ يقوم بعض الجنود الذين يلبسون ملابس واقية ضد الحريق بركوب أحد القوارب ومع كل واحد منهم «جريدة نخل» ثم يبدأون بمهاجمة جزرالنيران المشتعلة وضربها بالجريد فتنقسم إلى عدة جزر صغيرة،وتتكررالعملية..

ـ اقترح خلال هذا البيان استبدال القوارب المطاطيةبمركبات برمائية واستبدال «جريد النخل» بمواد كيماوية أو بمعنى آخر، تشكيل قوة مطافىء بحرية،ولم أقتنع بأنه يمكن إطفاء هذه النيران بجريد النخل إذ كنا نستخدم فى تجربتنا عشرة أطنان من السائل المشتعل ولكن يجب أن نتصور ماذا يمكن لو أن العدو قذف بخمسين طنا من هذا السائل ثم أخذ يغذيها باستمرار،لا شك أن النيران ستكون أكثر قوة وأكثر تماسكا بحيث لاتسمح بوجود جزر عائمة من النيران يمكن لقواتنا المكلفة بالإطفاء أن تهاجمها واحدة بعد الأخرى،كما أن تشكيل وحدات إطفاء بحرية سيشغلنا عن واجبنا الأصلى،فبدلا من أن نعبر ونقتحم فإن مجهودنا سوف يتحول إلى عملية إطفاء حريق وبهذا يتحقق هدف العدو،وبعد دراسة الموضوع من جميع جوانبه قررت أن تكون عقيدتنا فيما يتعلق بهذه المشكلة هى كمايلى :

ـ يجب أن نحرم العدو من فرصة استخدام هذا السلاح الذى يعتمد على ثلاثة أجزاءهى،خزانات يسع الواحد منها «200طن» من المواد المشتعلة،أنبوبة تصل ما بين هذه الخزانات وسطح مياه القناة ثم وسيلة سيطرة تشمل الفتح والإشعال،فلو أمكننا إفساد أى من هذه الأجزاء،لفشل العدوفى استخدام هذا السلاح،كانت الخزانات مدفونة دفنا جيدا فى الرمال ومن المشكوك فيه إمكان تدميرها بواسطة المدفعية،وكانت الأنابيب التى تنقل السائل هى الأخرى مدفونةومن الصعب الوصول إليها،ولكن فتحات هذه المواسير كان يمكن رؤيتها بوضوح من جانبنا،وكانت فتحة هذه الأنابيبتختفى تحت سطح المياه عندما يكون هناك «مد»، وتظهر فوق سطح المياه عندما يكون هناك «جزر»،فلو أمكننا أن نسد هذه الفتحات قبل بدع العمليات لفسدت خطة العدوفى استخدام هذا السلاح تماما، لذلك يجب علينا أن نغلق هذه الفتحات وأن نضرب الخزانات بالمدفعية أثناء فترة تحضيرات المدفعية التى تسبق عملية الهجوم وبالإضافة إلى ذلك فإنه يمكننا إرسال جماعات تخريب لتدميرهذه الخزانات قبل المعركة وخلالها،وكان علينا عند انتخاب نقط «العبور»أن نختارها بحيث تكون فوق اتجاه التيار،حيث إن هذا السائل المحترق يعوم مع التيار وبالتالى فإنه يعتبرعديم المفعول ضد أى قوات تعبر من فوق اتجاه التيار،وإذا حدث واضطررنا لانتخاب نقط العبور بحيث يكون تحت التيار،ثم فشلت جميع محاولاتنا فى إبطال مفعول هذا السلاح ونجح العدو فى تشغيله فإننا نوقف عملية العبور إلى أن ينتهى تأثير هذه النيران،وقد يتراوح الوقت اللازم لاحتراق هذا السائل ما بين «15ـ 30 دقيقة»طبقا لكمية السائل المسكوب وليس أمامنا إلا أن نتعامل معه كأنه أحدأسلحة القتال،نحاول أن نتحاشاه إذا كان مؤثرا ونتجاهله إذا ضعف تأثيره مثله فى ذلك مثل منطقة مغمورة بنيران المدفعية،إذا كان الضرب كثيفا ومؤثرا تحاشيناه وإذا كان دون تركيز عبرنا المنطقة بخسائر طفيفة.

