القصة الكاملة للجمعية الجغرافية المصرية ومتحفها الخالد

أصدر الخديو إسماعيل مرسومًا بتأسيسها فى 19 مايو عام 1875 القاعة الرئيسية تحفة معمارية وفنية تتسع لمئات الحضور تضم إحدى أندر المكتبات الجغرافية فى العالم وتحوى أكثر من مائة ألف مجلد وكتاب بلغات متعددة قاعة أفريقيا هى الأكبر والأهم على الإطلاق داخل المتحف الأثنوغرافى المكتبة بها أكثر من 12 ألف خريطة وأطلس أثرى

فى قلب القاهرة الخديوية، وعلى بعد خطوات معدودة من ميدان التحرير ومقر مجلس النواب، يوجد صرح علمى وثقافى شديد العراقة، يحوى بين جدرانه ذاكرة مصر وجغرافيتها واستكشافاتها الممتدة فى عمق القارة الأفريقية وعلى مستوى العالم.. إنها الجمعية الجغرافية المصرية، التي لا تعد مجرد مبنى قديم ذى طراز معمارى فريد، بل هى أقدم جمعية جغرافية تأسست خارج حدود القارة الأوروبية، وتأتي فى المرتبطة التاسعة عالميا من حيث أسبقية التأسيس والتاريخ.

بين أروقة هذا الصرح العريق، ومكتبته التى تحوى أمهات الكتب وأندر الخرائط، ومتحفه الأثنوغرافى المذهل الذى لا يوجد له نظير فى منطقة الشرق الأوسط بأسرها، تشعر وكأن الزمن قد توقف عند لحظات الاستكشاف الأولى، حيث كان الجغرافيون والرحالة المصريون يقطعون مئات الكيلومترات، فى أعماق القارة السمراء، لترسيم حدود نهر النيل واكتشاف منابعه، وتوثيق حياة الشعوب والقبائل.

فى جولتنا هذا الأسبوع، نفتح أبواب الجمعية الجغرافية المصرية ومتحفها الملحق بها، لنستعرض تاريخا يمتد لأكثر من قرن ونصف القرن، منذ كانت فكرة للخديوي إسماعيل، مروراً بمراحل تطورها وتحول اسميها، وصولا إلى دورها العلمى والمتحفى الفريد فى عصرنا الحالى. مع استعرض كامل ومفصل لكافة أقسمها ومقتنياتها النادرة، التى تشكل درة تاج التراث الميدانى والجغرافى لمصر.

الحلم بالفكرة.. ولحظة التأسيس المضيئة

لكى نفهم قصة تأسيس الجمعية الجغرافية المصرية، لا بد أن نعود بذاكرة التاريخ إلى ستينيات وسبعينيات القرن التاسع عشر، حين كانت مصر فى عهد الخديو إسماعيل تعيش عصر نهضة معمارية وعلمية وثقافية واسعة، كان الخديو يحلم بتحويل مصر إلى قطعة من أوروبا، بالتوازي مع التوسع الميداني للسيادة المصرية جنوبا فى عمق السودان وحوض نيل القارة الأفريقية ومناطق الأراضى الاستوائية.

فى تلك الفترة، كانت حركة الكشوف الجغرافية العالمية فى أوج نشاطها، وكان العقل الأوروبي يتسابق لتأسيس الجمعيات الجغرافية، برعايات ملكية ورسمية، لتوجيه الرحلات وتحديد الخرائط الميدانية، وكان لدى الخديو إسماعيل اقتناع راسخ بأن التوسع المصري فى أفريقيا، لا بد أن يقترن بدراسة علمية دقيقة للجغرافيا، والمناخ، والسكان، والموارد الطبيعية، وأن مصر بصفتها الدولة الرائدة فى المنطقة هي الأولى برعاية هذه الكشوف وتوثيقها، بدلا من الاقتصار على البعثات الأجنبية.

