المراهنات الرقمية.. إدمان مفترس يستهدف المراهقين والشباب

جهود قانونية وأمنية كبيرة لمكافحة الظاهرة صفاء إسماعيل: آثارها النفسية والاجتماعية قد تدمر الأسرة بأكملها مجدى المهدى: يعادل فى تأثيره إدمان المواد المخدرة أحمد بدوى: لجنة الاتصالات فى «النواب» تتجه نحو تشديد العقوبات

لم تعد المراهنة مجرد طاولة خضراء في مكان بعيد، يضم بعض المقامرين أو ورقة يانصيب يشتريها البعض وينتظر ضربة حظ.. ففى عصر التحول الرقمي أصبحت المراهنة فى جيب كل مراهق، وتحولت المراهنات من مجرد وسيلة ترفيهية تقليدية كانت تقتصر على بعض الألعاب أو السباقات المحدودة، إلى صناعة عملاقة عابرة للحدود تستهدف ملايين المستخدمين حول العالم...

فأصبحت التطبيقات الإلكترونية والمواقع الرقمية بوابة سهلة للمراهنات الرياضية والإلكترونية، حيث يمكن لأى شخص يمتلك هاتفا ذكيا المشاركة بضغطة زر واحدة.

هذا التحول الذى بدأ كوسيلة للترفيه، أثناء مشاهدة المباريات الرياضية، تحول تدريجيا إلى واحدة من أضخم الصناعات الرقمية فى العالم، تقدر قيمتها بأكثر من ۹۰ مليار دولار سنويا، تستهدف تحديدا الأشخاص الأكثر هشاشة من المراهقين والشباب الباحثين عن ربحسريع، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر اقتصادية واجتماعية ونفسية جسيمة تهدد استقرار الأفراد والمجتمعات.

أصبحت هذه الظاهرة فى مصر مصدر قلق كبيرا لدى الجهات الرسمية والأسر والمؤسسات الدينية، وأعلنت الدولة حربا مفتوحة على (۷۰) تطبيقا مشبوها، وسط تساؤلات ملحة حول مدى قدرة القوانين والتشريعات على مواجهة هذا المد الإلكتروني الجارف.

صناعة مفترسة

لم يكن الانتشار الواسع للمراهنات الرقمية وليد الصدفة بل نتيجة استثمارات ضخمة، إذ يقدر حجم السوق العالمي للمراهنات الرياضية الإلكترونية بعشرات المليارات من الدولارات سنويا، ومن المتوقع أن يتجاوز ١٥٠ مليار دولار بحلول عام ۲۰۲۸. بدأت المراهنات الرقمية بالألعاب التقليدية، ومع انتشار الإنترنت اعتمدت على تقنيات حديثة مثل البث المباشر والرهان الحي أثناء المباريات، ويقدم الذكاء الاصطناعي إحصائيات وتنبؤات تجذب المستخدمين. وقد انتشرت في مصر عشرات التطبيقات رغم الحظر القانوني الصارم مثل XBet و Melbet و Bet٣٦٥ وغيرها التي اعتمدت في استثماراتها على ثلاثة محاور رئيسية هي:

التطبيع عبر الرياضة : ظهور شعارات تحت رعاية أندية أوروبية كبرى فى الدورى الإنجليزي، ثم تسللها إلى ملاعبنا المحلية عبر إعلانات غير مباشرة.

سهولة الدفع: يشارك الملايين فى هذه الأنشطة عبر المحافظ الإلكترونية والعملات المشفرة والكروت الافتراضية، مع إخفاء هوية التحويل، وهو ما دفع السلطات المصرية لمناقشة إجراءات تنظيمية لمنع استخدام الكروت الائتمانية بمواقع القمار، حيث يفاقم ذلك مشكلة نزيف العملة الصعبة، ويؤثر سلبا على الاقتصاد الوطني.

الآليات الإدمانية: وتستخدم نفس آليات "تيك توك"، أول رهان مجانى وأول فوز وهمى يرفع الدوبامين بشكل يشبه الهيروين، ثم خسائر متتالية تدفع المستخدم لمطاردة خسارته، والنتيجة استهداف هذه التطبيقات للشباب والمراهقين مستغلة حماسهم لكرة القدم والرياضة عموما، ووهم الربح السريع الذي يروج له عبر الإعلانات المغرية.

استنزاف وخسائر فردية وجماعية

لا تقتصر آثار المراهنات الرقمية على خسائر المستخدمين، بل تمتد إلى الاقتصاد ككل، إذ تؤدى إلى خروج مبالغ مالية كبيرة إلى منصات تعمل خارج الحدود بعيدا عن أى رقابة مالية أو ضريبية، مما يسهم في ضعف السيولة المحلية ويؤثر على الاقتصاد الكلى. كما أن هذه الصناعة تستخدم أحيانا كغطاء الغسيل الأموال، بتحويل أموال مشبوهة إلى حسابات مراهنات ثم سحبها كـ "أرباح". وقد سجلت الجهات الأمنية عدة قضايا كبرى شملت ضبط عصابات متخصصة في هذا المجال، ومصادرة ملايين الجنيهات وأجهزة تقنية متقدمة.

تفكك أسرى وتأكل القيم

تری دكتورة صفاء إسماعيل، أستاذ علم النفس الاجتماعي ورئيس قسم علم النفس بجامعة القاهرة، أن أخطر ما فى المراهنات الرقمية ليس الخسارة المالية وحدها، وإنما ما تتركه من آثار نفسية واجتماعية، قد تمتد إلى الأسرة بأكملها، إذ يبدأ الأمر بإدمان فردى يؤدى إلى إهمال الزوج أو الابن لمسئولياته، مما يولد نزاعات أسرية مستمرة حول المال والوقت، وظهرت بالفعل قضايا طلاق وطرد طلاب من الجامعات بسبب المراهنات.

وأضافت: بعض الدراسات النفسية ترسم مسار الإدمان على المراهنات بثلاث مراحل تبدأ بالشعور بالنشوة بعد الفوز، ثم مرحلة مطاردة الخسائر وما يصاحبها من ضغوط نفسية واقتراض وإخفاء الحقائق عن الأسرة وصولا إلى مرحلة اليأس التي قد تتضمن الاكتئاب أو العزلة أو السلوك العدواني. كما أن الظاهرة تضعف النسيج الاجتماعي العام، ويتحول بعض الشباب إلى العزلة، مبتعدين عن الأنشطة الرياضية الحقيقية أو التفاعل الاجتماعى الصحى. وفى بعض الحالات يلجأ المدمنون إلى جرائم مثل السرقة أو الاحتيال، لتمويل إدمانهم، مما يزيد من معدلات الجريمة في المجتمع. كما حذر بعض المختصين من أن الخطر لا يقتصر على التطبيقات العالمية، بل يمتد إلى مجموعات تدار عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي تستهدف الشباب من خلال الوعود بتحقيق أرباح سريعة، مقابل الاشتراك في أنشطة مراهنة غير قانونية، مؤكدين أن الفئات العمرية الأصغر - خاصة المراهقين هم الأكثر استهدافا لهذه المنصات، بما يرسخ لدى بعضهم ثقافة الربح السريع على حساب قيم العمل والإنتاج، فنحن أمام جيل يتعلم أن العمل ليس طريق الرزق، بل قد يتحقق بضربة حظ.

الإدمان يشبه المخدرات

ويوضح الدكتور مجدى المهدى الطبيب النفسي المختص في تعديل السلوك وعلاج اضطرابات الأطفال والمراهقين، أن المراهنات الرقمية من أشكال الإدمان السلوكي الخطير، وتعمل على تنشيط مراكز المكافأة في الدماغ، عبر إفراز الدوبامين، مما يخلق شعورا بالنشوة المؤقتة عند الفوز ويؤدى إلى الرغبة في تكرار التجربة؛ حتى بعد الخسائر.

ويصف المهدى هذا الإدمان يعادل في تأثيره إدمان المواد المخدرة، مثل الهيروين أو الكوكايين، حيث يعاني المدمن من أعراض انسحابية شديدة؛ مثل القلق الحاد والاكتئاب والأرق عند محاولة الإقلاع، والعديد من الدراسات أظهرت ارتفاع معدلات الاكتئاب والأفكار الانتحارية بين المدمنين خاصة الشباب الذين يرون في المراهنات حلما للثراء السريع والذي يتحول سريعا إلى كابوس، وسجلت في مصر بالفعل حالات انتحار مباشرة مرتبطة بخسائر مالية كبيرة في هذه التطبيقات.

قصص مأساوية

شهدت مصر عددا من القضايا الجنائية التي ارتبطت بخسائر المراهنات، منها ما أعلنت عنه أجهزة وزارة الداخلية من ضربة كبيرة لتفكيك أخطر تشكيل عصابي تخصص في إدارة عمليات المراهنات الإلكترونية الدولية في مارس (٢٠٢٦) والقبض على وكيل أحد أشهر تطبيقات المراهنات العالمية ومعاونيه، وبحوزتهم أجهزة تقنية وشرائح اتصال ومحافظ الكترونية وعملات مشفرة، وإحالتهم للتحقيق بتهم الوساطة في أعمال مراهنات غير مشروعة وغسيل الأموال وتهريب

العملة.

القضية الأشهر التي هزت الرأى العام في (٢٠٢٤) بالمنصورة، كانت اختطاف وقتل طالب على يد أستاذه، بسبب ديون المراهنات، فبعد أن أدمن المدرس المراهنات وخسر مبالغ طائلة، فكر في خطف تلميذه وطلب فدية من أسرته، وانتهت بإدانته بالإعدام شنقا.

كما أقدم طالب (۱۷) عاما) في يوليو ٢٠٢٥ بالشرقية على قتل جارته المسنة (٦٠) عاما) بطعنات نافذة وسرق ٥٧٠٠ جنيه، ثم أحرق الشقة لإخفاء الجريمة واعترف في التحقيقات أنه أدمن تطبيق مراهنات إلكترونية، وخسر مبالغ كبيرة دفعته إلى السرقة. وفى يناير ٢٠٢٦، تخلص طالب (۱۹) عاما) من حياته شنقا في منشأة القناطر بعد خسارة ٣٥٠ ألف جنيه في تطبيق مراهنات شهير، وقد أدى به الإدمان إلى أزمة نفسية حادة، وأثار الحادث حملات توعية واسعة حول مخاطر إدمان المراهنات. كما سجلت العديد من حالات اعتداء وسرقة داخل الأسر بسبب الخسائر بالإضافة إلى ضبط شبكات تروج للتطبيقات داخل الملاعب ومحاسبة المتورطين في معظم هذه الحالات وفقا لقانون العقوبات.

علاقة المراهنات بزيادة جرائم العنف

رصدت دراسة أمريكية حديثة، نشرت في ديسمبر ٢٠٢٥ أعدها باحثون من جامعتي ميتشيغان ورايس، ارتباطا بين تقنين المراهنات الرياضية وارتفاع معدلات بعض الجرائم العنيفة خلال الساعات التي تلى المباريات مع تسجيل زيادات تراوحت بين ۳۰ و ۷۰٪ في بعض الحالات. كما كشفت دراسة أمريكية أخرى أن تقنين المراهنات الرياضية، يرتبط بزيادة معدلات العنف الأسرى التي ارتفعت بنسبة ٩٣، خاصة في حالات خسارة الفريق المتوقع فوزه، وأرجعت ذلك إلى التداخل بين الضغوط المالية والانفعالات الرياضية، واستخدمت الدراسة بيانات الجريمة من ۲۰۱۱ إلى ۲۰۲۲، وكانت المفاجأة أن الزيادة في الجريمة لا تقتصر على الولايات التي شرعت المراهنات بل حتى الولايات التي لا تسمحبالمراهنة حيث يسافر سكانها للمراهنة ثم يعودون غاضبين، وفي السياق المصري يخشى أن تؤدي الخسائر المالية والتوتر النفسي إلى جرائم مشابهة، كما حدث في الحوادث المسجلة.

قدرة القوانين على المواجهة

يجرم القانون المصري المراهنات صراحة بموجب مواد قانون العقوبات، خاصة المادة ٣٥٢ التي تعاقب على إعداد أماكن للقمار بالحبس والغرامة. كما صدرت عقوبات مشددة تصل إلى حبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامات تصل إلى ملايين الجنيهات للوسطاء والمروجين.

وتعمل الأجهزة الأمنية على حجب التطبيقات وضبط الشبكات، ومع ذلك تواجه القوانين تحديات كبيرة حيث تعمل معظم هذه المنصات من خارج مصر وتستخدم تقنيات التشفير والعملات الرقمية لإخفاء المعاملات، ويتطلب الأمر تطوير تشريعات جديدة تركز على الجرائم الإلكترونية وتعزيز التعاون الدولي وتشديد الرقابة على الدفع الإلكتروني.

تعديلات تشريعية

أوضح النائب أحمد بدوى، رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب، أن أحد تطبيقات المراهنات استقطب نحو ۱۱ مليون مستخدم داخل مصر بينما تدار هذه التطبيقات من سماسرة تورطوا في عمليات نصب واحتيال إلكتروني، حققت ملايين الدولارات. وتبدأ رحلة الخسارة غالبا بمبالغ بسيطة، لكنها تتطور إلى الاستدانة أو بيع الممتلكات. واللجوء إلى الاقتراض بفوائد مرتفعة، أو إلى وسائل غير مشروعة لتوفير الأموال.

وأكد بدوى أن اللجنة ستشرع مع بداية دور الانعقاد الحالي - في مناقشة تعديلات تشريعية شاملة على قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، تشمل إضافة بنود جديدة لتجريم المراهنات الإلكترونية بصورها كافة، بما يواكب التطورات المتسارعة في هذا النشاط الرقمي، ويسد الثغرات التي تستغلها المنصات غير المشروعة.

وقال بدوى إن المراهنات الإلكترونية تمثل تحديا حقيقيا يستهدف مختلف الفئات العمرية، خاصة الشباب من خلال استدراجهم بوعود مكاسب وهمية، مما يؤدى إلى خسائر مالية واجتماعية ونفسية جسيمة، موضحا أن هذه الظاهرة تختلف جذريا عن الألعاب الإلكترونية التقليدية، إذ تعتمد على آليات إدمانية وممارسات غير مشروعة تتجاوز مجرد الترفيه، مشيدا بالجهود الحكومية المبذولة في مكافحة الظاهرة، خاصة بعد حجب أكثر من ٧٠ موقعا وتطبيقا يمارس هذا النشاط.

ولفت بدوى إلى أن القائمين على هذه المنصات يلجأون إلى أساليب ملتوية للالتفاف على إجراءات الحجب سواء عبر تطبيقات بديلة أو وسطاء يسهلون الوصول إليها، مما يستدعى تطوير المنظومة التشريعية بالتوازي مع الإجراءات التقنية، وشدد على أن مواجهة المراهنات الإلكترونية تتطلب تكاملا بين ثلاثة محاور أساسية: التشريع، والتكنولوجيا، والتوعية المجتمعية.

وأكد أن رفع الوعى بين الشباب والأسر يمثل خط الدفاع الأول، لأنه يحد من جذب المواطنين إلى هذه المنصات، ويقلل آثارها السلبية على الاستقرار الأسرى والمجتمعى.

وأضاف بدوى أن اللجنة تتجه نحو تشديد العقوبات على كل من ينشئ أو يدير أو يروج أو يتوسط في أنشطة المراهنات الإلكترونية، لتحقيق الردع العام والخاص وغلق كل الثغرات التي تستغلها هذه المنصات

مؤكدا أن التعديلات الجديدة تهدف إلى حماية المجتمع والاقتصاد الوطنى دون المساس بالاستخدام المشروع للتكنولوجيا والإنترنت، وأنه جرى مخاطبة البنك المركزى المصرى لاتخاذ إجراءات رقابية على المراهنات الرياضية، بعد أن تبين أن حجم التحويلات الخارجية عبرها يهدد الأمن المالي.

حملات التوعية

تصاعدت بعض الدعوات لمواجهة هذه الظاهرة، موصية بتكثيف الحملات التوعوية فى المدارس والجامعات والمساجد، وتفعيل برامج دعم نفسي للمدمنين عبر صندوق مكافحة الإدمان، مع توجيه الأسر المراقبة استخدام أبنائها للهواتف، وتشجيع الأنشطة الرياضية الحقيقية، بدلا من الافتراضية وحظر الترويج الإعلامي لهذه التطبيقات، فالمراهنات الرقمية ليست مجرد لعبة أو وسيلة ترفيه، فقد تحولت بعض الحالات الفردية إلى قصص مأساوية أثبتت خطورة الظاهرة، مما يتطلب جهدا وطنيا شاملا يجمع بين التشريع الصارم والرقابة التقنية والتوعية المستمرة، والدعم النفسي والاجتماعي، فالرهان الحقيقى اليوم ليس على نتيجة مباراة أو رهان رقمى، بل على بناء مجتمع واع قادر على حماية أبنائه من مخاطر العصر الرقمي.

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

خاص - مجلة الاذاعة والتليفزيون

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

المراهنات الرقمية.. إدمان مفترس يستهدف المراهقين والشباب

جهود قانونية وأمنية كبيرة لمكافحة الظاهرة صفاء إسماعيل: آثارها النفسية والاجتماعية قد تدمر الأسرة بأكملها مجدى المهدى: يعادل فى تأثيره...

أحدث طرق النصب الإلكتروني على عملاء البنوك محتال على الخط

المحتالون يستغلون المناسبات والأعياد وعروض التسوق وصرف الرواتب لإطلاق حملات تصيد واسعة لإغراء الضحايا

جرائم المراهقين فى بيتى

بسبب الدلع والتساهل وكسب رضا الأبناء.. والموبايل روشتة المواجهة: عدم منح الأبناء حرية استخدام السيارات أو الدراجات قبل اكتساب الوعى...

رحلة البريد المصرى.. من سعاة الفراعنة إلى بوابات المستقبل

رسائل على جدار التاريخ متحف البريد المصرى يضم أكثر من نصف مليون قطعة ومستند وطابع بريدى