 أحمال جندى المشاة

الحرب التى خاضها الجيش المصرى،كانت حربا حديثة، الاعتماد فيها على النظريات والعلوم التى توصلت إليها الجيوش النظامية فى البلدان المتقدمة، ولم يكن قادة الجيش المصرى ناقصى علم، بل هم يملكون ما لايملكه القادة الإسرائيليون، إنهم يدافعون عن أرضهم، ولهذا عاش قادة الجيش المصرى ست سنوات يدربون الجنود على العبور، ولم يتركوا شيئا للمصادفة أو الظروف، حسبوا كل شىء بحساب العلم العسكرى، وقاسوا قوة الجندى وقدرته على القتال وحاجته للطعام والشراب،كل شىء فى «حرب العبور» خضع للعلم الحديث كما يحدثنا ـ الفريق الشاذلى ـ فى مذكراته عن «أحمال الجندى» أى ما يستطيع حمله من أغراض وأسلحة، بحيث يستطيع القتال ولا يعطله ما يحمله من أشياء:

«ـ كان فى تقديرنا أن تبدأ المعديات فى العمل بعد حوالى «من 5ـ 7 ساعات» من بدء الهجوم،وأن تبدأ الكبارى فى العمل بعد ذلك بحوالى ساعتين،ونتيجة لذلك فإن الدبابات والأسلحة الثقيلة لن تعبر إلى الشاطىء الآخر بأعداد مؤثرة تسمح بتدعيم «المشاة» فى القتال إلا بعد حوالى «12ساعة» من بدء عبور المشاة أما الوحدات والعناصر الإدارية فإنها لن تصل إلى وحدات المشاة إلا بعد حوالى «18ساعة» من بدء الهجوم،إن هذا الموقف يشبه إلى حد ما،موقف وحدات « المظلات»التى يتم إنزالها فى عمق العدو،حيث تبقى هناك لمدةيوم أو يومين إلى أن تتصل بها القوات الرئيسية الصديقة وهى خلال هذه الفترة تعتمد اعتمادا كليا ومصيريا على ما تستطيع حمله معها من أسلحة وعتاد وغذاء وماء،وللحقيقة فإن موقف جندى المشاة المكلف بعبور القناة كان أصعب من موقف جندى المظلات الذى ينزل فى العمق،لأن جندى «العبور» سيواجه بهجمات مضادة مدرعة بمجرد أن يضع قدمه على الشاطىء الآخر،لذلك كان يجب علينا أن نجهزهذا الجندى  تجهيزا يسمح له بمقابلة التحديات،ولتحقيق ذلك كان يجب على هذا الجندى أن يحمل عددا كافيا من الأسلحة المضادة للدبابات ولاسيما الصواريخ «مالوتكا»حتى يمكنه أن يدمر الدباات التى تهاجمه وأن يحمل الصواريخ المضادة للطائرات «سام ـ 7» حتى يمكنه أن يدمر الطائرات التى تهاجمه من ارتفاعات منخفضة،وكان عليه أن يحمل ما يكفيه من ذخيرة وطعام ومياه «لمدة يوم كامل» وكان عليه أن يحمل ألغاما مضادة للدبابات حتى تساعده فى الدفاع عن مواقعه المكتسبة ضد هجمات الدبابات، وقد قمنا بعمل «كشوفات تفصيلية» تشمل كشفا خاصا لكل جندى فى فرقة المشاة طبقا لوظيفته وفى هذا الكشف حددنا ما يتحتم على كل جندى أن يحمله،وكانت الأحمال تتراوح بين «23ـ 25كيلوجرام» وفى أحوال نادرة كان بعض الجنود يحمل «30كيلوجرام»،لقد بدا واضحا أن «الشدة الميدانية « التى كان معمولا بها فى القوات المسلحة فى ذلك الوقت أصبحت لا تتناسب مع الظروف الجديدة،وقدقامت إدارة المهمات بالكثيرمن التجارب حول هذا الموضوع إلى أن توصلنا إلى خمس عينات مختلفة،بحيث تستطيع كل منها أن تخدم عدة أحمال،كذلك قمنا بتغيير «زمزمية» المياه التى يحملها جنود العبور،كانت الزمزمية المستخدمة فى القوات المسلحة تسع ثلاثة أرباع اللترمن المياه فاستبدلناها بأخرى تسع « لترين ونصف اللتر» حتى يكون مع «جندى العبور» ما يكفيه من المياه لمدة يوم كامل «هذه الكية هى الحد الأدنى من المياه الذى يحتاجه الفرد»

