فى كل مساء، وأنا لم أزل بعد طفلة صغيرة فى سبعينات القرن الماضى، كان يستهوينى أن أجلس بالساعات أمام شاطئ
رأس البر التى هجرنا إليها من بلدتنا بورسعيد بعد نكسة ١٩٦٧، أتطلع إلى أضواء المراكب وهى تشق الأمواج فى رحلتها من عزبة البرج إلى عرض البحر، كانت تبدو كفراشات مضيئة مسحورة تنطلق فى ليالى الصيف إلى حقول البحر، ولكن قليلين من كانوا يعرفون أنها مراكب الصيادين، وأنهم لو اقتربوا منها لاكتشفوا عالما من القسوة والصراع من أجل البقاء، عالما منسيا مسكونا بالويلات والأحزان، عالما يسكنه رجال وهبوا أنفسهم للبحر، وهم حقا فئة المعذبون فى البحر!
هذا العالم طالما أثار فضول الطفلة بث داخلى، وقررت عندما أكبر سوف أذهب إلى هناك، إلى عالم الصيادين فوق أسفلت الأمواج، أريد أن أكتشفه وأعرفه، وكنت أعزى فضولى بالاستيقاظ فجرا والهروب إلى الشاطئ حيث يصطف الصيادون بوجوههم السمر ليسحبوا الشباك من البحر وأنا معهم، كنت مأخوذه بمشهد الأسماك وهى ترقص رقصة الموت داخل الشباك، وعبثا تحاول الفرار من داخل فتحاتها لتعود إلى البحر.
وظللت أمارس تلك اللعبة سرا؛ إلى أن عدنا إلى بلدتنا بورسعيد، وسكنا فى منزل يجاور عائلة يمتلكون مركبا للصيد، وأحسست أننى أقترب من حلمى، وكبرت وكبر الحلم داخلى إلى أن كان يوما شددت الرحال مع أخى محمد رحمه الله واثنين من أولاد الجيران أصحاب مركب الصيد إلى هذا العالم المجهول بعد إلحاح على أهلى الذين وعدونى بتحقيق حلمى شريطة أن أنجح فى الثانوية العامة بمجموع كبير.. وكانت هذه الرحلة هى أثمن جائزة لنجاحى؛ كنا ذات مساء صيفى لطيف.. وكانت هناك فلوكة صغيرة تنتظرنا، اضطررنا إلى السير خطوات فى البحر ريثما ساعدنا الرجال فى الصعود إليها، وأنا مشدوهة بهذا العالم، وتلك المغامرة التى تنتظرنى فى عرض البحر، وأردت أن أصرخ فرحا، ولكن صوت المجدافين وهما يشقان مياه البحر أخافنى وأسكتنى، حتى لم أعد أتذكر كم مرَّ من الوقت غابت معه أصوات البشر على الشاطئ من خلفنا، إلى أن كف أحدهم عن التجديف؛ لأجدنا التصقنا بمركب صيد كبيرة لم أعد أتذكر اسمها الآن، ساعدنا من كانوا معنا من الصيادين فى الصعود إلى المركب، وربطوا الفلوكة إليها، وانطلقنا إلى عرض البحر، صراخ محركها ورائحة المازوت، مزقا هيبة سكون الليل وسكينة البحر، لاستيقظ من حلم الشعب المرجانية وعروسة البحر التى أتطلع شوقا إلى لقائها، على واقع البحر القاسى ودوار يلف برأسى الكون كله.
وبدأ الصيادون فى رمى الشباك، وهدأ صوت المحرك وسمعتهم يقولون: سننتظر حتى يغيب القمر ثم نبدأ عملية الصيد، وعرفت أن ضوء القمر يبطل من مفعول مصباج المركب الذى يجذب الأسماك.
وامتزج صوت الأمواج الساحر بصوت الرياح المرعب فى أذنى، فيما أنا مرمية فوق كومة شبك كما لو كانت سجادة علاء الدين تطير بى عبر العصور، أنسى الزمان لأزداد اقترابا من إنسانيتى، أستمع إلى صوت الأمواج الساحر وأشتم رائحة الحبال المالحة، وأذوق طعم حلقات الفلين المالح على شفتى، والليل من حولى حزين كرذاذ البحر، الذى بدأ يغسل وجهى كالبكاء، لأفيق من غثيانى على صوت مواويل الصيادين الحزينة، وحكايا الرفقاء الذين ابتلعهم البحر والشباك الملونة بدماء الصيادين منذ عصور، فالصيد أقدم مهنة فى الدنيا والصيادين أكثر الناس بؤسا وفقرا.. إنها صنعة تعيسة، غير مضمونة العواقب والكسب والخسارة فيها مثل لعبة القمار، والصيادون مقامرون بأوقاتهم وأرواحهم، يقامرون مع الريح والأمواج والنفايات السامة التى تلقيها البواخر العملاقة فى البحر، وجوههم شاخت قبل الأوان، مكدودة تعبا وإعياءً، مغسولة بالعرق وماء البحر، والعروق نافرة فى أيديهم وسواعدهم، هم أيضا محاربون، يحاربون الطبيعة القاسية فى أعماق البحار، يحاربون إهمال المسئولين الذين لا يعرفون شيئا عن عالم الصيادين المغلق، هؤلاء الذين يحاربون الفقر الذى يهاجم أولادهم على اليابسة؛ إذا لم يعودوا بالشباك مليئة بالسمك، والرزق على الله، فصاحب المركب مظلوم مثل البحَّار والعامل، والتجار على الشاطئ يأكلونهم قبل السمك، وصاحب السمك مضطر لبيعه بأى ثمن خوفا من التلف فأهل البر أقسى من موج البحر وكائناته .
