الذكرى ال 20 لرحيل أديب نوبل فى مركز دراسات ماسبيرو إبراهيم عبد المجيد: كان مصدر إلهامى.. وأحببت القاهرة والرواية بفضله محمد شعير يحكى قصة موحية عن «هيئة التأمينات» ومعاش نجيب محفوظ
"من الحارة إلى الخلود.. 20 عاماً على رحيل نجيب محفوظ".. عنوان الندوة التي أقامها مركز ماسبيرو للدراسات بمناسبة الذكرى الـ 20 عاماً لرحيل الأديب الكبير نجيب محفوظ، وتحدث فيها الروائي إبراهيم عبد المجيد، والناقد الدكتور محمد بدوى، والكاتب الصحفي محمد شعير، وأدارها الدكتور محمد عبده بدوى رئيس مركز ماسبيرو للدراسات، بحضور عدد من المثقفين.
استهل الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد حديثه عن نجيب محفوظ قائلا إنه كان الملهم الأكبر في حياته، مشيراً إلى أنه تأثر بأدبه كثيراً حتى إنه قرر أن يكتب الرواية، وأحب العيش في القاهرة رغم أن أهالى الإسكندرية لا يحبون القاهرة كثيراً.
وقال عبد المجيد إن أعمال نجيب محفوظ جعلت القاهرة جزءاً عالقاً في روحه، لدرجة أنه قرر عندما جاء إليها في رحلة مدرسية عام 1964 ألا يعود مع زملائه، وبقى في منطقة الحسين بحثاً عن الأماكن والشخصيات التي قرأ عنها في روايات محفوظ، قال: "بحثت عن أمينة وسى السيد ورشدى، وبدأت العمل في محل للذهب، لكنى اضطررت للعودة للإسكندرية بعد نفاد نقودى".
تأثير نجيب محفوظ امتد كذلك إلى أعمال إبراهيم عبد المجيد الروائية، فرواية "خان الخليلي"، وشخصية "رشدى" تركت أثراً عميقاً فيها، حيث قال عبد المجيد: "ظلت روايات محفوظ حاضرة في ذاكرتى لسنوات طويلة، وأعدت إحياءها في رواياتي، فعندما بدأت كتابة رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية" التي تدور أحداثها خلال الحرب العالمية الثانية، تذكرت شخصية "رشدى" في "خان الخليلي"، خاصة أن أحداث الروايتين تدور في الفترة التاريخية نفسها، فقررت استدعاء الشخصية وإعادة تقديمها".
شخصية رشدى انتقلت إلى "لا أحد ينام في الإسكندرية" في صورة جديدة، من خلال "رشدى المسلم" و"كاميليا المسيحية"، لتعيش حياة مختلفة عن تلك التي منحها لها محفوظ، وهذا الأمر أسعد نجيب محفوظ عندما عرف به، كما قال عبد المجيد، وأضاف: "كانت بداية قراءاتي لأدب نجيب محفوظ حين كنت في الصف الثاني الإعدادي، حيث كانت لدينا حصتان من القراءة الحرة أسبوعياً، ولدينا مكتبة، ووقعت بين يدى روايتا "كفاح طيبة" و"رادوبيس"، ثم بدأت قراءة رواياته الواقعية منذ عام 1962، وأدركت فيما بعد تعدد الاتجاهات التي خاضها محفوظ في مشروعه الروائي، فلم يقتصر تنوعه على الشكل الروائي، وإنما امتد إلى أشكال واتجاهات متعددة".
كتب محفوظ الرواية التاريخية والواقعية، ورواية الحداثة بأشكالها المختلفة، والرواية السياسية، ورواية الأجيال وغيرها، كما قال عبد المجيد، مضيفاً أن فوزه بجائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1996، التي لم يتقدم إلى الاشتراك فيها، كان بمثابة فخر كبير له، وقال إنه لم يكن من رواد جلسات نجيب محفوظ التي كانت تعقد في "قهوة ريش" أو "كازينو قصر النيل" بسبب الزحام الشديد، لكنه بعد فوزه بالجائزة طلب محفوظ لقاءه، وحرص عبد المجيد على زيارته في منزله سنوياً، وتحولت الزيارات إلى عادة استمرت حتى رحيل محفوظ، ولم يكتب عن هذه الزيارات وطقوسها إلا بعد مرور 10 سنوات على وفاة نجيب محفوظ.
من جانبه، قال الناقد الأدبي الدكتور محمد بدوى إن نجيب محفوظ جاء في لحظة كان المجتمع المصري في حاجة خلالها إليه، فهو صوت أدبي قادر على التعبير عن تحولات الواقع وأسئلته، وكان يتمتع بالذكاء والفطنة اللذين مكناه من إدراك أن فن الرواية سيكون فن المستقبل منذ أربعينيات القرن الماضي، رغم أنه كان تلميذاً لطه حسين والعقاد، لكنه أدرك أن الطريق الأكثر حداثة للتعبير عن الواقع هو الرواية.
وقال بدوى إن نجيب محفوظ لم يكتف بتأسيس الرواية والدفع بها إلى الأمام، إنما خاض تجارب تشكيلية جديدة فيها، وجعل من الكتابة وسيلة ومرآة للضمير المصري، موضحاً أن قارئ "الثلاثية" يستطيع أن يتخيل الحياة المصرية في فترة تاريخية محددة، ليس من خلال الرواية التاريخية وحدها، وإنما عبر تصوير مصر في عصرها الحديث، فقد كان يكتب بدافع ذاتي، وليس بدافع أيديولوجي أو مصلحة أو أي غرض آخر، وهو ما منح مؤلفاته قدرتها على تقديم صورة عميقة للواقع المصري وتحولاته، كما يمثل نموذجاً للكاتب الذي يبدأ من الواقعية، ثم يطورها إلى أشكال جديدة، فقد كان يبحث دائماً عن الشكل الأدبي الملائم للتعبير عن رؤيته للعالم، فبعد أن أنجز مهمته في تصوير الحياة المصرية في واقعها الحديث، انتقل إلى أشكال أخرى من الكتابة.
وقال بدوى إن محفوظ اتجه بعد "خان الخليلي وزقاق المدق والثلاثية" وغيرها من الأعمال الروائية إلى ما يطلق عليه النقاد "الرواية الفكرية"، معتبراً أن هذا المصطلح قد لا يكون دقيقاً تماماً، لكنه يعبر عن الهم الأساسي الذي سيطر على محفوظ في تلك المرحلة، وظهر بصورة واضحة في "أولاد حارتنا".
ووصف بدوى رواية "أولاد حارتنا" بالرواية شديدة الأهمية في تاريخ الأدب المصري والعربي، لأنها تقدم تصوراً للتاريخ البشري وتطرح عدداً كبيراً من الإشكاليات المرتبطة بالتاريخ البشري وبالحياة الإنسانية، مزج فيها إرثه الواقعي بالفانتازيا والتخيل، لينتج عملاً كثيف الدلالات، أما رواية "اللص والكلاب" فلم تبتعد تماماً عن منطلقاته الواقعية، لكنها استخدمت الواقع لخدمة مفاهيم وأسئلة أخرى، من بينها سؤال الفرد المتمرد على العالم والمجتمع، وتطرح أسئلة كبرى حول التمرد، وكيف يمكن للتمرد الفردي أو الاجتماعي أن يتجاوز حدوده ويتحول إلى مواجهة أوسع مع العالم، لافتاً إلى أن نجيب محفوظ كان يطور أدواته الروائية في كل مرحلة، ولا يكرر ما سبق أن قدمه.
وقال د.محمد بدوى إن الأدب العربي يمتلك أسماء كبرى كثيرة، لكن الأسماء التي تتحول إلىعلامات خالدة قليلة جداً، ونجيب محفوظ ينتمي إلى هذه القلة، لأنه استطاع أن يمنح الرواية حقها وأن يرت الأشكال المختلفة لهذا الفن ثم يعيد تشكيلها وتطويرها، حتى عندما كان يكتب في اتجاه أدبي معين، كان يتور على تجربته السابقة ويبحث عن شكل جديد، فرواية "اللص والكلاب" كانت ثورة على ما سبقها، والروايات التي جاءت بعدها واصلت هذا التمرد والتجريب، فقد جاء نجيب محفوظ في لحظة تاريخية مهمة، وأتاح له امتداد عمره وتجربته أن يعايش تحولات المجتمع المصري في التعليم والثقافة والسياسة وتطوراته الاجتماعية، وعبر عنها أدبياً.
الكاتب الصحفي محمد شعير قال في كلمته المعنونة بـ"على قيد الحياة" إنه في عام 1991 أوقفت هيئة التأمينات والمعاشات المعاش الشهري لنجيب محفوظ، وكان على محفوظ الذي بلغ وقتها 80 عاماً أن يثبت أنه ما زال حياً، فطلب منه أن يقدم شهادة مختومة بختم النسر، وموقعة من موظفين اثنين، تؤكد أنه لا يزال على قيد الحياة، اتصل محفوظ بالمركز القومي للسينما، وحصل على الشهادة المطلوبة، وعاد "معاشه" مرة أخرى، وعاش محفوظ بعد هذه الواقعة 15 عاماً ثم رحل في 2006.
اليوم، وبعد 20 عاماً على رحيله، لا يزال محفوظ حياً، كما يرى شعير من خلال كتاباته، بل ويبدو أكثر حضوراً مما كان يمكن أن توحي به واقعة رحيله، ولا أحد يطالبه اليوم بشهادة مختومة بختم النسر أو توقيع موظفين اثنين، وأضاف شعير: "هناك شيء رمزي مؤلم وطريف في آن واحد في أن يطالب أعظم روائي عربي في القرن العشرين بإنبات أنه حي، بينما كان في تلك اللحظة بالذات يكتب أكثر النصوص التي ستثبت، بعد رحيله، أنه الأصعب على الموت.. البيروقراطية لا تفهم إلا الأوراق والأختام، والأدب حين يكون أدباً حقيقياً، لا يحتاج إلى أي منهما ليستمر، هذه المفارقة هي المدخل الطبيعي لأي محاولة لفهم لماذا لم يتحول نجيب محفوظ، بعد عشرين عاماً من غيابه الجسدى، إلى ذكرى تستحضر في المناسبات فحسب، بل ظل حضوراً يومياً في اللغة والشارع والسياسة والفن".
ولفت شعير إلى أنه ربما لم يكن موظف التأمينات يعرف، وهو يطلب من نجيب محفوظ إثبات حياته، أنه يضع يده على سؤال أكبر بكثير من المعاش: "ما الذي يجعل الإنسان حياً بعد موته؟".. وبالنسبة إلى المؤسسات، الحياة واقعة بيولوجية يمكن إثباتها بورقة، أما بالنسبة إلى الأدب، فالأدب شيء آخر تماماً، فالكاتب يموت حين يتوقف الناس عن قراءته، وحين تتحول أعماله إلى آثار محفوظة في المتاحف والمناهج، لا إلى نصوص تدخل من جديد في أسئلة الحاضر، ومن هذه الزاوية، فإن مرور عشرين عاماً على رحيل نجيب محفوظ ليس مناسبة لعدّ السنوات بقدر ما هي فرصة لاختبار حضوره.
وتساءل شعير: "لماذا لا يزال محفوظ موجوداً؟".. وأجاب: "لأن محفوظ لم يكتب عن زمنه فقط، وإن كان قد التقط زمنه بمهارة نادرة.. كتب عن الإنسان وهو يتحرك داخل الزمن، وعن الخوف والرغبة والسلطة والحب والفشل والطموح والبحث عن معنى، وهذه الأشياء لا تموت بانتهاء الحقبة التي كتبت فيها".
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة محفوظ: أنه كان مصرياً إلى أقصى درجة، وإنسانياً إلى الحد الذي جعل محليته طريقاً إلى العالمية.. لم يحتج إلى أن يتخلص من القاهرة كي يصبح عالمياً؛ كانت القاهرة نفسها كافية لكي يصل إلى العالم، وبعد عشرين عاماً من رحيله، ما زال محفوظ يُقرأ، ويُناقش، ويُختلف حوله، ويُعاد اكتشافه، وتُطرح أعماله على أجيال لم تعرفه شخصياً، ولم يسقط نجيب محفوظ في أرشيف النسيان، لأنه لم يكن مجرد سارد لقصص، بل كان مهندساً للذاكرة الجمعية.. لقد كسب الرهان الأبدى ضد الزمن، لأن المعاشات قد تقطع والأجساد ترحل، لكن النصوص الحية لا تحتاج لشهادة موظف لكي تواصل التفصح في شوارع القاهرة.
وفي النهاية قال مدير الندوة الدكتور محمد عبده بدوى رئيس مركز ماسبيرو للدراسات إنه نظراً لمرور 20 عاماً على رحيل أديب نوبل نجيب محفوظ، كانت هذه الفعالية الثالثة لمركز دراسات ماسبيرو منذ توليه رئاسة المركز، وتمت الفعالية في قاعة نجيب محفوظ بالدور الـ 27 في ماسبيرو، وكان هناك حرص على التنوع في اختيار الضيوف ما بين الأجيال والتخصصات، مثل الرواية والنقد الأدبي والصحافة، وأضاف عبده بدوى أن الفعالية الأولى بالمركز كانت عن الأديب طه حسين وكتابه المهم لكل باحث "في الأدب الجاهلي"، والندوة الثانية مع عزت إبراهيم خبير الشئون الدولية الذي تحدث عن أحدث الإصدارات الأمريكية ومعالجتها لقضايا الشرق الأوسط، ويجهز المركز لمؤتمر بعنوان "الشعر ضرورة إنسانية" احتفاء بإعادة إصدار مجلة الشعر.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الذكرى ال 20 لرحيل أديب نوبل فى مركز دراسات ماسبيرو إبراهيم عبد المجيد: كان مصدر إلهامى.. وأحببت القاهرة والرواية بفضله...
أطلقت الهيئة الوطنية للإعلام برئاسة الكاتب الصحفى أحمد المسلمانى قناة رقمية جديدة باسم «وثائقيات ماسبيرو»
تنقل إذاعة الشباب والرياضة برئاسة الدكتورة نادية النشار حفل الافتتاح الرسمى والختام للدورة الـ59 لبطولة الجمهورية للشركات
بعدما أعلن الاتحاد الأفريقى «كاف» مواعيد مباريات دورى ابطال أفريقيا، تنقل قناة أون سبورت مباريات فريقى الزمالك وبيراميدز،