اتصلت بمصطفى عواد، دون هدف، فرد العيال، ليخبرونى أنه يقوم بتوصيل "الحاجة" وأخوته، وأنهم سيعلمونه باتصالى حين عودته.
عاد واتصل: "إيه يا ريس كلمتنى؟".
"والله يا مصطفى باتصل وخلاص، بلا هدف، بس لما اتصلت فكرت أقولك إنى مش لاقى موضوع أكتب عنه، قلت يمكن ألاقى عندك موضوع".
يحرجنى مصطفى أحيانا بأدبه: "والله يا ريس، سواء فيه موضوع أو مفيش موضوع، إنى آجى على بالك وتكلمنى، دى حاجة وحدها تفرحني".
يحاول إحراجى، لكن هذا لا يثنينى عن مناكفته: "بس أنت شكلك النهارده كنت عامل عزومة جامدة؟"، فيرد: "الحمد لله العيلة كلها كانت متجمعة عندى، فضل ربنا عليا"، ولم أتراجع: "وأنت كنت مستقبلهم بلبس عادى ولا لابس جلابية العمدة وماسك العصاية، عشان المكانة وكده؟".
- لا يا ريس، أصل المكانة دى بالذات، مش باللبس.
- قصدك بالشخصية؟
- ولا بالشخصية.
- أمال بإيه؟
- بالعين اللى بتشوفك، لو العين شايفاك حلو، هتشوفك حلو حتى لو مش لابس، ولو العين شيفاك وحش، هتشوفك وحش حتى لو لابس كل حاجة.
********
فى تخيلى، أن مصطفى عواد، إذا نشر هذا المقال، فسيحصل على كل الأعداد المخصصة لصحفيى المجلة، ليوزعها على أقاربه وأصدقائه.
إنها المسئولية الأولى التى عرفته بها، مسئولية تسلم الأعداد المخصصة من المطبعة أسبوعيا، وتوزيعها على الصحفيين.
أما باقى أيام الأسبوع فأجده يعمل فى الأرشيف، أرشيف مجلة يعود لسنة ١٩٣٥، يؤرخ للإذاعة والتليفزيون والثقافة والمسرح والفن التشكيلى والأيام الحلوة والمرة التى مرت على مصر طوال ٩٠ سنة، وكان قد تعرض جزء منه فى أوقات قديمة للغرق، قبل نقل مقر المجلة إلى مبنى ماسبيرو.
استفاد مصطفى عواد فى تلك الفترة (٢٠٠٥- ٢٠١١) من وجود شخصين، ياسر رزق، رئيس التحرير الشغوف بالنجاح والتأثير، وعم وحيد ناجى، المخضرم الحياتى، الذى يشعرك اسمه وطريقته بأنك تتعامل مع فنان، وهو المسؤول عن الأرشيف.
من أخطر المهام التى أسندت لمصطفى عواد تلك الفترة، بقيادة رزق وصحبة عم وحيد، هى عملية إعادة فحص الأرشيف وتنظيمه وترتيب وتجليد ملفاته وترميم التالف منها، وكتابة كروت تكون دليلا للباحث عن أى من السنين أو الموضوعات.
نجح مصطفى فى المهمة بامتياز، وكان الدأب والإخلاص، كلمة السر فى النجاح.
*******
ولأنه خطير، لم يتوقف عند هذا الحد، فقد استطاع خلال سنوات قليلة أن يتوغل إلى الأقسام الأخرى، ليلعب فى كل منها دورا محوريا، وقد ساعده على ذلك، خالد حنفى رئيس التحرير، حين شجعه وأعطى له المساحة، مع مراقبته من بعيد.
بخلاف المهام المتعلقة بالأرشيف وتوزيع الأعداد، يتولى مصطفى عواد، فى القسم الفنى، مهمة استقبال المواد من الصحفيين والمصورين والكتاب والفنانين، وإعادة تنظيمها على جهازه، لتكون جاهزة للمراحل التالية، الديسك والتدقيق اللغوى، وإعداد الصور المطلوبة وصولا للإخراج الصحفى والتنفيذ.
والأخطر، أنه أصبح حلا سحريا لكثير من العقبات التى تظهر فى طريق العمل، فإذا اختلف محرر أو كاتب مع رئيس قسم لفترة، كتلك الخلافات العادية المتعلقة ببيئات العمل المشابهة، يصبح مصطفى عواد هو حلقة الوصل، وكوبرى الأمان بينهما، يستلم ويستقبل ويرسل، ويقبله الكل، حتى تعود مياه العمل فى قنواتها الطبيعية ومجاريها.
وعواد، لا يقوم بتلك المهام الكثيرة، لقلة العاملين فى المجلة، أو لأنه الوحيد المخلص فى عمله، فهناك العديد من العاملين والمخلصين، ولكن فى رأيى، لأن الله سبحانه وتعالى منحه القبول الذى يشرح الصدر، والابتسامة التى تفتح القلوب المغلقة، وهما أداته السحرية ليس فقط فى العمل بسهولة ويسر، ولكن فى أن تعيش الحياة ببساطة ورضا.
*****
أرسلت له على الواتساب أغنية يحبها، "صاحبك ده من بختك" لرضا البحراوى، وتبعتها بسؤال: "هو أنت دخلت مجلة الإذاعة إزاى يا مصطفي؟". فلم يرد، ولم أتركه.
فى اليوم التالى اتصلت لأعرف الإجابة، وقد غيرت صيغة السؤال إلى: "أنا عايز أعرف مين واسطتك اللى دخلتك مجلة الإذاعة والتليفزيون، وخلتك تتحكم فيا؟".
يضحك ويجيب: "ربنا يا ريس".
****
حصل مصطفى عواد على دبلوم تجارة سنة ٩٦، وبالبحث والدأب، نجح فى إيجاد فرصة عمل بمصنع شركة كبرى متخصصة فى السخانات، وما أن شعر بالاستقرار، وبدأ يخطط للزواج، حتى أصيب فى يده، وتأجل كل شىء.
ثلاثة شهور مروا عليه فى البيت، كان فى أولهم يتشافى من الإصابة وآخرهم ينتظر الفرج.
وجاء الفرج من اقتراح واحد بلدياته يعمل فى شركة نظافة بدار الهلال، "ما تيجى بدل القعدة فى البيت، اشتغل معايا باليومية، أهو تطلع على الأقل مصاريفك، لحد ما تلاقى شغل يناسبك".
فى اليوم التالى، كان مصطفى مع قريبه، فى مقر مجلة الإذاعة والتليفزيون، دار الهلال، شارع منصور. يقومان بتنظيف المكاتب، يكنسان ويمسحان، فالتقطته "عدلات".
و"عدلات"، قصة كفاح كبيرة، تستحق أن تُحكى وتُكتب فى موضع منفصل، جوهرها كيف تعبر فوق صعوبات الحياة وأنت تبتسم. ولأن الطيور على أشكالها تقع، وقعت عينا عدلات على مصطفى، فندهت عليه لتقدم له عرض عمل جديدا.
"شكلك مش بتاع بهدلة، ماتسيبك من الشغلانة اللى أنت مش لايق فيها دى، وتعالى اشتغل معايا".
- اشتغل إيه يعنى؟
- فى البوفيه، تعمل معايا سندوتشات، نشوف الناس تشرب إيه، إيه رأيك؟
بعد ثلاثة أيام فقط أصبح مصطفى عواد مسؤولا عما يضبط العمل الصحفى، "كوباية الشاى"، وأصبح اسمه الأكثر طلبا طوال اليوم.
بانتقال المجلة إلى مبنى ماسبيرو، وطبقا لقرارات "أبو بكر عمر"، رئيس التحرير، انتهى مشروع البوفيه، وبالتالى الاستغناء عن خدمات عدلات ومصطفى عواد.
عاد مصطفى إلى بيته، وقد أصبح فيه زوجة وابن وليد، ليبقى ثلاثة شهور بلا عمل، بدأ فى بيع قطع من عفش الزواج كى يعيش.
ثلاثة شهور دارت فيهم "ثورة محبة"، من أجل إعادته وعدلات للمجلة، تقدمتها الدكتورة لبنى زكريا، الفنانة والمخرجة الفنية الكبيرة، وشارك فيها معظم الصحفيين والعاملين، ثورة محبة لم تهدأ إلا بعودتهما إلى المجلة، بعد تولى رئاسة التحرير، الكاتب الصحفى ياسر رزق.
- مصطفى، إيه حكمتك فى الحياة؟
- الحكمة اللى بامشى عليها طول الوقت، اتعب تلاقى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ذهب بنفسه ليتابع عن قرب خطة تدمير خط بارليف ليسقط شهيداً بين جنوده ونحن نحتفل بسيناء علينا أن نحتفل بهذا...
ثمة بقعةٌ في هذا الكون، تقف شامخة كحارس التاريخ عند بوابة الشمس؛ تتجاوز بقدسيتها حدود الخرائط، وتعجز الأقلام عن وصفها...
فى كل مرة يثبت الجمهور أنه العنصر الأقوى.. الأوفى.. الأصدق.. لا يستفيد إلا بتلك الجرعة المعنوية التى يحصل عليها عند...
(سنوات من عمرى مضت أصابني قدرى فيها بمرض طويل تمتعت خلالها بسلام داخلى ورضا ويقين بتجاوز الأزمة، لذلك قضيتها -...