السعادة ممكنة - دائمًا وأبدًا لاعزاء للسيدات

لا شك أن الزواج تجربة صعبة ورباط اجتماعى شديد الوطأة، وهو كذلك بالنسبة للرجل والمرأة على حد سواء.. لكن.. وحيث إن البشر يمارسونه باضطراد وانتظام وبأعداد كبيرة فى كل لحظة من كل يوم فمن البديهى أن يكون فى هذا الرباط وما يترتب عليه من أبناء يسمحون للأهل بأن يمارسون مشاعر الأبوة والأمومة مزاياه العديدة التى تحافظ عليه كظاهرة رغم شكوى الكثيرين منه.

 

 كان هذا محور اهتمام الدراسات الاجتماعية والسيكولوجية لسنوات فاقت المدى فى محاولة لفك رموز المعادلة، حيث أكدت تلك الدراسات على أن الزواج ليس علاقة يدخلها الزوجان بإرادة حرة ويستمران فيها بذات الإرادة، بل وينهيونه -إذا ما اضطروا لذلك- بالإرادة نفسها، بل  وبمعرفة مطمئنة بأن لكليهما هذه الحرية. صحيح أن الهدف من إقامة العلاقة  الجدية والاستمرار وأن الخروج منها سواء بالنسبة للمرأة والرجل هو الاستثناء، ولكننا هنا نتحدث عن تعقيدات اتخاذ قرار الانسحاب وآليات اتخاذه بل وتبعات عدم اتخاذه أو الامتناع عنه.

فالرجال والنساء فى كل بلاد العالم عربية، أوربية وأمريكية -وحتى الآن- لا يعامل الزوجان باعتبارهما طرفين متساويين فى الحقوق والواجبات القانونية على الأقل ربما يشتركان فى المعاناة التى تواكب الوصول إلى قرار الطلاق واتخاذه ولكنهما لا يتساويان فى الفرص المتاحة لتنفيذ هذا القرار أو فى الوضع الاجتماعى بعد الوصول إليه، ولا يتساويان كذلك فى  الثمن المبذول من كل منهما جراء هذا الطلاق.

 ومن هنا يعتبر قرار الخروج من العلاقة فى حد ذاته أمرا غير هين على كليهما وإن اختلفت صعوبات ذلك لدى كل من الرجل والمرأة، ثم بافتراض أنه قد تم اتخاذ القرار فإن أحد الأطراف وهو الرجل يصبح قادرا على تنفيذه أما الطرف الآخر فلا يكون قادرا على ذلك إلا بإقناع طرف من اثنين إما الرجل ذاته الشخص ذاته المطلوب الانفصال عنه وإما القاضى وهنا تضطر المرأة إلى إدخال طرف غريب إلى حياتها ودخائلها. وخصوصيتها حتى إنها تضطر إلى أن تعيب  فى زوجها الذى يكون فى الغالب أصبح والد أبنائها، وأن تغض الطرف عما قد يدمره ذلك من حيث إمكانية إقامة علاقة محترمة بين الطرفين بعد الطلاق، وما حيلتهن وهذا ما تطلبه المحكمة؟ حتى إن هناك عددا ليس قليلا من النساء اللواتى تقبلنا الاستمرار فى زواج لا يرغبن حيث أبت نفوسهن هذا التشهير.

 وهنا يطل علينا التساؤل.. عن تلك الكراهية التى يؤججها هذا النظام القضائى بين طرفين يطلب أحدهما فسخ العقد مع الآخر لتنتقل العلاقة من حالة عدم التوافق إلى حالة العداء.

 ولأن المرأة دائما هى الكائن الأضعف حيث تنشأ على الاحتمال وتقديم الآخر والتحايل على الأمور.. فجأة وفى لحظة الطلاق يطلب منها أن تلقى بكل ذلك وراء ظهرها وأن تعرى حياتها أمام غرباء، هل لنا أن نتخيل حجم المعاناة النفسية التى تضمنها هذا الخيار بالنسبة للمرأة هل تتخيل حجم الغضب الذى يمكن أن تعانيه أمام عجزها عن تعرية الذات أمام غرباء أو احتمال حياة غير مرغوب فيها.

 إنها تلك الخيارات المستحيلة التى لا يمكن تجاوزها بسلامة.. ففى الطريق إليها غالبا ما تتغير الأنماط وتتهدم القيم التى تتصورها الناس ثابتة، بل تنتهك الخصوصيات.. كل ذلك من أجل حق بديهى مطلق للرجل ومقيد بألف قيد للمرأة لتكون الغلبة دائما لتلك الرغبة فى الانتقام على كل قيمة أخرى وتتحول ساحة المحكمة إلى ميدان لمعركة تشهير متبادل.

وهكذا.. نستطيع القول شتان بين أن تدخل المرأة فى علاقة على قدم المساواة مع الرجل أو أن تدخل العلاقة نفسها وهى تعلم مسبقا أنه لا مفر منها بسهولة إذا فشلت ولتبقى مسئولية إنجاح العلاقة على عاتقها وحدها، وهو ما يؤكده ذلك الخطاب المجتمعى الذى لا زال أصحابه يؤكدون على أن (الست الشاطرة متخربش بيتها) و (الست الواعية تمشى أحوالها) تلك  الأرضية التى لا تزال المرأة تسير عليها فى طريقها طلبا للطلاق.

 إن هذه الحسبة كلها لا يمكن أن يترتب عليها إلا الخوف والترقب، بل والحرص كل الحرص على أن تبدو ممارستها لدورها كزوجة متطابقة قدر الإمكان مع ما ينتظر منها وليس مع ما تريده، فالرغبات بحساب والطلبات بالتواء والرأى يجب أن يقال بتردد والحسم يجب أن يبدو دايما فى يد الرجل والغضب يجب أن يكبح إلى أن يتجاوز حدود الاحتمال فيخرج طافيا مفتقدا للمنطق فى بعض الأحيان فتكون الألقاب جاهزة (مجنونة – شعنونة – عصبية – مستهترة)، وبعد كل هذا يكون منطقيا جدا أن تدخل المرأة دائرة الاكتئاب حيث تتأكد من أنه لا مخرج من الوضع الحالى، وأن الغد لا يحمل إمكانيات أفضل بالإضافة إلى إدانة الذات باعتبارها مسئولة عن ما وصلت إليه.. ودائما وأبدا لا عزاء للسيدات!

Katen Doe

دعاء السنجري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

حكايات عادية جداً- نوح «19» كن جميلًا

أنك مثقل، وأن الدنيا تشد ذراعيك لتوقعك فى فتنتها، أشعر بك، وأقدر الحيرة التى تعتريك، لكننى لابد أن أحدثك فى...

نحو الحرية - شكراً للرئيس

لا شك أن تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ملف الانتخابات البرلمانية يعكس إدراكًا واضحًا لخطورة هذا الاستحقاق، وأهميته فى...

حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا

عجبى على رجال عدوا البحر ما اتبلوا/ عدوه بحرده لا مالوا ولا ذلوا

نحو الحرية - أرض الصومال

لا يمكن النظر إلى إعلان إسرائيل الاعتراف بما يعرف بـ (أرض الصومال) او (صومالي لاند) باعتباره موقعا دبلوماسيا عاديا أو...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص