رسائل على جدار التاريخ متحف البريد المصرى يضم أكثر من نصف مليون قطعة ومستند وطابع بريدى
قبل أن تعرف البشرية برقيات الضوء وسرعة الألياف الضوئية، كانت مصر تضع اللبنات الأولى لأنظمة المراسلات ونقل الأنباء، لم يكن البريد في أرض الكنانة مجرد أداة لنقل الخطابات أو الطرود، بل كان شريان إدارة الدولة ووسيلة الربط بين العاصمة والأقاليم، وشاهدا حيا على تطور البنية الإدارية والهندسية للمجتمع المصرى عبر مختلف العصور.
يعود تاريخ نقل المراسلات التنظيمية في مصر إلى عهد الدولة القديمة، حوالى ۲٤٠٠ قبل الميلاد حين اعتمد الفراعنة على نظام السعاة عدائى البريد) الذين كانوا يقطعون المسافات عبر ضفاف النيل ركضا على الأقدام، أو باستعمال المراكب النهرية لنقل الأوامر الملكية والتقارير الإدارية، بين الفرعون وحكام الأقاليم، وتكشف البرديات التاريخية أن الرسائل كانت تكتب على ورق البردى أو الأوستراكا أقشاط الفخار) وتختم بختم الملك أو الوزير، لضمان سرية محتواها.
وفي العصر البطلمى والروماني شهد النظام البريدي تنظيما أعمق؛ حيث قسم البريد إلى نوعين: البريد السريع (الملكي)، وكان مخصصا لنقل كتابات الملوك والقيادات العسكرية باستخدام الخيول، والبريد العادى لنقل المراسلات الإدارية والتجارية عبر الجمال والمراكب. وتم إنشاء محطات استراحة على طول الطرق الرئيسية لتغيير الخيول وإراحة السعاة.
أما في العصر الإسلامي، وبخاصة في العصرين الفاطمي والمملوكي، بلغ نظام البريد ذروة كفاءته وأنشأ سلاطين المماليك محطات خاصة لـ بريد الخيل كما ابتكروا نظام البريد الجوى الأول، باستعمال الحمام الزاجل لنقل الرسائل العاجلة بين القاهرة ودمشق وحلب، إلى جانب نظام أبراج الإشارات الضوئية والنارية على قمم الجبال لنقل أنباء الخطر.
من البوسطة الأوروبية إلى هيئة البريد
مع اتساع حركة التجارة فى عهد محمد على باشا أسس الإيطالي كارلو ميراتشاتي مشروعا خاصا لنقل المراسلات بين القاهرة والإسكندرية، باسم البوسطة الأوروبية، عام ١٨٤٠ ، واعتمد المشروع على نقل الخطابات والأوراق التجارية والمالية، لقاء أجر محدد، وحقق نجاحا تنظيميا كبيرا داخل البلاد. وفى يناير عام ١٨٦٥ ، اشترت الحكومة المصرية - في عهد الخديو إسماعيل - مشروع البوسطة الأوروبية من صاحبه، وجعلت لنفسها احتكار نقل المراسلات داخل البلاد وخارجها، وعين الإيطالى موزى بك أول مدير عام للبوسطة المصرية، وصدر في عام ١٨٦٦، أول مجموعة طوابع بريدية مصرية مطبوعة في جنوة بإيطاليا، لتصبح مصر أول دولة في الشرق الأوسط وأفريقيا تصدر طوابع بريدية خاصة بها. وكانت مصر من الدول التسع الأولى التي أسست الاتحاد البريدي العالمي عام ١٨٧٤ ، خلال مؤتمر برن بسويسرا.
على مدار القرن العشرين، مر البريد المصرى بعدة مراحل تنظيمية، ففى عام ۱۹۳۱ انتقل مقر الإدارة العامة للبريد إلى مبناها التاريخي الشهير بميدان العتبة بالقاهرة. وفى عام ١٩٦٥ تأسست المؤسسة المصرية العامة للبريد، وفى عام ۱۹۸۲ صدر القانون رقم ۱۹ لسنة ۱۹۸۲ بإنشاء الهيئة القومية للبريد، لتصبح هيئة اقتصادية تابعة لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لاحقا.
التحول الرقمي
لم يعد البريد المصرى اليوم مجرد مكتب لنقل الخطابات ورسائل المعايدة، بل تحول إلى مؤسسة مالية وخدمية ولوجيستية متكاملة، تشمل الخدمات الحالية صندوق التوفير والخدمات المالية المتقدمة وتقديم الخدمات المصرفية الشاملة وبطاقات الدفع الإلكتروني، ونقل الطرود والبضائع للداخل والخارج بنظم رقمية، كذلك تطوير المكاتب التاريخية الرئيسية مثل مكتب بريد العتبة، ومكتب بريد أسوان التاريخي مع الحفاظ على طابعها المعماري الأثري، وتزويدها بأحدث النظم الإلكترونية لخدمة المواطنين.
متحف البريد المصرى
تزامنا مع النجاح الكبير الذي حققته مصر في تنظيم المؤتمرات الدولية في ثلاثينيات القرن الماضي ظهرت الفكرة الأولى لإنشاء متحف يوثق تاريخ البريد والخدمات المكتوبة فى مصر. ويعود الفضل الأول في توثيق وتجميع مقتنيات البريد إلى الملك فؤاد الأول الذي كان شغوفا بهواية جمع الطوابع والمقتنيات التاريخية، وصدر القرار الرسمى بإنشاء المتحف تزامنا مع استضافة مصر مؤتمر البريد الدولى العاشر بالقاهرة عام ١٩٣٤ ، وتقرر تخصيص المبنى العريق الملحق بمبنى العتبة الرئيسي في ميدان العتبة بقلب القاهرة، ليكون مقرا دائما للمتحف، وافتتح أبوابه
رسميا للجمهور والباحثين في ٣١ يناير عام ١٩٤٠، في عهد الملك فاروق الأول، ليصبح ثاني أهم متحف متخصص للبريد في المنطقة العربية وأفريقيا، بعد متحف البريد في بعض الدول الأوروبية.
مع مرور العقود، وزيادة المقتنيات الوثائقية والطوابع والمجسمات شهد المتحف عدة محطات لتوسيع مساحته وتنظيم معروضاته أولى محطات التطوير كانت بعد قيام ثورة ۱۹۵۲، وجرى إعادة هيكلة لقاعات العرض لإبراز التحول القومى للمؤسسة، وزود المتحف بقسم خاص لطوابع البريد المصرية، يوثق كافة الإصدارات منذ عام ١٨٦٦ حتى العصر الجمهوري.
واستمرت صيانة وتأهيل المتحف في السبعينيات والثمانينيات، حيث جرى ترميم الخرائط التاريخية والمجسمات الشمعية والخشبية التي تعرض وسائل النقل القديمة، وتجميع وثائق النقل البريدي عبر هيئة قناة السويس والخطوط المباشرة مع أوروبا ودول الخليج العربي.
وجاء مشروع التطوير الشامل والتحديث الرقمي المعاصر، في إطار رؤية الدولة المصرية للحفاظ على التراث المعماري والتاريخي للمؤسسات القومية وخضع متحف البريد المصرى لمشروع ترميم وتطوير هو الأكبر في تاريخه، ليتحول إلى تحفة معمارية وتكنولوجية تجمع بين العراقة والرقمنة، وترميم واجهات المبنى التاريخي والممر الأثرى الممتد في ميدان العتبة، مع إعادة إحياء الأسقف الخشبية والزخارف المعمارية الأصلية التي تعود للقرن العشرين، إضافة إلى تزويد القاعات بآليات إضاءة متحفية ذكية لحماية المخطوطات والوثائق وطوابع البريد النادرة من الأشعة الضارة والتلف، وإضافة سيناريو العرض التفاعلى والحديث، وشاشات رقمية وتفاعلية تعمل باللمس، لتمكن الزائر من تصفحالأرشيف الكامل الطوابع البريد المصرية بضغطة زر ومعرفة القصة التاريخية لكل طابع، وسنة إصداره ومناسبته، مع توفير رمز استجابة سريع بجوار كل قطعة ومجسم، يتيح للزائر قراءة وتصفح المعلومات والمستندات التاريخية باللغتين العربية والإنجليزية فيما يعرف بتقنيات الكيو آر کود، كما جرى إضافة تقنية الهولو جرام، وهى عروض مرئية مجسمة توضحرحلة البريد وسعاة الفراعنة والحمام الزاجل مما يجعل زيارة المتحف تجربة ممتعة وجذابة للأطفال
والشباب والرحلات المدرسية والجامعية.
جولة في بهو العتبة العظيم
تبلغ مساحة متحف البريد المصرى حاليا، بعد تطويره حوالی ۷ آلاف متر مربع، وتضم أروقته أكثر من نصف مليون قطعة ومستند وطابع بريدي. يتوزع المعرض المتحفى في سيناريو سلس ومترابط عبر قاعات ومحاور رئيسية.
يستقبلك قسم التاريخ والبدايات بمجسمات شمعية وفنية دقيقة، مصممة بمقاييس هندسية حية، توضحوسائل النقل البدائية، وتماثيل تجسد "عدائى البريد" في مصر القديمة، وهم يحملون ورق البردى والأسلحة الخفيفة لحماية الرسائل، ونموذج مصغر لبرج الحمام الزاجل في العصر المملوكي، مع عرض الرسائل الدقيقة والخواتم المعدنية الخفيفة، التي كانت تربط في أرجل الحمام لنقل أنباء الحروب والسلم. كما توجد مجسمات كاملة للجياد والجمال المجهزة بحقائب جلدية متينة (الخرج) لنقل البريد بين الولايات.
قسم البوسطة الخديوية والمباني التاريخية يعرض العربات الملكية والخشبية التي كانت تجرها الخيول لنقل الخطابات بين القاهرة والإسكندرية في القرن التاسع عشر، ونماذج معمارية دقيقة لمبنى البريد الرئيسي بالعتبة، ومكاتب البريد في السويس والإسكندرية عند نشأتها.
وبعرض قسم صناديق البريد التاريخية مجموعة نادرة من صناديق جمع الخطابات النحاسية والحديدية والمطلى بعضها باللون الأحمر والأخضر والذهبي والتي كانت تثبت في الشوارع والميادين الكبرى.
يعد قسم طوابع البريد (جواهر التاج المتحفى) الأهم والأغنى على مستوى الشرق الأوسط، إذ يحوى ألبومات وثائقية تضم مجموعة عام ١٨٦٦، وهي الإصدار الأول للطوابع المصرية ذات النقوش العثمانية والرموز المصرية القديمة والطوابع التذكارية وتضم ألبوما شاملا يوثق كافة المناسبات القومية، والألعاب الرياضية، والمؤتمرات الدولية، وافتتاح المشاريع الكبرى مثل قناة السويس، والسد العالي، وتأسيس الجامعة المصرية وتوجد مجموعة طوابع الملوك والرؤساء تحمل صور الملك فؤاد، والملك فاروق والرