نوح « 13 » - ما لذَّةُ العيشِ إلّا صحبةُ الفقرا

ضرار/ أغسطس ٢٠١١ كنت أعتقد أننى كلما توغلت أكثر فى الجبل، سأكون أبعد عن مشاكل ضرار، لكن الشيخ نعيم صحح لى الأمر، ليس المأمن فى البعد، كثيرًا ما يكون فى القرب والمواجهة،

وليس بالضرورة أن تكون المواجهة بالطريقة التى تحرضنى عليها أمى، ويطالبنى بها رضوان، ليس بالضرورة أن يكون السلاح هو الحل الوحيد لاسترداد الحق، ليس بالقتل والدماء يُقام العدل فقط.

أشار الشيخ نعيم، إلى قمة الجبل الأحمر، الملاصق للقرية، نراه منذ طفولتنا ونعرف أننا وصلنا ضرار بظهوره ونحن عائدون من السفر، يُقال إن كل من حاول صعود قمته وقع على جدور رقبته، ضحك الشيخ نعيم وهو يقول: "الصعود صعب على من لا يعرف"، وكان يعرف، صحبنى إلى قمة الجبل، رغم كبر سنه، كان يشرح طريقة الصعود كما لو كان عملية حسابية، ثلاث خطوات للشمال ثم اثنتان لليمين، ومثلهما لأعلى، ثم واحدة يمينا ونزول خطوة واحدة بعدها، كان سر الصعود فى تلك المسألة، حفّظنى إياها حتى بت أصعد وأنزل فى الظلام بعد ذلك، حين وصلنا للقمة بدا كل شيء مكشوفا فى ضرار، ها هى "الضهرة" أرض أبى المغصوبة، وها هى المدرسة الإعدادية والابتدائية التى كانت تذهب إليها عفاف، الطريق القديم، وهناك النيل يتمدد كالحنش من بعيد، وها هو مقام سيدى ضاحى، ونجع العمدة حيث الوحدة المحلية وملعب الكرة، وها هى بيوت أولاد عمى، الديابة، محشورة فى المنتصف، عشوائية وقبيحة، وهناك بيوت النوًر، قصيرة على الأطراف، كنقاط على خريطة.

لأول مرة أشاهد ضرار من أعلى، اللون الأخضر يحيطها فيخفى شقوقها وجحورها الصغيرة، إنها أصغر مما تخيلت، وأجمل مما تخيلت، وضع الشيخ نعيم يده على كتفى، ويقول: يعلم الجبل الترفع عن الصغائر، فوق قمته تتسع الرؤية، تسمو الروح ويصفو الفكر.

***

عشت بين عالمين متناقضين، عالم يُجهزنى للثأر، وآخر يدفعنى للسلام، عالم رضوان ابن خالى وعالم الشيخ نعيم.

فى عالم رضوان، كانت الأحاديث عن التحالفات التى فرضها الواقع الجديد فى ضرار، من يصارع من؟، من سيكون معانا ومن سيكون ضدنا حين تحين المواجهة، عدو عدوى حبيبى، وفى الأحاديث ظهرت مشكلة، من أين نأتى بالسلاح؟

وجاء الحل ليلا، كنت فى قمة الجبل، حين سمعت أصوات سيارات تمشى فى ترقب على مدق قريب، تدخل المدق بأنوار مطفأة، بمتابعتى للأمر عرفت أنها تأتى من الصف والسويس والبحر الأحمر ومطروح، بيعٌ وشراءٌ فى الظلام، مخدرات وسلاح.

كانت السيارات كثيرة، وكأن كل ضرار تركت الزرع والقلع وجاءت تتخفى فى الظلام لتتاجر فى المخدرات والسلاح، أما الطيبون منهم فجاءوا للجبل بحثًا عن "لقية"، كنز يخرج بالتنقيب عن الآثار، ومنهم من كان مثلى، هاربا من الظلم، لا يعرف أى طريق يسلك.

تغيرت ضرار كثيرا فى الشهور التى تلت ما جرى فى القاهرة وبعض محافظات بحرى فى يناير ٢٠١١، غاب الأمن وتحرر الناس من الخوف، فظهرت معادنهم الحقيقية، كثيرون نسوا الله وهم يلهثون وراء المال أو الزعامة ويفردون عضلاتهم على الطيبين، السلاح غزا القرية، ووصل إلى أيدى الصغار وأصحاب النفوس الضعيفة، زاد القتل، وكثرت العصابات، واختبأ الفقراء فى جحورهم.

**

ما لذَّةُ العيشِ إلّا صحبةُ الفقرا/ هم السلاطينُ والساداتُ والأمرا

فاصحبهُم وتأدَّب فى مجالسهِم/ وخلِّ حظَّك مهما خلّفوكَ ورا

واستغنم الوقتَ واحضر دائما معهم/ واعلم بأن الرضى يختص من حضرا

جلست وسط الحضرة فى خيمة الشيخ نعيم، أخبرنى همسا أنه أشترى لى سبعة أغنام، سيأخذ ثمنهم منى بالتقسيط، وسيتولى وأولاده وأحفاده رعيهم ورعايتهم، ومن التجارة فيهم، البيع والشراء والإنجاب، سيكون لى دخل، يوفر لى الطعام والشراب.

- وثأر أبى؟، صديقك؟

لم يجبنى الشيخ نعيم، راح ينشد مع المداح "ولازِم الصمتَ إلا إن سُئِلت فقُل/ لا علم عندى وكُن بالجهلِ مستتِرا".

مسكت يده، نظرت فى عينيه: وثأر صديقك، أبى؟ وحقه؟ وأرضه؟ والسنوات التى دخلها فى السجن ظلما؟ وإعاقة أختي؟ وثمن بقائى هنا مطاردًا فى الجبل؟ أتريدنى أن أعيش ضعيفًا هشًا أعيش على الهامش؟!.

- أنت لست ضعيفًا، ولا أطالبك بأن تتخلى عن حقك، لكننى أريدك، إذا اخترت ذلك، أن تعرف أن الكراهية لا تورث إلا كراهية، وأن الدم لا يمحو الدم، وأن الفائز الحقيقى هو من يُبقى قلبه نقيًّا، من يرد الظلم بالعدل، والعنف بالرحمة.

***

أى الطريقين أسلك؟

أستطيع أن أكون شريكًا فى تجارة المخدرات، أن يكون لى عصابة، وهذه نتيجة عادية ومتوقعة لشخص مثلى، يعيش فى قريةٍ يتغلغل فيها الدم والسلاح، القتل فيها وجه آخر للكلام، تُصفق الناس للباطل فى المجالس. أستطيع أن أكون مثلهم، أو أشدّ قسوة، ما لقيته كافٍ لأن يجعل قلبى يتيبّس، وعقلى لا يرى إلا السلاح سبيلًا.

لكن هناك شيئا ما يجعلنى مترددا، ليس خوفًا، ولا عجزًا، كنت كلما فكّرت أن أرد الظلم بالقوة، ينقبض قلبى.

***

نوفمبر ٢٠١١

كان نهارًا خانقًا، لم يكن الجبل على طبيعته فى هذا اليوم، كان غاضبًا، وظل غاضبًا حتى بعد أن غابت الشمس وأشعلت نهاره بالوهج، ظل يحمو، وظللت ألتقط أنفاسى بصعوبة، بينما السماء ملغمة بالسحاب، جسمى يشر عرقا، الذباب والناموس يجتمعان ويزنان، لا راحة لإنسان أو طير أو حيوان.

لم أعرف يومها أن أستيقظ أو أنام، تمددت فى الجبل، منتظرًا فرج الله، فهجم البرق والرعد، تسلل إلىَ الخوف من غضب الطبيعة، نزلت من الجبل مهرولًا، وقبل أن تطأ أقدمى خطوتى الأخيرة، كان السيل.

جرفنى السيل معه، أفقدنى القدرة على التحكم فى جسدى لدقائق قبل أن أتشبث بحجر راسخ وأسلم نفسى لمخر السيل المندفع، ظللت متشبثا بالحجر ربما مرت لساعة أو أكثر، حتى هدأ السيل، ووقفت على قدمى أتحسس نفسى والطريق.

ظللت أهرول فى الظلام، لا أعرف إلى أين، تغرس قدماى فى الوحل، أقاوم وأهرول حتى اصطدمت بجسد أمامى، كانت امرأة أو فتاة.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حكايات عادية جداً شهادات تنشر لأول مرة إمام.. سيرة أخرى «1»
حك\
كنت واقفا مع رضوان، أعلى الجبل، كان متحمسًا وهو يشير إلى "الضهرة"، ويع
حكايات عادية جداً زيارة لأكبر سباق خيل شعبى فى صعيد مصر
حكايات عادية جداً: نوح «16» أخبار وأهرام كل يوم فى بلاويكى
عطا
عطا
عطا

المزيد من أقلام

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...

بروح رياضية - «جمال» متعمد

ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،


مقالات

البـاب الأخضـر
  • السبت، 14 مارس 2026 09:00 ص
مسجد الفتح بميدان رمسيس
  • الجمعة، 13 مارس 2026 09:00 ص
وحوى يا وحوى وتحطيم الهكسوس
  • الخميس، 12 مارس 2026 06:00 م