وهكذا.. أحسستنى فى البحر الحقيقى، ونسيت لوحة البحر الجميلة الحية التى كنت أجلس أمامها بالساعات على الشاطئ أتطلع إليها فى رومانسية عجيبة، فأنا هنا فى بحر الأوديسا، بحر هيرودوت والقراصنة والسندباد، بحر الأساطير، والمدن المسحورة فى القاع، بحر المرجان والذهب، البحر العتيق، بحر كولومبوس، بحر الشيخ فى رائعة همنجواى الشيخ والبحر.
كنت خارج الزمان وأنا فى حضرة هذا المجهول العملاق، غامض الرموز، غامض اللعنة، كنت أسيرة رغبتى فى اكتشاف لغته ولعنته، ولكن الصيادين وأخى وأولاد الجيران أفاقونى حينما طلبوا منى الانضمام إليهم على حفل شواء سمكة كبيرة اصطادها أحدهم بالصنارة،
مرت الساعات، وغاب القمر وبدأ الصيادون فى شد الشباك من الماء بسواعد صلبة منتفخة وعروق نافرة على إيقاع أغنيات كلها هِمة، ألقوا بالشباك فوق سطح المركب، وبدأت الأسماك ترقص داخل الشباك رقصتها الأزلية مكافحة من أجل بقائها حية بالقفز من فتحة الشباك، ولكنها لو بقيت لمات الصياد من الجوع، إنه قانون الطبيعة!
نقترب من الشاطئ، وأقترب أنا أكثر من الملاح، أحاول أن أثنيه عن الرجوع ولو لساعة أخرى أحتفل فيها بكل هذا البهاء الكونى، ولكنه لا يسمعنى، صوت المحرك عالٍ، وهو مشغول بأغنيته الحزينة، وكلما اقتربنا من الشاطئ؛ ازددت حزنا وفقدا لمعشوقى البحر، كانت هذه المغامرة أيام الصبا، وظللت أحلم بخوضها مرة أخرى، أمنية مازالت تسكن قلبى لسنوات رغم تسرب التجاعيد إلى وجهى، ولكن قلبى اللعين لا يشيخ فمازلت كلما أحن إلى البحر ومراكب الصيادين، أسافر إلى مدينتى بورسعيد، وأستيقظ مع الساعات الأولى من الفجر، أهرب إلى البحر لأرضى أمنيتى التى باتت مستحيلة بمشاركة الصيادين شد الشباك على الشاطئ، حتى ولو بالأغانى والمواويل الحزينة، إلى أن كان هذا المساء الرمضانى وجلست مشدودة إلى مقعدى فى منزلى لأشاهد مسلسل "تحت الوصاية" ولم أكن أعلم أننى بصدى تحقيق أمنيتى فقد أعادتنى الرائعة "منى زكى" من جديد إلى عزبة البرج ومراكب الصيادين، إلى عالم البحر، ووجوه الشباب النضرة التى أحالتها قسوة الحياة إلى عنفوان صلد، لأخوض معها أجمل وأقسى وأعذب مغامرة عبر مسلسلها الجميل النابض بحياة الصيادين الذى فجّر كل تلك الذكريات داخلى، وجعلنى أمسك بالقلم لأخطها إليكم، وأشهد أن المسلسل بقدر ما هو لوحة تشكيلية، هو أيضاً نقل للمشاهد صورة عن عالم قريب منا، عالم نجهله أو ربما نتجاهله، كما لو كان عالم مختلف عن عالمنا، فالمسلسل فجّر كثيرا من قضايا فئة الصيادين المنسية وليس فقط قانون حرمان الأرملة من الوصايا على أطفالها، هذا القانون الذى بات (تابو) يمس جنس الأنثى وحقوقها وكرامتها وأمومتها، ومن أجل تغيير هذا القانون وغيره من القوانين التى تفصل بين مفهومنا التقليدى للرجل وبين المرأة المطلقة أو الأرملة، ومن أجل إعادة النظر الضرورية لهذا القانون والتى يمليها واجب الصدق فى شرايين الكاتب والفنان قرر المؤلفان خالد وشرين دياب والمخرج أحمد شاكر خضير والفنانة الموهوبة حتى النخاع منى زكى، وكل من ساهم فى هذا العمل الحقيقى الراقى أن يرفعان الوصايا عن عقل المرأة الأم من قانون متخلف قاسٍ متحجر العقل والمنطق.
نبضة مسافرة
حينما يصير الرجل فقيرًا، يقول عدت صياد سمك «مثل شعبى »
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أنك مثقل، وأن الدنيا تشد ذراعيك لتوقعك فى فتنتها، أشعر بك، وأقدر الحيرة التى تعتريك، لكننى لابد أن أحدثك فى...
لا شك أن تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسى فى ملف الانتخابات البرلمانية يعكس إدراكًا واضحًا لخطورة هذا الاستحقاق، وأهميته فى...
عجبى على رجال عدوا البحر ما اتبلوا/ عدوه بحرده لا مالوا ولا ذلوا
لا يمكن النظر إلى إعلان إسرائيل الاعتراف بما يعرف بـ (أرض الصومال) او (صومالي لاند) باعتباره موقعا دبلوماسيا عاديا أو...