هل تستبدل الخوارزميات الأطباء؟



الذكاء الاصطناعي يدخل عالم التشخيص والأشعة واكتشاف الأدوية… فهل يأتي اليوم الذي نستغني فيه عن الطبيب؟

دكتور عمرو الغفاري
دكتور الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي

 

تخيل أن تدخل المستشفى، فتستقبلك منظومة ذكية تحلل نتائج فحوصاتك، وتقرأ الأشعة، وتبحث عن علامات المرض، ثم تقترح العلاج المناسب خلال دقائق. قد يبدو هذا المشهد وكأنه من أفلام الخيال العلمي، لكنه أصبح في جوانب عديدة واقعا نعيشه اليوم.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تساعدنا في كتابة النصوص أو الإجابة عن الأسئلة، بل أصبح يدخل مجالات طبية شديدة التخصص، من اكتشاف الأورام إلى تحليل صور الأشعة، بل والمساهمة في تطوير أدوية جديدة.

وهنا يبرز سؤال مهم يستحق النقاش: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحل محل الطبيب، أم أنه سيظل أداة قوية تساعده على أداء عمله بصورة أفضل؟

للإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نبتعد قليلا عن المبالغات التي تحيط بالتكنولوجيا، وأن ننظر إلى ما حققته الأبحاث العلمية بالفعل.

عندما ترى الخوارزمية ما قد لا تراه العين

من أبرز المجالات التي حقق فيها الذكاء الاصطناعي تقدما ملحوظا تحليل الصور الطبية. فالأشعة التي يقرأها الطبيب تحتوي على تفاصيل دقيقة، وقد يحتاج فحصها إلى وقت وخبرة كبيرين، خاصة عندما يتعامل المستشفى مع أعداد ضخمة من المرضى.

تستطيع بعض خوارزميات الذكاء الاصطناعي تحليل هذه الصور والبحث عن أنماط ترتبط بأمراض معينة، مثل الأورام والتغيرات غير الطبيعية في الأنسجة.

وفي عام 2017، نشرت مجلة Nature دراسة علمية مهمة أظهرت أن شبكة عصبية عميقة استطاعت تصنيف صور لآفات جلدية، بما فيها آفات مرتبطة بسرطان الجلد، بمستوى أداء مماثل لأطباء الجلدية في مهام محددة داخل الدراسة.

كما شهد مجال فحص سرطان الثدي تطورا مهما. ففي تجربة سويدية واسعة نُشرت نتائجها عام 2025، ساعد استخدام الذكاء الاصطناعي في فحص صور الثدي على اكتشاف عدد أكبر من حالات السرطان مقارنة بطريقة الفحص القياسية المستخدمة في الدراسة، مع تقليل عبء قراءة الصور على المختصين.

هذه النتائج لا تعني أن الحاسوب أصبح طبيبا كاملا، لكنها تؤكد أن استخدامه بطريقة صحيحة قد يساعد في اكتشاف بعض الأمراض مبكرا، ويمنح الأطباء فرصة للاستفادة من وقتهم وخبراتهم بصورة أفضل.

هل يمكن للحاسوب أن يكتشف المرض قبل ظهور أعراضه؟

من التطبيقات الواعدة أيضا استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل صور قاع العين للكشف عن اعتلال الشبكية السكري، وهو أحد المضاعفات التي قد تصيب مرضى السكري وتؤثر في قدرتهم على الإبصار.

في عام 2016، نشر باحثون في مجلة JAMA دراسة عن تطوير خوارزمية قادرة على اكتشاف علامات هذا المرض من صور الشبكية. وأظهرت النتائج أن التعلم العميق يمكن أن يحقق أداء مرتفعا في اكتشاف الحالات التي تستدعي اهتماما طبيا.

تكمن أهمية هذه التقنية في إمكانية استخدامها لتوسيع نطاق الفحص، خاصة في الأماكن التي لا يتوافر فيها عدد كافٍ من أطباء العيون.

لكن علينا أن نفهم نقطة مهمة: اكتشاف علامة مرضية في صورة لا يعني أن النظام يستطيع التعامل مع جميع جوانب المرض. فقد يحتاج المريض إلى فحوصات إضافية، أو متابعة دورية، أو علاج يحدده الطبيب وفقا لحالته.

فالذكاء الاصطناعي قد يساعد في اكتشاف الخطر، لكن تحويل هذه المعلومة إلى خطة علاج مناسبة يظل مسألة أكثر تعقيدا.

من قراءة الأشعة إلى اكتشاف الأدوية

إذا كانت قراءة الصور الطبية أحد المجالات التي أثبت فيها الذكاء الاصطناعي قدرات واضحة، فإن مجال اكتشاف الأدوية يقدم مثالا آخر على حجم التغيير الذي يمكن أن تحدثه هذه التكنولوجيا.

تقليديا، يتطلب تطوير دواء جديد سنوات من البحث والتجارب، تبدأ بفهم المرض وتحديد هدف بيولوجي يمكن التأثير فيه، ثم البحث عن مركبات كيميائية مناسبة، واختبار فعاليتها وسلامتها، قبل الانتقال إلى التجارب السريرية على البشر.

يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة الباحثين في تحليل كميات ضخمة من البيانات العلمية، والتنبؤ بخصائص المركبات الكيميائية، واقتراح جزيئات جديدة قد تكون مفيدة في علاج مرض معين.

ومن الأمثلة الواقعية على ذلك دواء تجريبي يُعرف باسم Rentosertib، جرى تطويره بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي لعلاج التليف الرئوي مجهول السبب، وهو مرض خطير يؤدي إلى تندب أنسجة الرئة وصعوبة التنفس.

وصل الدواء إلى تجربة سريرية من المرحلة الثانية، ونُشرت دراسة عنه في مجلة Nature Medicine عام 2025.

هذه الخطوة مهمة، لأنها توضح أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصرا على اقتراح أفكار نظرية، بل أصبح يساهم في تطوير مركبات تصل إلى مراحل الاختبار على البشر.

ومع ذلك، يجب ألا نخلط بين اكتشاف مركب واعد وبين إثبات أنه علاج ناجح. فالدواء يحتاج إلى اختبارات دقيقة للتأكد من فعاليته وسلامته، وقد تفشل بعض المركبات في هذه المراحل رغم النتائج المشجعة التي حققتها في المختبر.

 

الذكاء الاصطناعي بديل للطبيب

هل سيكتب الذكاء الاصطناعي الروشتة بدلا من الطبيب؟

ربما يكون هذا السؤال أكثر حساسية من غيره، لأن الخطأ في وصف الدواء قد تكون له عواقب خطيرة.

تستطيع الأنظمة الذكية تحليل بيانات المريض، ومراجعة بعض التداخلات الدوائية، واقتراح خيارات علاجية وفقا للمعلومات المتاحة. ويمكنها أيضا مساعدة الطبيب في مراجعة الجرعات والتنبيه إلى بعض المخاطر المحتملة.

لكن اختيار الدواء لا يعتمد على اسم المرض وحده. فالطبيب يحتاج إلى معرفة عمر المريض، وحالته الصحية، ووظائف الكلى والكبد، والأدوية الأخرى التي يتناولها، وأي حساسية معروفة لديه.

وقد يكون الدواء مناسبا لمريض، لكنه غير مناسب لمريض آخر يعاني من المرض نفسه.

كذلك قد تقدم بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي إجابات تبدو مقنعة، رغم احتوائها على معلومات غير دقيقة أو غير ملائمة للحالة. ولهذا لا ينبغي الاعتماد على اقتراح علاجي آلي دون التحقق من صحته ومناسبته للمريض.

إن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يمكن أن يكون مفيدا جدا، لكن الفرق كبير بين أن يقترح النظام علاجا يراجعه الطبيب، وبين أن يُترك له اتخاذ القرار العلاجي بصورة مستقلة.

لماذا لا نستغني عن الطبيب حتى الآن؟

قد يتساءل البعض: إذا كانت الخوارزميات قادرة على تحليل الصور والبيانات بسرعة كبيرة، فما الذي يجعل الطبيب ضروريا؟

الإجابة أن الطب لا يقوم على اكتشاف المرض فقط، بل على فهم الإنسان الذي يعاني منه.
فقد يأتي مريضان بالأعراض نفسها، لكن تختلف أسباب المرض لديهما، أو تختلف العلاجات المناسبة لكل منهما. وقد يحتاج الطبيب إلى الربط بين التاريخ المرضي والفحص السريري والتحاليل والأشعة، ثم مناقشة الخيارات المتاحة مع المريض.

كما أن بعض الحالات تكون نادرة أو غير واضحة، ولا تتطابق مع الأنماط التي تعلم منها النظام. وقد تتراجع دقة الخوارزمية عندما تستخدم في مستشفى أو فئة من المرضى تختلف عن البيانات التي تدربت عليها.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو التواصل الإنساني. فالمريض لا يحتاج إلى تشخيص فقط، بل يحتاج أيضا إلى فهم حالته، ومعرفة الخيارات المتاحة أمامه، ومناقشة مخاوفه، واتخاذ قرار علاجي يناسب ظروفه.

لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لن يتطور في هذه الجوانب، لكنه يعني أن التفوق في مهمة محددة لا يثبت القدرة على أداء جميع أدوار الطبيب.

المستقبل ليس بالضرورة صراعا بين الطبيب والآلة

من الخطأ أن ننظر إلى العلاقة بين الطبيب والذكاء الاصطناعي باعتبارها معركة لا بد أن ينتصر فيها أحد الطرفين.

فقد يكون النموذج الأفضل هو أن تتولى الخوارزمية تحليل كميات كبيرة من البيانات، واكتشاف الأنماط الدقيقة، وتنبيه الطبيب إلى الحالات التي تستحق اهتماما عاجلا، بينما يتولى الطبيب تقييم النتائج واتخاذ القرار المناسب في ضوء الحالة الكاملة للمريض.

في هذا النموذج، لا تكون قيمة التكنولوجيا في إلغاء دور الإنسان، بل في مساعدته على أداء عمله بكفاءة أكبر.

لكن نجاح هذا التعاون يتطلب التأكد من سلامة الأنظمة، ومراجعة نتائجها باستمرار، وحماية بيانات المرضى، وعدم التعامل مع مخرجاتها باعتبارها حقائق لا تقبل الخطأ.

كما أن بعض المهام الطبية قد تصبح أكثر اعتمادا على الأتمتة مستقبلا، بينما تظل مهام أخرى بحاجة إلى تدخل بشري مباشر. وسيعتمد ذلك على الأدلة العلمية ونتائج الاستخدام الفعلي، وليس على التوقعات وحدها.

ومن هنا وبعد ان عرضت في الاسطر السالفة التفاصيل دعني ارسم معك الاطار النهائي لبلورته :
من الطبيب الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي إلى الذكاء الاصطناعي الذي يساعد الطبيب
لقد أثبتت الدراسات أن الذكاء الاصطناعي يستطيع تحقيق نتائج مهمة في اكتشاف بعض الأمراض وتحليل الأشعة والمساهمة في تطوير الأدوية.

ومن المرجح أن تتوسع هذه التطبيقات مع تطور الخوارزميات وزيادة البيانات الطبية المتاحة.

لكن من الضروري التمييز بين نجاح النظام في أداء مهمة محددة وبين قدرته على تحمل مسؤولية الرعاية الصحية كاملة.

فالمستقبل قد يشهد تغيرا كبيرا في طريقة عمل الأطباء، وربما تختفي بعض المهام التقليدية أو تتغير طبيعتها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء الطبيب نفسه.

السؤال الأهم ليس: هل ستستبدل الخوارزميات الأطباء؟ بل: كيف نستفيد من قوة الذكاء الاصطناعي دون أن نعرّض صحة الإنسان للخطر؟

إن التقدم الحقيقي لا يتحقق بمجرد أن تصبح الآلة أسرع من الإنسان، بل عندما تساعد هذه السرعة والخبرة الحسابية في تقديم رعاية صحية أكثر أمانا ودقة، وتمنح المريض فرصة أفضل للتشخيص والعلاج.

الذكاء الاصطناعي بديل للطبيب

 

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

عمرو الغفاري
عمرو الغفاري
نهال الشافعي
عمرو الغفاري
عمرو الغفاري
عمرو الغفاري

المزيد من مقالات

هل تستبدل الخوارزميات الأطباء؟

الذكاء الاصطناعي يدخل عالم التشخيص والأشعة واكتشاف الأدوية… فهل يأتي اليوم الذي نستغني فيه عن الطبيب؟

مهنة واحدة ووسائط متعددة.. الصحفي والإعلامي وجهان لعملة واحدة!

عندما تُمارَس مهنة واحدة عبر وسائط متعددة، لماذا تبرز إشكاليات التفرقة بين مفهومي الصحفي والإعلامي؟ بعبارة أخرى، هل تتجزأ المهنة...

القانون الدولي والأمن المائي للدول

تبدأ قضية الأمن المائي من حقيقة قانونية وإنسانية راسخة: الماء مورد للحياة قبل أن يكون موردًا للإدارة أو التنمية. وحين...

منتدى مصر 2026.. تمكين المرأة قوة تدفع التنمية

ماذا لو كانت شرارة تغيير اقتصاد بأكمله كامنة في فكرة لم تجد طريقها إلى النور بعد، أو في موهبة امرأة...