وفى التاسع عشر من مايو عام ١٨٧٥، أصدر الخديو إسماعيل مرسومه الخديوى التاريخى بتأسيس الجمعية، تحت اسم "الجمعية الجغرافية الخديوية"، وجاء فى لائحة تأسيسها أن هدف الجمعية هو دراسة العلوم الجغرافية بكافة أشكالها، وتشجيع الاستكشافات فى القارة الأفريقية وتسهيلها، وتجميع المقتنيات والمعلومات الاقتصادية والإحصائية والتاريخية الخاصة بمصر والأقطار المجاورة.

لم تكن الجمعية مجرد ملتقى صامت للعلماء والأكاديميين، بل أصبحت بمثابة غرفة عمليات وملاحة قيادة للبعثات الاستكشافية المصرية فى أعالي النيل، وخليج عدن، وشرق أفريقيا. فمن خلالها تم تجهيز وتمويل ورعاية رحلات استكشافية كبرى، شارك فيها ضباط مصريون، ورحالة أجانب يعملون فى خدمة الحكومة المصرية، مثل السير صمويل بيكر، والجراد باشا تشارلز جوردون، ورامى باشا، ورءوف باشا، بالإضافة إلى علماء مصريين بارزين قاموا برسم الخرائط الأولى لمنابع النيل ومناطق الخط الاستوائي.

التنقل فى أحياء القاهرة

لم تستقر الجمعية الجغرافية فى مقرها الحالى بقلب القاهرة منذ اليوم الأول لتأسيسها، فعند إنشائها عام ١٨٧٥، اتخذت مقرا مؤقتا فى إحدى قاعات الدفترخانة الخديوية بوسط القاهرة، ثم انتقلت إلى منزل أثرى بالقرب من حى الأزبكية. ومع تزايد نشاط الجمعية وتضخم مكتبتها ومقتنياتها المهداة من الرحالة والضباط العائدين من أفريقيا، أصبح البحث عن مقر دائم ومستقل أمرا ملحا لا يقبل التأجيل.

وفى عام ١٩٢٥، وفى عهد الملك فؤاد الأول، انتقلت الجمعية إلى مقرها التاريخى الدائم والرائع، الذي تشغله حتى اليوم، داخل حرم قصر وزارة الحقانية سابقا، بشارع قصر العينى. ومحيط مجلس النواب ومجلس الوزراء حاليا.. تم تصميم هذا المبنى وفق طراز معمارى كلاسيكى فريد، يمزج بين الأسلوب الأوروبى الرفيع والتطعيمات الإسلامية والمصرية، مع قاعة محاضرات فخمة، مبنية على هيئة مسرح رومانى خشبى. وسقف مكسو بالزخارف والأخشاب المنشورة بعناية، وهى القاعة التى شهدت إلقاء مئات المحاضرات العلمية لأكبر علماء الجغرافيا فى العالم.

وقد عكس مسميات الجمعية الجغرافية عبر تاريخها العريض التحولات السياسية الكبرى التي مرت بها مصر، حيث انطلقت تحت اسم "الجمعية الجغرافية الخديوية" بين عامى 1875 و1914، ثم تحول اسمها إلى "الجمعية الجغرافية السلطانية" بين عامى 1914 و1922، عقب إعلان الحماية البريطانية وتحول مصر إلى سلطنة، لتتغير مجددا إلى "الجمعية الجغرافية الملكية" بين عامى 1922 و1952، عقب إعلان استقلال مصر وإعلان المملكة المصرية، وصولا إلى اسمها المستقر حتى اليوم "الجمعية الجغرافية المصرية" عقب قيام ثورة 23 يوليو.

القاعات الكبرى والخرائط النادرة

تحتوي الجمعية عدة أقسام وصالات كبرى، تشكل هيكلها العلمي والمعرفى الممتد، والتى تخدم الباحثين والدارسين فى شتى فروع الجغرافيا والتاريخ والأنثروبولوجيا. تأتي فى المقدمة القاعة الرئيسية للمحاضرات والندوات، والتى تعد تحفة معمارية وفنية تتسع لمئات الحضور، ومصممة بشكل دائرى متدرج، يضمن كفاءة الصوت والتوزيع البصرى، دون الحاجة لأجهزة مكبرة حديثة. تحيط بالقاعة لوحات زيتية ضخمة لملوك وحكام مصر، الذين رعوا الجمعية، بدءا من الخديو إسماعيل وحتى الملك فؤاد الأول، إلى جانب خرائط جدارية نادر، توضح سير الكشوف الجغرافية المصرية فى القارة الأفريقية، وهى القاعة التى شهدت استضافة مؤتمرات جغرافية دولية حاسمة، ومحاضرات لعلماء كبار مثل جمال حمدان، وسليمان حزين، وغيرهما من قادة الفكر الجغرافى.

كما تضم الجمعية إحدى أندر المكتبات الجغرافية فى الشرق الأوسط والعالم، وأكثرها ثراء، وتحوى أكثر من مائة ألف مجلد وكتاب بلغات متعددة، تشمل العربية، والفرنسية، والإنجليزية، والألمانية، والإيطالية، وتغطى موضوعات الجغرافيا الطبيعية والبشرية، والأنثروبولوجيا، واستكشافات أفريقيا والتاريخ المعاصر. ومن أبرز كنوز هذه المكتبة مجموعة المخطوطات والكتب النادرة التى تضم الطبعات الأولى من كتب الرحالة الكبار، ومطبوعات موسوعة "وصف مصر" التى خلفها علماء الحملة الفرنسية، إلى جانب الأرشيف الفوتوغرافى التاريخى الذى يحتفظ بأكثر من 15 ألف صورة فوتوغرافية نادر، التقوتها البعثات المصرية والأجنبية فى سيناء، والسودان، والحبشة، والمناطق الاستوائية خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

ولا يكتمل الحديث عن الجمعية دون الوقوف أمام قسم الأطلس والخرائط النادرة، والذي يحتوى على ثروة قومية ودولية لا تقدر بثمن، حيث يستقر فى أدراجه ومجلداته أكثر من ١٢ ألف خريطة وأطلس أثري. تتنوع بين خرائط مرسومة يدويات، وأخرى مطبوعة بأساليب الحفر القديمة، وتتضمن هذه الخزانة الخرائط الأولى التي وضعها الضباط والمهندسون المصريون التابعون للجيش المصري. فى القرن التاسع عشر، لترميم مجرى النيل والأنهار المترابطة معه، وطبعات قديمة جدا من أطلاسات العالم، التى كانت تطبع برعاية البلاط الخديوي والملكي. بالإضافة إلى خرائط ترسيم الحدود الحدودية والتفصيلية للقطاعات المصرية والمدن القديمة.

متحف الإثنوغرافيا

إذا كانت المكتبة وخزانة الخرائط تشكلان العقل المفكر للجمعية الجغرافية المصرية، فإن المتحف الإثنوغرافي الملحق بها يعتبر قلبها النابض وروحها الخالدة، أنشئ هذا المتحف الفريد من نوعه بتوجيه مباشر من الخديو إسماعيل، وافتتح رسميا بالتزامن مع المؤتمر الجغرافي الدولي، الذى استضافته القاهرة عام 1925 فى عهد الملك فؤاد الأول.

وكلمة أثنوغرافيا تعنى علم دراسة الشعوب وثقافاتها وعاداتها وأدوات حياتها اليومية. والمتحف الأثنوغرافي بالجمعية الجغرافية لا يعرض آثارا فرعونية أو يونانية، كالمتاحف التقليدية، بل يعرض حياة الإنسان بكل تفاصيلها من أدوات صيده، وملابسه، وأسلحته، وحليه، وأوانيه، وطقوسه الدينية، وحتى أدوات الترفيه والتدخين والموسيقى، مما يجعله وثيقة حية تجسد التنوع الثقافى لشعوب القارة الأفريقية ووديان مصر وسكان صحاريها، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.

يتكون المتحف من عدة قاعات ومجالات عرض متخصصة، متسقة بعناية فائقة لتأخذ الزائر فى رحلة عبر الزمان والمكان، تبدأ من "قاعة القاهرة والتقاليد المصرية القديمة"، التى تروى تفاصيل الحياة اليومية فى أحياء القاهرة والريف المصري، خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، مع التركيز على المهن والأنشطة الشعبية التى اندثر معظمها اليوم. وتضم هذه القاعة مجسمات وأدوات حقيقية أصلية، كان يستخدمها الحرفيون فى أحياء القاهرة القديمة، مثل الجمالية والخيامية وحي السيدة زينب والفورية، كصندوق الحلاق الخشبى المرصع بالصدف والموس والمرايا القديمة، وأدوات الحجامة والسحب، إلى جانب كير السقا المصنوع من الجلد الطبيعي، والأوانى النحاسية والأكواب التى كان يوزع بها الماء فى شوارع القاهرة وحاراتها. كما تضم نماذج فريدة لصندوق الدنيا الخشبى، الذي كان يعرض للأطفال فى الأعياد، وأدوات المقهى البلدى القديم من أوانى إعداد القهوة على الفحم، والجراموفونات الأولى وشيش الشارع القديمة.

وتستعرض القاعة تنوع أزياء المصريين والمصريات، بحسب الأقاليم والطبقات الاجتماعية، مثل الملاية اللف السكندرية والقاهرية، بالبرقع والبيشة، وأزياء الفلاحات بقرى الدلتا والصعيد، المصنوعة من القطن والتطريز اليدوى الفاخر، إلى جانب تشكيلة نادرة من مجوهرات النساء، المكونة من الفضة الخالص والخرز والكرز والعيون الزرقاء، ك"الكردان" الفلاحى الثقيل، والخلاخيل الفضية، والتعاويذ، وحوامل المصاحف الصغيرة التى كانت تعلّق على الصدر لحماية صاحبها.

قاعة العادات والطقوس

تنقلنا الجولة داخل قاعة العادات والتقاليد وأدوات الحياة اليومية إلى الممارسات الاجتماعية والطقوس

المرتبطة بدورة حياة الإنسان المصري والأفريقي. من الميلاد والختان، مرورا بالزواج والزينة، وصولا إلى الوفاة والمآتم.

تحوى القاعة مقتنيات طقوس السبوع والولادة من الأوانى الفخارية والنحاسية، والشموع النقوشة، والغربال القديم المصنوع من الجلد والخشب، إضافة إلى أدوات الزينة والتجميل النسائى كالمكاحل المصنوعة من العاج والأبنوس والنحاس، وأطباق الحناء وأدوات تسريح الشعر الخشبية العتيقة التى كانت تستخدمها النساء فى الريف والصعيد. وتوجد بالقاعة أيضا أدوات التسلية والموسيقى، وتشكيلة من أجهزة التدخين والغليون النادرة المصنوعة من أنواع خشبية نادرة والأبنوس والمرجان والعاج والنحاس المطعم بالصدف، والتى كان يستخدمها أعيان وباشوات مصر والشرق، فضلا عن الآلات الموسيقية الشعبية الوترية والإيقاعية التقليدية كالربابة، والسمسمية الخاصة بأبناء القناة وسيناء، والدفوف، والناي، والتى توضح الفلكلور الموسيقى للقطاعات المصرية المختلفة.

قاعة أفريقيا والاكتشافات الجغرافية

تعتبر قاعة أفريقيا القاعة الأكبر والأهم على الإطلاق داخل المتحف الأثنوغرافي. وهي الثمرة المباشرة للبعثات الاستكشافية والضباط المصريين والرحالة الذين جابوا القارة السمراء تحت رعاية الجمعية الجغرافية فى عهد الخديو إسماعيل. تحوى القاعة فيما يلي استخراج النص كاملاً من الصور المرفقة بالترتيب وبالتنسيق والفقرات الأصلية دون أي تغيير:

أكبر تشكيلة من الأسلحة البدائية والتقليدية لشعوب وقبائل شرق ووسط أفريقيا وحوض النيل، مثل قبائل الدينكا، والنواير، والشلوك، والباريا، والمورو. وتتنوع هذه المقتنيات بين الأقواس والسهام المصنوعة بدقة عالية، والمزودة برؤوس حديدية وعظمية مسمومة بأنسجة نباتية وحيوانية، كان يستخدمها الصيادون فى الأحراش الاستوائية، والدروع القتالية الضخمة المصنوعة من جلود أفرس النهر والحصان المائى والأفيال والتماسيح والزرافات، إلى جانب الرماح القتالية والسيوف والخناجر البدوية المصنوعة يدويا، والتي تظهر مهارة القبائل الأفريقية فى تشكيل المعادن وتزيين أغمادها بالجلود والخرز.

كما تستعرض القاعة أدوات الصيد والزراعة والحياة البرية، التى تظهر التكيف البشرى المذهل للإنسان الأفريقى مع بيئته الطبيعية، من شباك ومصايد خشبية وعظمية مبتكرة لصيد التماسيح والأسماك الكبيرة فى بحيرات فيكتوريا وألبرت، وأوانى الطعام والشراب المصنوعة من الثمار المجففة، كأثمار القرع العسلى والجوز والأخشاب المحفورة التى كانت تستخدم لحفظ اللبن والماء والخمور المحلية.

وتضم القاعة أيضا تشكيلة نادرة من الأقواس والأقنعة الخشبية الأفريقية، التى كان يرتديها السحرة والأطباء التقليديون وقادة القبائل، أثناء الرقصات الطقسية ومراسم إعلان الحرب أو الجنازات، وهى مصنوعة من الأبنوس ومزينة بالريش وأنياب الحيوانات، بالإضافة إلى الملابس المصنوعة من لحاء الأشجار وجلود الحيوانات، والتي صممتها شعوب غابات الاستواء من ألياف ولحاء أشجار الخيزران وجلود الفهود والنمور.

قاعة قناة السويس والسودان

يوجد بالجمعية الجغرافية المصرية قاعة خاصة ومتميزة للغاية، تروى تفاصيل وقصص حفر وافتتاح قناة السويس أمام الملاحة الدولية عام ١٨٦٩، إلى جانب توثيقها العميق للعلاقات التاريخية والسياسية والجغرافية الممتدة بين مصر والسودان، خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. تضم هذه القاعة نماذج ومقتنيات أصلية شهدت اللحظات التاريخية لافتتاح القناة فى عهد الخديو إسماعيل، من خرائط ومخطوطات أصلية لمسار الحفر والبحيرات المرة وبحيرة التمساح، رسمها المهندسون المصريون والفرنسيون، بالإضافة إلى نماذج من الهدايا التذكارية للحفل الأسطورى. كالميداليات الذهبية والفضية، وأوانى الزينة، والوثائق الرسمية المصورة، التى وزعت على ملوك ورؤساء العالم المشاركين فى احتفالات الإسماعيلية وبورسعيد.

ولا تقتصر القاعة على ذلك، بل تستعرض ببراءة الروابط العميقة بين إقليمى وادى النيل ومصر والسودان، عبر الأدوات المنزلية والمنسوجات السودانية، المصنوعة يدويا من القطن والسنط، والأوانى الفخارية السودانية الشهيرة ذات الزخارف النوبية والأفريقية الأصيلة، إلى جانب مجسمات دقيقة للمراكب الخشبية والذهبيات القديمة التى كانت تقطع نهر النيل بين أسوان والخرطوم والمديريات الاستوائية، لنقل البضائع والمستكشفين والبعثات العلمية.

وتتكامل هذه الرحلة فى القاعة التالية المخصصة للسلاح ومقتنيات الرحالة والدبلوماسيين، والتي تضم الهدايا والتبادلات التذكارية والمقتنيات الشخصية التى أهداها كبار الرحالة، والقادة العسكريين، والدبلوماسيين المصريين والأجانب للجمعية الجغرافية على مدار عقود طويلة، وتشمل هذه المقتنيات بنادق الصيد القديمة ذات الماسورة المزدوجة، التى كان يستدمها الرحالة والجغرافيون فى أحراش أفريقيا الوعرة، وعلب الذخيرة المحفورة بدقة، وتلسكوبات الرصد الميدانى. وبوصلات الجيب النحاسية العتيقة، وأجزاء من الخيام والأدوات المعدنية الخفيفة التى استخدمها أبناء الجيش المصري والعلماء، أثناء رحلات ترسيم الحدود ودراسة حوض النيل. كما تحتفظ القاعة بتشكيلة فريدة من التحف والسيوف والمرصعات، التى قدمت كإهداءات رسمية للجمعية من سفراء ووفود الدول الأفريقية والآسيوية والأوروبية، خلال زياراتهم الرسمية لمصر فى القرن العشرين.

وعلى الرغم من مرور أكثر من قرن ونصف على تأسيسها، لا تزال الجمعية الجغرافية المصرية تواصل رسالتها العلمية والتثقيفية بكفاءة وألق متجدد، فهى ليست مجرد متحف أو مكتبة أثرية مغلقة، بل مؤسسة علمية حية تصدر مجلة علمية محكمة، تعد من أعرق المجلات الجغرافية فى العالم، وتستضيف بشكل دورى الندوات والمؤتمرات الجغرافية الكبرى، وتفتح أبواب مكتبتها ومتحفها للباحثين والطلاب والزوار من كافة أنحاء العالم.

زيارة الجمعية الجغرافية المصرية ومتحفها الأثنوغرافى. ليست مجرد فسحة ثانوية فى أحياء القاهرة الخديوية العريقة، بل سفر حقيقى عبر الزمن، واستعادة حية لصفحات مجيدة من تاريخ مصر الاستكشافى والعلمى الرائد فى القارة الأفريقية، وبهذا تتكامل الحكاية وتكتمل تفاصيل الصرح الذى ظل لسنوات طويلة عين مصرية ساهرة، ترصد جغرافيا الأرض وتصون ذاكرتها للأجيال.

محراب الجغرافيا والتاريخ

إذا أردت أن تعيش بنفسك تلك الرحلة الاستكشافية العريقة، بين أروقة الجمعية الجغرافية المصرية ومتحفها الأثنوغرافى. فهو يقع فى شارع قصر العينى بوسط البلد، وتحديداً أمام مبنى مجلس النواب، وبجوار ميدان التحرير، مما يجعله على مقربة شديدة من كافة وسائل المواصلات العامة، وأسهل طريقة للوصول إليه استقلال مترو الأنفاق والنزول فى محطة مترو السادات، ومنها مسيرة دقائق معدودة على الأقدام باتجاه شارع قصر العينى. أو استخدام خطوط "الميكروباص" أو سيارات الأجرة المتجهة إلى منطقة وسط البلد ومجلس النواب، حيث يبرز المبنى بطرازه المعمارى الكلاسيكى.

تفتح الجمعية أبوابها لاستقبال الباحثين والرحالة وعشاق التراث من الأحد إلى الخميس، من التاسعة صباحا وحتى الرابعة عصرا، مع توفير جولات إرشادية مميزة تشرح تفاصيل المقتنيات النادرة باللغتين العربية والإنجليزية. ولأن هذا الصرح العريق يفتح أسراره وكنوزه لكل محبى المعرفة والثقافة، فإن الدخول وزيارة المتحف متاحة مجانا لجميع الزوار، فى دعوة مفتوحة وغير مكلفة للجميع، كى يقضوا وقتا ممتعا بين دفات الكتب وأسرار القارة الأفريقية وعبق القاهرة الخديوية.

عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

خبراء: مصر قادرة على حماية مصالحها فى كل الجبهات.. و «اللى عاوز يجرّب يقرّب»

درويش: استحضار روح أكتوبر يؤكد قدرة الدولة على حماية مصالحها المصرى: السلام خيار استراتيجى ويحتاج لقوة تحميه

مساعد وزير النقل للطرق والكبارى: مشروعاتنا تجاوزت الحدود

النقل المستدام والنظيف يرسخ مكانة مصر كمركز تجارى محورى يربط حركة التجارة العالمية نمضى بخطوات جيدة مع دول الجوار والعمق...

القصة الكاملة للجمعية الجغرافية المصرية ومتحفها الخالد

أصدر الخديو إسماعيل مرسومًا بتأسيسها فى 19 مايو عام 1875 القاعة الرئيسية تحفة معمارية وفنية تتسع لمئات الحضور تضم إحدى...

أميرة فهمى: اليوجا علم وفلسفة وأسلوب حياة

أول مصرية تحصد جائزة رئيس الوزراء الهندى أول شخصيه مصرية تحصل على التكريم العالمى لليوجا فى مصر حرصا على تقوية...