ضرار فبراير ۲۰۱۱ لم أكن في حاجة لأكثر من هذا الحضن كي أواجه العالم.
آه يا أمي ثلاثون عاما مرت على آخر مرة احتضنتني فيها، منذ أن كنت في الرابعة أو الخامسة، لا أذكر لكنني كثيرا ما تساءلت عن تلك الجفوة، أعرف أنك تحبينني لم أشك في ذلك قط، وأنا أحبك وأنت تعرفين كفانا يا أمى ملعون أبو الأرض وأبو الثار ملعون أي شيء يمنع أما من احتضان ابنها، من الطبطبة عليه
یکت وبكيت دون أن يترك أحدنا الآخر، لم أترك حضنها إلا حين شعرت برعشتها، يداها وجسمها يرتعشان توقفت مالك يا حزينة ؟ ما الذي أصابك يا صابرة ؟
قالت وهي تتطلع إلى: "أنا زينة، شفتك وبقيت زينة. قوم اتسبح وكل لقمة وتتسهل".
هناك عتاب يأتي دون كلام، يأتي في نظرة طويلة حانية، هو أصعب مائة مرة من عتاب قاس ينطق به اللسان.
قضيت في الحمام ما يقرب من الساعة، كنت أحاول أن أزيح فيها عن جسدي ما أصابه من السجن وعن نفسي ما لحق بها من ألم، وحين خرجت وجدت الطبلية مفرودة، وعليها دجاجة خارجة للتو من الحلة، سلمت يدك يا حليمة، أكلت كمن لم يأكل من قرن، لا خبز يشبه خبز بيتنا، ولا طبيخ مثله.
جاءت حليمة أختى بالشاي، ثم جلست بجواری لتخبرني بما لا أعرفه.
أمي لها خمس سنوات على هذا الحال اليدان ترتعشان لم تعد تغزل الصوف، تقف من على الدكة بصعوبة، تستحم وترتدى ملابسها بصعوبة، وفي الليل تراودها الكوابيس في إحدى المرات داخت ووقعت على الأرض، استعنت بشقيق رضوان محمد السائق الذي يعرف أطباء قنا، قال الطبيب إن الرعشة ستلازمها، وكتب لها أدوية، طلب أن تكررها.
تركتنا للى يسوا واللى ما يسواش يا نوح".
كانت المرة الأولى التي أسمع فيها صوت أختى حليمة مرتفعا، تركتها بريئة وخجولة، وعدت لأجد القسوة في عينيها، عدت لأجدها تعرج، قالت إنها وقعت من على السلم فالتوت قدمها، لم أعرف بتلك الواقعة، ولم يخبرني أحد بمرض صابرة، أمي كانت حريصة على ألا أعرف شيئا عنهما، كانت تعاقبني بألا اعرف كي لا أعود شفقة عليهما، أرادتني صابرة أن أجيء تحت قدميها غصبا على "متكنفل على بوزي". طلبتها من الله وقد منحها ما طلبته ورسمته بالضبط.
ليس لدي كلام للدفاع عن نفسى، ما عاشته الاثنتان كان صعبا لا يليق أمامه الكلام مهما كان، سكت حتى صدح قرآن الفجر يوما ما سأعود يا أمي، سأعود يا اختى، لنتحدث كثيرا، أما الآن لابد أن أمضى، ولا تسألاني إلى أين؟
جمعت بعض البطاطين، أخذت أرغفة عيش وجبنة قديمة وشايا وسكر وجركن ماء، واتصلت برضوان کی ینتظرني عند الجبانة واتصلت بصديق آخر طلبت منه قطعة سلاح، فلا أعرف ما يخبئ لنا الطريق.
تجمعنا في الجبانة، زرنا مقام الشيخ ضاحي طالبين العدد، وقرأنا الفاتحة أمام ضريحي سلامة و"أبو ناصر"، والفاتحة على روح أبي، كنت أريد أن أتحدث مع قبر أبي قليلا، لكني خفت من ظهور الشمس وخروج الناس ركبنا نحن الثلاثة على الموتوسيكل وانطلقنا إلى الجبل تحت ستر الصمت وما بقى من الليل، وحين وصلنا أول الجبل، قلت لرفيقي السائق جزاك الله خيرا يا ابن العم، أثبيت معنا أم تعود بدراجتك؟"
عاد بدراجته وحملت مع رضوان ما جئنا به من زاد ورحنا نمضي خطوة وراء خطوة في الصحراء ألقت الشمس أول خيوطها، حين وجدنا كهذا صغيرا قف هنا يا رضوان، ليكن هذا ماوانا.
نظفنا المكان، وفرشنا أغراضنا، وسلمنا أنفسنا للنوم. كنا مرهقين استيقظت والشمس أقرب للغروب أيقظت رضوان، ورحنا نجمع الحطب، أعددنا الأكل وشربنا الشاي.
- ماذا حدث مع أمي وأختى في غيابی یا رضوان؟ ولماذا لم تخبرني؟، ولماذا أنت هنا معنى ولا تريد أن تفارقني، مع أن لك بيتا وزوجة وأولادا ولست مطلوبا مثلى من الحكومة ؟
ضرار ٢٠٠٦
هل تذكر عم سليم؟ الرجل كبير السن الذي يأتي من سوهاج على عربة صغيرة يجرها حمار ويبيع الألومنيوم في القرى المختلفة، ألا تذكر حين كنا صغارا، نمشي خلف عربته، لتسمع الأغاني من الكاسيت الذي يعلقه في العربة، كان يغوى الشيخ عبد النبي الرنان
لما أنت خالي يا خال
جای ترمى بلاك على مين؟
أنتو الأطبة فتوني عليل على مين
يا مدعى الكبر هو الكبر علا مين؟
ياما قتل ناس كانوا علما وعلامين
تربطني بالرجل علاقة مودة، اعتدت إذا مر أمام بيتنا أن أسفيه الماء وأعزمه على كوب شاي، واعتاد أن يجلس ويحكى معى، يتحدث عن أولاده وأحفاده والفترة التي قضاها في المدينة بالسعودية، وعن القرى التي يجوب فيها من دار السلام بسوهاج حتى ضرار بقنا، ليبيع ويشترى ويستبدل القديم من الألومنيوم بالجديد، كان دائما ما يقول لي إن قريتنا ليس لها مثيل، فمع أن صراعاتها لا تنتهى، وضرب النار فيها لا يتوقف، غير أن أهلها يراعون دائما الغريب، يمنحوته الأمان منذ أن يدخلها وحتى يخرج منها.
الناس في ضرار يحيون عم سليم، النساء قبل الرجال فهو لا يضيق على أحد من معه يدفع ومن ليس معه. فليؤجل الأمر للمرة القادمة، الدنيا لا تطير.
ذات يوم جاءه طفل صغير بحلة قديمة يريد مكانها جديدة دون أن يدفع الفرق، ليس هذا الأمر ما فجر المشكلة، المشكلة كانت في الطريقة التي تحدث بها الصغير.
كان الصغير فاقدا للأدب، شتم عم سليم بأمه وأبيه. لعن البلد الذي جاء منه، وسب له الدين، سحب الرجل حلته الجديدة، وزق الولد للانصراف.
غاب الطفل قليلا وعاد وفي يده أبوه وعماه، شحاته ولكحل وغريب، ولاد هنية أبناء عمك عبد القادر جاءوا للشيخ المسالم ومعهم بندقية الى كنت عائدا للتو من العمل، حين وجدتهم يهبدون الرجل في الأرض، وبضاعته ملقاة في عرض الطريق، وعريته وحماره في الترعة، وجدت الرجل ينزف دما من فمه. استفزني المشهد، فتقدمت الأخلصه من أياديهم.
تركوه وتحولوا إلى الكثرة غلبت الشجاعة، لم يتركونى إلا بعد أن وضعوا التراب في فمي، ولم يتوقف عند هذا الحد.
سمعت خالتي صابرة، أمك بما حدث لي، فوقفت على باب بيتها، حتى من عليها الثلاثة، نهرتهم وسبتهم. كانت غاضبة، وكان يمكن لهم أن يتجاوزوا كلماتها ويمروا بسلام، لكن ولاد هنية لا يعرفون العيب تهجموا عليها دفعوا باب البيت عليها حتى وقعت على ظهرها، ومن وقتها وهي مصابة بالرعاش.
وحين رأت حليمة، أختك أمها واقعة على الأرض لم تسكت، خرجت خلفهم، تحدفهم بالطوب، أقصى ما فعلته المسكينة أن رمتهم بالطوب، فردوا عليها بالرصاص ضربوها في قدمها، كان يمكن أن تموت لولا أولاد الحلال الذين جاءوا لها بطبيب الوحدة فأخرج الرصاصة، وتركها بإعاقة دائمة.
أمك حلقتني على المصحف، كي لا أخبرك بالأمر حتى تعود والآن قد عدت وعرفت ماذا ستفعل ؟
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ذهب بنفسه ليتابع عن قرب خطة تدمير خط بارليف ليسقط شهيداً بين جنوده ونحن نحتفل بسيناء علينا أن نحتفل بهذا...
ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...
فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...
(سنوات من عمرى مضت أصابني قدرى فيها بمرض طويل تمتعت خلالها بسلام داخلى ورضا ويقين بتجاوز الأزمة، لذلك قضيتها -...