 عربة الجر اليدوية

يضيف ـ الفريق الشاذلى ـ فى مذكراته إنه استفاد من العدو الإسرائيلى استفادة،كان لها أبلغ الأثر فى عملية عبور قناة السويس، ومن خلال هذه الخبرة المنقولة من «العدو» أمكن للقوات المسلحة المصرية أن تحقق معجزة العبور ويضيف رئيس أركان حرب القوات المسلحة ومهندس العبور قوله:

«ـ  على الرغم من الأحمال الثقيلة التى كلفنا بها جنود المشاة بحملها إلا أنى لم أكن مطمئنا بالقدر الكافى على قدرة «المشاة» فى الاستمرار فى المعركة لمدة طويلة،لقد كانت الذخيرة  التى يحملونها قليلة جدا ومن الممكن أن تستهلك فى قتال عنيف خلال ساعة زمنية واحدة،وعلاوة على ذلك فإنهم لايحملون ألغاما أو كاشفات ألغام أو وسال مواصلات كافية أو علامات إرشاد،وكان الحل الأمثل لكل هذه المشكلات  هو إدخال «عربة جر يدوية» يمكن جرها بواسطة فردين بعد تحميلها بحوالى «150 كيلوجرام» من الذخائرأو المعدات العسكرية،وقصة تصنيع هذه «العربة « طريفة وجديرة بأن تروى، وقصتها بدأت عندما عينت قائدا لمنطقة البحر الأحمر العسكرية فى يناير 1970، وكان أول عمل قمت به هو دراسة العمليات العسكرية السابقة التى قام بها العدو فى هذه المنطقة على الطبيعة،وكان من ضمن هذه العمليات قيام العدو بقصف ميناء» سفاجة» بالمدفعية ليلا،وذلك قبل أن أتولى قيادة المنطقة ببضعة أشهر،وذهبت إلى «سفاجة»  وعاينت الحفر المتخلفة من قصف المدفعية،فاتضح لى أنها لابد أن تكون نتيجة قصف «هاون» من «عيار120ملليمتر» وبحساب مدى «الهاون 120» وأنسب الأماكن للهبوط بطائرة هليوكبتر،سألت نفسى «لوأنى مكتن العدو لنزلت فى هذا المكان أو ذاك المكان ؟» وانتقلت إلى المكانين اللذين تصورت أن يكون العدو قدعمل من أى منهما، فوجدت فى أحدهما جميع الشواهد التى تؤكد صدق تخمينى، لقد كانت بقايا القصف مازالت فى مكانها وبجوارها عربةصغيرة ذات أربع عجلات،ولها ذراع طويلة للجر،وكان واضحا أن طاقم الهاون الإسرائيلى،قدنقل طلقات « الهاون «  فى هذه العربة إلى مربض النيران الذى كان يبعدحوالى «400متر» من مكان هبوط  الطائرات، لقد أعجبت كثيرا بهذه «العربة»وأخذتها عند عودتى إلى مركز القيادة واستدعيت رئيس الشئون الفنية بالمنطقة  وعرضت عليه العربة وقلت له «أريج أن تصنع لى ست عربات مثل هذه العربة»وبعد أن فحصها قال لى إنه يستطيع أن يصنع أفضل منها ولكن المشكلة تكمن فى «العجلات»،فالقوات المسلحة لا تستخدم عجلات من هذا النوع الصغير،وإن العجلات التى يمكن استخدامها هى عجلات الدراجة النارية «فيسبا»،وقام رئيس الشئون الفنية بشراء العجلات المطلوبة من سوق «الكانتو» فى القاهرة،وبعد عدة تجارب وجدنا أن أقصى حمولة يمكن جها بواسطة فردين فوق أرض غيرممهدة هى «150كيلوجرام»،وبينما كنت أفكر فى مشكلات «العبور» تذكرت عربات الجر الست  التى تركتها فى البحر الأحمر،واستدعيت اللواء جمال صدقى « مدير إدارة المركبات فى القوات المسلحة فى «21يوليو 1971» وعرضت عليه واحدة من هذه العربات وقلت له «أريد أن تصنع لى ألف عربة « وبعد عدة أيام عاد ليخبرنى أنه لو اشترى جميع العجلات المتيسرة فى السوق المحلية فإنه لن يستطيع تصنيع أكثر من مائة عربة،أما إذا أعطيته مهلة ستة شهورفإنه سيكون قادرا على تصنيع جميع هذه العربات بعد أن يكون قد  استورد العجلات المطلوبة من الخارج،ووفى اللواء «جمال صدقى « بوعده فكان لدينا خلال يناير 1972 ألف عربة من هذا النوع،وعندما اقتحمت «قوات المشاة» قناة السويس فى أكتوبر1973 كانت تجر معها «2240 عربة «من هذه العربات محملة بالذخائروالألغام والمعدات العسكرية «يبلغ وزنها 336 طنا»، شكرا للعدو الإسرائيلى صاحب الفكرة، وشكرا لجميع رجال إدارة المركبات الذين قاموا بتصنيع هذه العربة.

