صورة - مريض اسمه العالم

كل صباح أشعر أننى غريب عن هذا العالم.. لا أعرفه، بل وما كنت أعرف من عوالم راحت تتلاشى، تختفى، أشعر أن هناك من قرر أن فى هذا العالم بعض بلاد بشعوبها وبحضاراتها وتاريخها وبيوتها وشوارعها وأساطيرها،

 محض مخلّفات ويجب إعادة تدويرها وإعادة تصنيعها حتى تخرج فى صورة أخرى، بلاداً جديدة على مقاس ومزاج ومصالح صاحب القرار، وهذا ليس من باب المبالغة! أشعر أن ناتج الحضارة الذى كان يزهو به العالم وأنا معه محض إنتاج مزيف وأن هذه الحرية التى ناضلت من أجلها الشعوب، حرية معيوبة ويجب إعادتها إلى مصنع الفكر الإنسانى لإعادة تصنيعها مرة أخرى، وأن ما يسمونه عدالة أصبح من الذكريات، فقط ما أجاد فيه العالم وببراعة بعد قرون من الفكر والفلسفة والدفاع عن الحرية والعدالة وأعداد لا تحصى من الضحايا فى سبيل ارتقاء الإنسانية، ليس سوى البراعة فى صناعة القهر والظلم وإذلال الشعوب.لا أرى سوى مريض اسمه العالم بعد أن أصبحت إبادة شعب ما فعلاَ عادياً كشراء الخبز اليومى، بعد أن أصبح فعل القتل اليومى خبراً لا يختلف فى استقباله أو إرساله عن حالة الطقس وأسعار العملات.

بعد الحربين الأولى والثانية تساءل الكتّاب عن الإنسان الجديد، تساءلوا بعد أن تصدعت القيم عن ماهية الكتابة فى تلك اللحظة، وكيف سيكون الإنسان الجديد بعد القنبلة الذرية؟ والآن وبعد أن أصبحت القنبلة الذرية من الكلاسيكيات، وحروب الإبادة من كماليات الحياة اليومية لبعض الساسة ومن أساسيات وجود الدول الكبرى، لا يكفى أن تتصدع القيم، بل أظن أن القيم تحطمت وتلاشت، فحين تتهاوى البلاد وتتحطم المدن، تتغير وتتبدل كأنها مادة متهالكة ويجب أن يعاد تدويرها، لا أعرف كيف سيكون الإنسان الجديد فى هذا العصر، ماذا يقرأ، وماذا يكتب وإلى أى نوع من الموسيقى يستمع، ماذا سيشاهد من مسرحيات أو أفلام؟ لا أعرف سوى أننا نعيش فى عالم أصبح مريضاً، يئن ويتألم كل يوم، كأنه يعيش ونحن معه فى كابوس، والمريض إما أن يتعافى أو يموت؟ وحتى يتعافى المريض يحتاج إلى أطباء مهرة ومخلصين، لا يحتاج إلى لصوص وصناع استبداد، حتى يتعافى يحتاج إلى دواء مادته الفعالة من المحبة والسلام، من اليقين بضرورة الحرية والعيش المشترك، ولكن كيف يتحقق هذا والمريض / العالم يتحكّم فى أموره، ويشرف على علاجة مجموعة من الحمقى والمجانين؟

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من أقلام

دبلوماسية الحضارات العريقة .. حوار التاريخ بين الوادي والنهر الأصفر

في عالمٍ لا تكتفي فيه الذاكرة الإنسانية بتدوين الأحداث العابرة، بل تحفر في صخر الزمن ملامح الخلود، تتقاطع خطى الأولين...

​الأهراماتُ المقلوبةُ.. أخطارٌ تهددُ الوطنَ والمواطنَ

​المتابعُ لما يجري على وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وفي التعاملاتِ والأحاديثِ المتعددةِ في الأماكنِ العامةِ والخاصةِ، وفي نطاقِ العلاقاتِ الاجتماعيةِ، ومع...

ما وراءَ المُسيّرَة .. كيف وُئِدَ الانفِجار قبْل أن يُولد..؟

لا تُختبر قوة الدول بمدى قدرتها على تجنب العواصف، بل بقدرتها على منع تداعياتها حين تقع؛ ففي لحظات الخطر، لا...

في مئويّة الصّوت وستّينيّة الضّوء.. "ماسبيرُو" والبعثُ الرّقمي لذاكرة الأُمّة

للمؤسسات الكبرى أعمارٌ لا تُقاس بما تمضي عليها من سنوات، وإنما بما تحفظه للأمم من ذاكرة. وحين التقت مئويّة الصوت...