حكايات عادية جداً - نوح «1» شهادة ميلاد لبنتى

قنا  ٢٠١٤ غابت الشمس منذ وقت، لكن السماء لم تظلم تماما، أقطع الأراضى الزراعية على الدرابيس اختصارا للطريق، الهواء منعش، أتحدث فى التليفون لا أذكر مع من،

أذكر فقط أننى كنت أضحك، حتى اجتازنى شبح، فى ثانية واحدة لا أكثر، ملأ وجهه الكالح عينى، عينيه محمرتين، أعرف هذا الوجه، أعرف صاحبه جيداً، مالحته من قبل، أكلنا معًا فى طبق واحد، أنهيت المكالمة كى أنادى عليه، لكن خطواته كانت واسعة وخفيفة، ابتلعه الظلام.

******

 شمال سيناء  ٢٠٠٢

كنت قد أنهيت دراستى الجامعية وفشلت فى الحصول على عمل مناسب بالقاهرة، فذهبت إلى "بئر العبد" مثقلاً، كانت المرة الأولى التى أزورها فى الشتاء، والمرة الأولى التى لم آت فيها لأشقى.

حين وصلت، كان الظلام البارد يتسلل إلى المدينة، السماء تُمطر، بعض الناس فى الشارع يهرولون، وبعض العمال على المقهى ينهون اتفاقهم مع سائق الميكروباص الذى سيحملهم إلى الصعيد.

العيد بعد يومين، إنها ساعة العودة، عودة الشقيانين إلى أحضان بلداتهم وعائلاتهم وأمهاتهم وزوجاتهم، الشخص الوحيد الذى لن يعود هو نوح، هو لم يزر القرية ولم يرَ أمه منذ عامين.

اشترى لى بطانية جيشى، قبل أن يصحبنى إلى البيت، كان سعيدا أنه وجد من يونسه فى أيام العيد، الأيام التى تصبح صعبة على أى وحيد أو مغترب.

نوح يسكن لوحده، "مش وحدى قوى، معايا ربنا، تعالى يا أبو المرحوم".

مضيت معه وأنا أعرف أننى إذا ذهبت وسكنت معه، لن أتمكن من إدخار أى فلوس، وكنت فى حاجة لأن أتحرر من التفكير فى الأمر، لا أريد أكثر من اليوم الذى أعيشه، مثله، فالحياة بالنسبة لنوح هى الآن، لا الماضى ولا المستقبل، الآن وفقط.

وكل ما يبتغيه، أن يكون "الآن" آمن مطمئن، وحين يمضى يمضى بهدوء وسلام، المهم أن اللقمة التى يضعها فى فمه تكون مبلوعة، والصحبة التى يجالسها تكون خفيفة على القلب، وفى نهاية اليوم، بعد أن يسدل الليل ظلامه وسكونه، ويشرب سيجارة البانجو، يظل يتطلع إلى السماء المفتوحة على "الحوش"، يتأمل نجومها الزاهية وأشكالها الهندسية، ويظل يسبح بحمد الله.

سمعته ذات ليلة يناجى: يا رب أنا عمرى ما ظلمت حد ولا ضريت حد، وأنت شاهد، يا رب متحوجنيش لغيرك، سايق عليك حبيبك النبى ما تحوجنى لغيرك.

لم يكن "نوح" مثل بقية أبناء كاره من صنايعية المحارة، من هؤلاء الذين يستيقظون مع الفجر، ويخرجون للعمل فى عز البرد، كان ينام حتى تصل أشعة الشمس فرشته، وتيقظه، يملأ كوز الماء من البرميل المجاور، يجلس القرفصاء، يطس وجهه بالماء، وهو يردد بصوت عالى: يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.

نوح لا يعمل سوى فى "المرمات"، تلك الأعمال التى تظهر بعد انتهاء الكهرباء والسباكة فى المساكن الجديدة أو تحتاجها البيوت القديمة أثناء التنكيس، أعمال سهلة لن تربطه بمكان واحد، لا تتطلب خططا طويلة الأجل، ولا مجهودا بدنيا مزعجا، ولن تجعله يتعامل مع صنايعية، هو لا يحتاج سوى لعامل واحد، يشترط فيه أن يكون هادىء، والأهم أن لا يسأله عن "يومياته" فى نهاية الصحبة.

ومع أن المرمات غير منتظمة، ولا تأت سوى مرتين أو ثلاثة فى الأسبوع، لكن نوح لا يشغل باله بهذا الأمر، وإذا داهمه التفكير فيه، نظر لأعلى: ورزقكم فى السماء، مبينساش النملة اللى عايشة فى حجر، هينسانى أنا.

مشيت مع نوح، شاركته السكن والعمل لثلاث شهور، لم نكن نعمل فيها سوى بالقدر الذى يجعلنا نأكل ونشرب ونشترى الدخان، اليوم بيومه، الخطط الوحيدة التى كنا نشغل بالنا بها هى خطط الأكل، كل يوم نمر على السوق، نشترى اللحم أو العدس، حسب الميزانية، نتفنن فى الطبخ، نتناول الغداء مع آذان العصر، ننام ساعة، وفور غياب الشمس نخرج إلى الشارع، نشرب قهوة عربى مع التمر فى خيمة الشيخ صبَاح، أو شاى من كنكة عم خيرى خفير عمارات الإسكان، ثم نمر على المقهى المجاور، نقابل البلديات ونتبادل الإطمئنان على بعض، نشاهد فيلم هندى أو نلعب الدومينو، وحين ينتصف الليل، نعود  إلى "الحوش"، سواء رُزقنا بمرمة جديدة أو لم نُرزق، نعود وفى أيدينا الفينو والجبنة واللانشون، سواء دفعنا ثمنهم أو دونهم صاحب البقالة فى الدفتر، نأكل على إذاعة الأغانى وننام على القرآن الكريم.

جئت لأنفض عن صدرى أتربة تجارب فاشلة، جئت لأتجنب الاكتئاب، وكانت الصحبة مناسبة تماماً.

*******

قنا ٢٠١٤

فى الظهيرة، وأثناء خروجى من البيت وجدته واقفا أمامى، وبعد السلامات والأحضان، أمسكت بيده وصحبته إلى المندرة.

كبر نوح، بدأت التجاعيد تتلاعب على وجهه، ليس كلها تجاعيد عمر، منها ما هو أعمق، ما يكتبه الزمن على الجبين.

قلت: طمنى عليك؟

قَبَّل يده ونظر للسماء: فى نعمة وفضل كبير، باكل وباشرب وبنام وعيالى ومرتى بخير، رضا، بس عايز أطلع شهادة ميلاد للبت.

- بنت مين؟

- مكة، بتى.

مر عامين على ميلاد مكة دون أن يتمكن نوح من تسجيلها فى دفاتر الحكومة، أرسل أحد أصدقائه إلى السجل المدنى، قال الموظف لابد من وجود الأم أو الأب أو قريب من الدرجة الأولى، أرسل نوح زوجته، سألها الموظف عن عقد الزواج فلم يجد، فهى لم تعقد القرآن بعد، سألها عن هوية زوجها، فقدمت بطاقة ورقية قديمة، أطرافها مهترئة وصورتها مكشوطة، قال الموظف أنه فى حاجة لأن تكون رقم قومى على الأقل.

لا يستطيع نوح أن يذهب إلى المركز أو المدينة، لا يستطيع أن يدخل مصلحة حكومية، أو يظهر فى سوق أو شارع رئيسى، لا يستطيع أن يخرج من القرية، فهو هارب من السجن، ومطلوب للعدالة.

لا يستطيع أن يستخرج بطاقة لنفسه، ولا عقد زواج لإمرأته، ولا شهادة ميلاد لإبنته.

- أنا طلعت للواد شهادة بالفلوس والبطاقة القديمة، ولما جيت اطلع لمكة، قالوا مش هينفع، فيه قرارات جديدة، هى الشهادة لا هتأكل ولا هتشرب، بس أنا عايز البت تروح مع أخوها المدرسة، وعايزك تكتب حكايتى.

- حكاياتك؟

- أيوه، مش أنت بتكتب؟، اكتب حكايتى، عشان مكة لما تكبر تقراها، وتعرف أن أبوها حاول، وأن من بذل جهده ما قصر،  وأن القدر غالب. وأنا حكايتى مش هتلاقى زيها، بدأت من قبل ما اتولد، يمكن من 100 سنة وأكتر، من أيام جدى الحاج إبراهيم، وشغالة تتعاد، وهتستمر.

وأوعى تفكر أن الطباع اللى شوفتها فيا أو سمعتها عنى، منى وبتاعتى، لا يا صاحبى، بيمين ما كلها منى ولا بتاعتى، الأكتر جاى من عرق قديم مادد لجد الجد، والعرق دساس، والأصل عم يغلب.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حكايات عادية جداً شهادات تنشر لأول مرة إمام.. سيرة أخرى «1»
حكايات عادية جداً - نوح «18» رجال عدوا البحر ما اتبلوا
كنت واقفا مع رضوان، أعلى الجبل، كان متحمسًا وهو يشير إلى "الضهرة"، ويع
حكايات عادية جداً زيارة لأكبر سباق خيل شعبى فى صعيد مصر
نوح « 13 » ما لذَّةُ العيشِ إلّا صحبةُ الفقرا
عطا
عطا
عطا

المزيد من أقلام

نحو الحرية - ذكرى العبور .... والفتح

لم يكن العاشر من رمضان يوما عابرا في ذاكرة الأمة بل كان يوما قررت فيه الإرادة أن تنتصر وقرر فيه...

بروح رياضية - «جمال» متعمد

ما يقدمه فريق الزمالك من مستوى فنى متميز خلال الفترة الأخيرة يدعو للتوقف والتأمل، فقد فشل الأبيض مع عدد كبير...

نحو الحرية - المشروع القومي (کاری اون)

في خطوة استراتيجية لضمان السلع الأساسية وتحسين معيشة المواطن وفي إطار سلسلة من الإنجازات الملموسة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح...

بروح رياضية - دورى للجميع

عاد الحديث عن إلغاء الهبوط فى بطولة الدورى بمجرد حديث الرئيس المؤقت للنادى الاسماعيلى عن ضرورة بقاء الدراويش،