انتصارات أكتوبر.. ذاكرة حية تنتقل من الكبار إلى الصغار



الأطفال يتشربون أحداثها من الأفلام والأغانى وحكايات العائلة

ذكرى انتصارات أكتوبر، ليست مجرد مناسبة وطنية نستعيد خلالها بطولات الماضي، بل حكاية ممتدة تتوارثها الأجيال، وتعيش في وجدان الأطفال بطرق مختلفة؛ فمنهم من يتعلم حب الوطن من حكايات والديه وأجداده، ومن يشعر بالحنين إلى أرضه، حتى قبل أن يعرف تفاصيل تاريخها، ومن يجد في الأغاني الوطنية والرسوم المدرسية والأفلام التاريخية نافذة يطل منها على بطولات وطنه. من بين هؤلاء الأطفال، تبرز حكايات إياد ويحيى وآدم وإلياس ونور وميرا وزينة، نماذج صغيرة في أعمارها، كبيرة في مشاعرها، تعكس كيف ينمو حب مصر في القلوب منذ الطفولة، وتتجدد ذكرى انتصارات أكتوبر في وجدان جيل لم يعش أحداثها، لكنه يتعرف إليها من خلال الحكايات والذكريات والصور والأغاني.

صوت البراءة يروى ملحمة أكتوبر

عَبّر إياد حافظ، (9 سنوات) عن اعتزازه بانتصارات أكتوبر بحماس طفولي لافت. فعلى غير عادته، لم يستطع النوم مبكرًا استعدادًا للاحتفال المدرسي، قائلًا: «أول ما عرفت إن فيه احتفال بنصر أكتوبر، ما نمتش، وفضلت سهران أحضر لبس الحفلة وأدواتي».

ويضيف: «كنت فرحان جدًا، وحاسس إني قوى وأنا لابس زي الجيش، وحابب أنتصر على أي قوة تعتدي على بلدي». واستعاد فرحته بتححية العلم ومشاهدة فيلم تسجيلي عرّفه بتضحيات الجنود المصريين، كما رسم لوحة للطائرات والعلم المصري، تعبيرًا عن إعجابه بشجاعة الأبطال ودورهم في حماية الوطن.

أبدى الطفل يونس محمد عبده، المقيد بمستوى kg1، حماسًا كبيرًا للاحتفال بذكرى انتصارات أكتوبر، وحرص على ارتداء بدلة تشبه زي الجيش تعبيرًا عن اعتزازه بهذه المناسبة. وظل يبحث عنها مع والدته حتى عثرا عليها في اللحظات الأخيرة، ليتمكن من ارتدائها صباح الاحتفال وسط أصدقائه في المدرسة.

وعبّر يونس عن فرحته بالنصر من خلال تححية العلم وترديد الأغاني الوطنية، في احتفال بدا له متجددًا رغم مشاركته في فعاليات مماثلة من قبل داخل أكاديمية الحضانة، التي تححرص على تنظيم أنشطة متنوعة لتعريف الأطفال بالمناسبات الوطنية وتنمية حب الوطن والانتماء إليه.

وأمتدت أجواء الاحتفال إلى المنزل، حيث قضى يونس إجازة نصر أكتوبر مع أسرته، متابعًا معهم الأفلام الوطنية التي تستعيد بطولات الجيش المصري وتبقى ذكرى النصر حاضرة في الوجدان، لتتحول المناسبة بالنسبة إليه إلى تجربة تجمع بين فرحة الطفولة والتعلم وحب مصر.

أما يحيى عمرو، تلميذ الصف الثاني الابتدائي، فاختار الرسم للتعبير عن حبّه لمصر، من خلال لوحة بعنوان «الأبطال المبدعون»، جسّد فيها الجنود والدبابات والطائرات والعلم المصري. وازداد حماسه خلال الاحتفال المدرسي، حين رسم العلم على وجهه أثناء تححية العلم، معبّرًا عن أمنيته ببراءة: «نفسي أكون بطل».

وفي الثامنة من عمره، يحمل آدم محمد مشاعر تتجاوز حدود المكان؛ فكلما سافر مع والده إلى الخارج، ظل الحنين إلى مصر حاضرًا في حديثه، مرددًا: «أنا نفسي أرجع مصر، وحشتني يا بابا». ويكشف هذا التعبير العفوي عن ارتباط الطفل بوطنه من خلال شعوره بالألفة والأمان، حتى قبل أن يدرك تفاصيل تاريخه.

ويعبّر إلياس أحمد، تلميذ الصف الثاني الابتدائي، عن حبّه لمصر من خلال مشاركته في الاحتفالات المدرسية، ورسوماته التي تصور الطائرات والجنود بألوان العلم المصري. وتحكى والدته أن الأغاني الوطنية تسعده، فيغنى ويرقص فرحًا، وتظل أغنيته المفضلة «عشان علمونا نحب الوطن» قريبة من قلبه. كما يعود من المدرسة متحمسًا للحديث عن الاحتفال بالنصر وحفظ الأناشيد الوطنية.

أما نور محمد عباس، (٧ سنوات) فتعرف بعد تفاصيل حرب أكتوبر، لكنها تعبر عن ارتباطها بمصر بعبارة طفولية تختصر كثيرًا من المشاعر، إذ تقول لوالدتها: «أنا شامّة ريحة مصر». ويزداد شعورها بالفخر عندما تحكى لها جدتها عن بطولات الأبطال، فتردد: «أنا بنت مصر». وهكذا يتشكال وعيها بالوطن من خلال الحكايات العائلية والذكريات والأحاسيس التي يصعب التعبير عنها بالكلمات.

وبالنسبة إلى ميرا تامر، تلميذة الصف الخامس الابتدائي، فإن السادس من أكتوبر ليس إجازة عادية، بل مناسبة تملؤها الفرحة والاستعداد. تقول: «بحب أوى يوم 6 أكتوبر، وبحس إنى طايرة من الفرحة». وتستعيد مشاركتها في الحفل المدرسي بالغناء والإلقاء والاستعراضات الوطنية على أنغام «يا حبيبتي يا مصر»، إلى جانب ارتداء الزي الفرعوني والمشاركة في الأنشطة الفنية. وتوضح أن دراسة بطولات أكتوبر جعلتها أكثر إيمانًا بالشجاعة والإرادة، وأنها تحب رسم الجنود وهم يدافعون عن الأرض، وتستمع أثناء الرسم إلى الأغاني الوطنية القديمة، مثل «الله أكبر بسم الله» و«حلوة بلادي»، إلى جانب الأغاني الحديثة، مؤكدة أن هذه الأعمال تمنحها شعورًا بالفخر ببلادها.

أما زينة علي، (١٥ عامًا) فقد بدأت علاقتها بتاريخ مصر من الحكايات والأفلام، ثم اتسعت بفضل تشجيع والدها لها على القراءة والاهتمام بتاريخ بلدها. وتستعيد ذكرياتها مع المدرسة والأعمال التاريخية التي شاهدتها مع والدتها، مشيرة إلى تأثرها بأفلام مثل «العمر لحظة» و«الطريق إلى إيلات»، وإلى ما تمثله مأساة مدرسة بحر البقر من ذكرى مؤلمة للضحايا الأبرياء بالعمر لحظة.

وترى زينة أن الأعمال التاريخية تتيح للأجيال الجديدة التعرف إلى محطات مهمة من تاريخ وطنها، وتتمنى إنتاج المزيد من الأفلام التي تستعيد البطولات الوطنية. كما تربط تجربتها مع السفر بححب مصر، موضحة أن الابتعاد يجعلها أكثر شوقًا إلى العودة، وأن لحظة وصول الطائرة تشبه انتظار الوصول إلى كنز؛ يتمثل في الأمان والشعور بالانتماء إلى الوطن والبيت والأصدقاء والذكريات.

التعليم في الصغر

ومن داخل المؤسسات التعليمية، توضح سماح عمارة، مديرة حضانة، أنها عرفت الأطفال بحرب أكتوبر خلال فيلم كرتوني مبسط، ساهم على فهم فكرة استعادة مصر لأرضها، والتعرف إلى تضحيات الجنود. كما أعدت الحضانة صورًا باستخدام الذكاء الاصطناعي للأطفال وهم يرتدون الزي العسكري، وهو ما أثار إعجابهم وحماسهم.

وتضيف أن الأنشطة شملت الاستماع إلى الأغاني الوطنية، وإعداد ألبوم فني يضم العلم المصري، ومشاهد المعركة، وصور الأطفال بالزي العسكري، لتقريب الأحداث إلى أذهانهم بأسلوب بصري وتفاعلي. وتوضح أن التجربة استهدفت الأطفال من سن 3 سنوات ونصف إلى 5 سنوات، مع مراعاة قدراتهم على الفهم، وتقديم المعلومات تدريجيًا بما يعزز الانتماء دون إثارة الخوف.

وتتفق معها دعاء سلام، مديرة أكاديمية بالأسكندرية، التي ترى أن غرس حب الوطن يبدأ منذ السنوات الأولى، من خلال التعلم والمشاركة. وتوضح أن الأكاديمية احتفلت بذكرى أكتوبر عبر تلوين العلم المصري، وارتداء ملابس مستوحاة من الزي العسكري، ومشاهدة مواد مصورة، وتقديم عرض تمثيلي مبسط يجسد أحداث الحرب، وتؤكد أن الهدف ليس حفظ تفاصيل المعارك، بل تعريف الأطفال بمعاني الشجاعة والتعاون والتضحية، مع مراعاة الفروق العمرية، وتجنب التفاصيل التي قد تخيف الصغار. حب الوطن، بحسب رؤيتها، قيمة تُبنى بالتدريج من خلال المعرفة والقدوة والمشاركة.

المدرسة والتاريخ

يرى علي سمير أيوب، معلم اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم، أن الوطنية شعور داخلي بالانتماء إلى الوطن، ينمو من إدراك الإنسان لقيمة أرضه وأهله وتاريخه، وأن الأسرة والمدرسة والإعلام شركاء في ترسيخه.

ويشير إلى أن المناهج الدراسية تحتاج إلى اهتمام أكبر بالتاريخ الوطني، إذ لا يكفى نشيد وطني واحد لبناء الوعي، بل ينبغي تقديم قصص حقيقية عن أبطال أكتوبر وتضحياتهم، فى مختلف المراحل التعليمية، وتخصيص فقرات بالإذاعة المدرسية لاستعادة هذه البطولات. ويؤكد أن الوطن ليس مجرد أرض، بل البيت الذي يضم الأسرة والأحبة، وأن مشاعر الانتماء لدى الأطفال تحتاج رعاية وتوجيهًا مستمرين.

ومن واقع عمله مع تلاميذ المرحلتين الابتدائية والإعدادية، يؤكد إبراهيم عبد الجليل إبراهيم، معلم التاريخ، أن الطفولة من أنسب المراحل لغرس الانتماء، نظرًا لتأثر الأطفال وجدانيًا بالأفلام والأغاني الوطنية. ويرى أن نصر أكتوبر يعزز الفخر بالهوية المصرية، ويقدم دروسًا في الصبر والتخطيط والانضباط، ويحول قصص البطولة والتضحية إلى نماذج ملهمة تدفع الأطفال إلى العمل من أجل رفعة الوطن.

أما علي محمد رزق، مدرس الدراسات الاجتماعية والتاريخ للمرحلتين الإعدادية والثانوية، فيرى أن حرب أكتوبر محطة تاريخية تسهم في تشكيل وعى الأطفال وهويتهم الوطنية. ويوضح أن تلاميذ المرحلة الابتدائية يتفاعلون مع قصص الأبطال، مثل الشهيد إبراهيم الرفاعى والبطل محمد المصري، الملقب بـ«صائد الدبابات»، لما تجسده سيرته من شجاعة وإصرار.

ويؤكد أهمية تجاوز أساليب الحفظ التقليدي إلى القصص المصورة وأفلام الرسوم المتحركة وتقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، إلى جانب الزيارات الميدانية لبانوراما حرب أكتوبر والمتاحف العسكرية. كما يشدد على ربط دروس الماضي بالحاضر، واستلهام روح أكتوبر في العمل الجماعي والتخطيط العلمي والتقدم الاقتصادي والمعرفي.

الانتماء يتجاوز الاحتفال

تؤكد د. عبير عاطف، الحاصلة على الدكتوراه في النفس التربوي والمستشارة الأسرية، أن الاحتفال بذكرى نصر أكتوبر يمكن أن يعزز الانتماء والهوية الوطنية، بشرط ألا يقتصر على المظاهر الاحتفالية، بل يتحول إلى تجربة تساعد الطفل على فهم قيمة الوطن ومعنى التضحية من أجله.

وتوضح أن حكايات الجد والجدة، ومشاهدة الأفلام مع الأسرة، والتعبير عن المشاعر من خلال الرسم والفناء والأنشطة الفنية، تربط التاريخ بخبرات الطفل ووجدانه. وتشير إلى دراسات تناولت دور الذكريات العائلية وروايات الأجيال السابقة في تنمية الوعي التاريخي، ومنها دراسة يوكا راتنالا عام ٢٠٢٢، ودراسة جيسى مينغ سون وونغ عام ٢٠٢٤ حول دور الفنون في دعم الهوية الوطنية لدى النشء. وتشدد على أن الانتماء لا تصنعه الشعارات وحدها، بل يتكون من فهم التاريخ والشعور بالارتباط بالوطن، وترجمة الاعتزاز به إلى سلوك إيجابي ومسئولية تجاه المجتمع.

ومن جانبها، ترى د. سارة حسين، أخصائية الصحة النفسية وتعديل سلوك الأطفال والمراهقين، أن نصر أكتوبر يحمل أثرًا نفسيًا وتربويًا في بناء شخصية الطفل؛ إذ يعزز الفكر والانتماء، ويغرس قيم الشجاعة والتعاون والإصرار والتضحية.

وتوضح أن القصص والأفلام الوطنية، حين تتبعها أنشطة تتيح للأطفال التعبير بالرسم والحكي، تساعدهم على استيعاب هذه القيم وفقًا لأعمارهم. وتؤكد أهمية ربط حب الوطن بالسلوك اليومي، مثل تحمل المسؤولية واحترام الآخرين والمحافظة على الممتلكات العامة، حتى يتحول الاعتزاز بالتاريخ إلى ممارسة إيجابية.

نافذة على الذاكرة الوطنية

يرى د. عماد الدين أحمد متولي، خبير الشئون السياسية والاستراتيجية والتنمية والإعلامي السابق بالهيئة العامة للاستعلامات، أن ترسيخ حب الوطن يبدأ منذ الطفولة، من خلال الأجواء الاحتفالية التي تصاحب شهر أكتوبر، وما تقدمه وسائل الإعلام من أغان وأعمال توثق العبور وبطولات المقاتلين وتضحيات الشهداء. ويؤكد أن احتفالات رياض الأطفال والمدارس تسهم في تشكيل الوجدان الوطني، وأن تكرارها سنويًا يساعد الأطفال على استيعاب معاني النصر والكرامة والتضحية مع نموهم واتساع وعيهم. ويشدد على أهمية تكامل دور الإعلام مع الأسرة والمؤسسات التعليمية في نقل الذاكرة الوطنية إلى الأجيال الجديدة.

وفي السياق نفسه، يؤكد أحمد نبيل محمود، من القوات المسلحة، أن انتصارات أكتوبر تقدم للنشء درسًا في قدرة الإراة والتخطيط والعمل الجماعي على تجاوز التحديات. فحين يتعرف الطفل إلى قصة العبور، وما تتطلبه من صبر وتضحية، تتحول الوطنية من شعور إلى معنى يرتبط بالعمل من أجل الوطن.

ويقترح الاستفادة من الزيارات الميدانية للمتاحف العسكرية ومواقع المعارك، واللقاءات مع قدامى المحاربين، وعرض أفلام وثائقية مبسطة، وتنظيم الأنشطة والمسابقات الوطنية. ويشدد على أن الأهم هو تعريف الأطفال بالدروس التي تحملها التجربة، مثل التضحية والعمل بروح الفريق والصبر، وإدراك قيمة السلام الذي تحميه القوة والحكمة.

ذاكرة تتوارثها الأجيال

تختلف حكايات الأطفال، لكن يجمعها خيط واحد؛ فالوطن قد يكون حنينًا إلى العودة، أو أغنية يرددها الطفل، أو لوحة يرسمها، أو قصة تاريخية تفتح أمامه أبواب المعرفة. وبين هذه المشاعر البريئة ورمزية انتصارات أكتوبر، تتأكد أهمية تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والإعلام في تقديم التاريخ للأجيال الجديدة. ولا تقتصر الرسالة على استعادة أحداث مضت، بل تمتد إلى غرس قيم التضحية والشجاعة والتعاون والمسئولية، وربط الاعتزاز بالوطن بالمشاركة في بنائه والحفاظ على مقدراته.

وهكذا تظل ذكرى أكتوبر حاضرة في وجدان الأطفال، لا لأنهم عاشوا أحداثها، بل لأن حكاية الوطن لا تتوقف عند جيل بعينه؛ إنها ذاكرة تنتقل من الكبار إلى الصغار، ويجد كل طفل طريقته الخاصة في التعبير عن حب مصر والانتماء إليها.

 	انجى صبحى

انجى صبحى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

فنان من داخل أروقة جامعة الأزهر

الدربيشى: الرسم متعة لا يدركها إلا من عشقها عبرت عن معاناة الشعب الفلسطينى بلوحة عن صموده فى مواجهة الاحتلال

يظهر بعد الخمسين هشاشة العظام.. «المرض الصامت»

هشاشة العظام من أكثر أمراض العظام شيوعًا، و فيها يصبح العظم أقل كثافة وأكثر عرضة للضعف والكسور. وتكمن خطورتها في...

انتصارات أكتوبر.. ذاكرة حية تنتقل من الكبار إلى الصغار

الأطفال يتشربون أحداثها من الأفلام والأغانى وحكايات العائلة

خبراء: مصر قادرة على حماية مصالحها فى كل الجبهات.. و «اللى عاوز يجرّب يقرّب»

درويش: استحضار روح أكتوبر يؤكد قدرة الدولة على حماية مصالحها المصرى: السلام خيار استراتيجى ويحتاج لقوة تحميه