 تنظيم عبور القوات

ويصل الفريق ـ الشاذلى ـ فى مذكراته إلى محطة «عبورالقوات « من غرب قناة السويس إلى سيناء، ويصف لنا الخطوات التى اتخذت للسيطرة والتحكم فى عملية العبور، حتى تصل القوات إلى الأرض المحتلة آمنة، سالمة، جاهزة للقتال الذى ينتظرها  ويضيف :

ـ عبورمانع مائى شبيه بقناة السويس هو عملية بالغة التعقيدوتحتاج إلى إجراءات دقيقة وإذا لم تتم هذه الإجراءات طبقا لنظام دقيق وتحت سيطرة حاسمة من الانضباط فإن العملية بأكملها قد تتحول إلى فوضى عارمة،لقدقسمنا وحدات « المشاة» المكلفة بالعبور إلى مجموعتين، المجموعة الأولى هى مجموعة المترجلين الذين يقتحمون القناة فى قوارب مطاطية ثم يعتمدون على أرجلهم فى التحرك بعد وصولهم إلى الشاطىء الآخر،أما المجموعة الثانية فتشمل الوحدات والأطقم ذات الأسلحة  الثقيلة التى تنتظر على الجانب الغربى إلى أن يتم فتح الممرات فى السد الترابى وتشغيل المعديات والكبارى،كان العبورعلى المعديات والكبارى لايتم بالوحدات المتكاملة بل كان يتم تبعا لأهمية كل مركبة ومدى حاجة «المشاة» إليها،ومن أجل ذلك تم تقسيم مركبات كل «فرقة مشاة» إلى ست أسبقيات،كانت الأسبقية الأولى تشمل الدبابات وعربات القتال وعربات اللاسلكى ومدافع « الهاون» وعددا محدودا من العربات التى تنقل الذخيرة وتبلغ هذه المجموعة «200دبابة « و»750 مركبة»،وكانت الأسبقية الثانية تشمل وحدات المدفعية ووحدات الدفاع الجوى وعددا إضافيا من العربات التى تحمل الذخيرة لكى يصل إجمالى الذخيرة التى مع المشاة المترجلة إلى وحدة نارية،وتبلغ هذه المجموعة «700مركبة»، أما الأسبقية الثالثة فكانت تشمل باقى العناصر الإدارية التابعة لكتائب المشاة وكتائب المدفعية المضادة للطائرات وكان مجموع هذه الأسبقية «600مركبة»وكانت الأسبقية الرابعة تتكون من الوحدات ولتحقيق هذا قمنا باتخاذ الإجراءات التالية :

ـ ترقيم القوارب المخصصة لنقل المشاة بأرقام متسلسلة من اليمين إلى اليسار داخل الفرقة من رقم «1 «إلى رقم «144»

ـ تحديد نقطة انطلاق كل قارب من ناحيتنا ونقطة وصوله إلى الجانب الآخر بعلامة إرشاد كبيرة يمكن رؤيتها وتمييز رقمها نهارا أوليلا من الجانب الآخروذلك حتى يعرف كل قارب وجهته فى الذهاب والعودة

ـ تم تخطيط طرق طولية تسلكها الوحدات فى طريقها إلى نقاط العبور، وأعطى لكل طريق رقم وون مميز

ـ تم تخطيط طرق عرضية تربط بين الطرق الطولية وأعطيت لها أسماء «أ، ب، ج»

ـ قمنا بعمل رسم تخطيطى لمنطقة شرق القناة حتى عمق «5كيلومترات»ورسمنا عليه خطوطا طولية تتقابل مع الخطوط الطولية التى فى ناحيتنا، وتحمل الرقم واللون نفسيهما .

ـ تم تمييز كل وحدة ووحدة فرعية بعلامة مميزة توضع على خوذة الجندى .

ـ تقوم وحدات الشرطة العسكرية التى تعبرمع المشاة بحمل علامات التمييز والفوانيس التى تمكنها من تحديد الطرق شرق القناة طبقا للمخطط الذى سبقت الإشارة إليه وبالألوان المحددة نفسها

ـ قمنا بطبع علامات مميزة تحدد أسبقية العبور ويتم لصق هذه العلامة على زجاج العربات .

ـ أعطى لكل مركبة رقم مسلسل «طباشيرى « يحدد أسبقية عبورها داخل وحدتها .

ـ قمنا بعمل جداول تفصيلية تحدد الوقت الذى تخرج فيه عربات كل وحدة من منطقة التجمع والطريق الذى تسلكه والمعبرالمحدد لها والتوقيت الذى تبدأ فيه بالعبور .

ـ كان تلقين المعلومات  يصل إلى مستوى الجندى وسائق المركبة، فقد كان كل فرد يعرف ما يخصه بالتفصيل ويترك الباقى لقائده، كان الجندى مثلا مطلوبا منه أن يعرف رقم قاربه والأفراد الذين يركبون معه فى نفس القارب وترتيب الركوب وترتيب النزول ومن هو الجندى الذى يكون على يمينه ومن هو الجندى الذى يكون على يساره أثناء  ركوب القارب،أما السائق فكان عليه أن يعرف رقمه « الطباشيرى « والوقت الذى يجب عليه أن يخرج فيه من حفرة الوقاية والطريق الذى يسلكه،واسبقيته فى العبور،ورقم المعبر الذى يعبرعليه وسرعة العبور، ثم رقم ولون الطريق الذى يسلكه بعد عبوره والإسم والعلامة المميزة للوحدة الفرعية التى سوف ينضم إليها

ـ تم تشكيل قيادة خاصة للسيطرة على عملية العبور.

 ماذا لو تدخل العدو؟

ونختتم عرض هذا الفصل المهم من مذكرات «مهندس العبور» الفريق «سعدالدين الشاذلى « رئيس أركان القوات المسلحة المصرية أثناء حرب أكتوبر بسؤال طرحه فى هذا الفصل هو»ماذا يمكن أن يحدث لو تدخل العدووانقلبت التوقيتات رأسا على عقب؟» ويجيب بنفسه على السؤال :

«ـ أود أن أوضح أن جميع توقيتاتنا قد أدخلت فى حسابها مثل هذا التدخل، وأن التوقيتات التى ذكرنا تزيد كثيرا على التوقيتات التى أمكن تحقيقها فى التدريب نهارا وليلا وحوالى خمسين بالمائة على التوقيتات التى يمكننا تحقيقها فى التدريب ليلا،وبالتالى فإن توقيتاتنا المحسوبة تستطيع أن تستوعب مثل هذا التدخل مالم يتطور مثل هذا التدخل فى بعض القطاعات إلى اعمال غير متوقعة،ومع ذلك فلكى نقابل مثل هذا الاحتمال أنشأنا قيادة خاصة لتنظيم عملية العبوروزودناها بكل ما تحتاجه من إمكانات وكان على قمة هذه القيادة فى كل فرقة «رئيس أركان الفرقة «،كما كان رئيس أركان كل جيش هو المسئول عن الأول عن السيطرة على عملية العبور،كانت هذه القيادة تسيطر على «40نقطة» عبورمشاة، فى «18قاربا» و»35معبرمعدية» فى كل «2ـ 3 معدية»و»15كوبرى»ـ 10 ثقيل و5 خفيف ـ ولكى تستطيع الوحدات الفرعية الوصول إلى هذه النقطة فإنه يتحتم عليها أن تمر فى سلسلة من نقاط المراجعة التى تمتلك سلطة السماح  لها بالمرور أو إيقافها وذلك طبقا للموقف،فلو فرضنا مثلا أنه تم تدميرأحد الكبارى تدميرا كبيرا وأنه لن يمكن إصلاحه إلا بعد بضع ساعات فإنه يمكن تحويل العبور إلى كوبرى آخر بالأ سبقية نفسها التى كانت لها على الكوبرى المدمر،وحتى نضمن السيطرة الكاملة على عملية العبور فقد خصصنا لهذه المهمة «خمسمائة ضابط» و»ألف ضابط صف» وجندى ومعهم «خمسمائة جهاز لاسلكى «و»مائتى هاتف ميدانى « وما يزيد على سبعمائة وخمسين كيلومترا من أسلاك الهاتف الميدانية.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

مصر والسعودية جناحا الأمة وركيزة استقرار الأمـن القـومى العربى

جاءت زيارة وزير الخارجية السعودى الأمير فيصل بن فرحان إلى القاهرة مؤخرًا فى توقيت بالغ الدقة والحساسية، ليس فقط بسبب...

الاعتـراف بـ«صومالى لانـد».. حماقــة إسرائيلية جديدة.. والعواقب وخيمة

شبانة: تحرك خبيث لاستكمال مخطط التهجير الزغبى: تحالف شيطانى ثلاثى.. فى توقيت حرج الطويل : تدويل البحر الأحمر وتوغل إسرائيلى...

العالم يترقب طبول الحرب العالمية الثالثة والصين تتخلى عن هدوئها

السفير معتز أحمدين: القوة الأمريكية تتآكل.. وكل دولة تسعى لتعظيم مكاسبها هانى الجمل: إعادة هندسة أمريكا اللاتينية.. وفنزويلا ساحة للصراع...

وسط اشتعال الصراعات بين الأقطاب الكبرى.. حدث ضخم ينتظــر العالم

الاتحاد الأوروبى يستعين بالقدرات المصرية فـى الأمن والدفاع.. و«القاهرة» تُحدّد مطالبها مصر تفتح ذراعيها للمبدعين.. ومزيد من الحوافز والتيسيرات للمستثمرين...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص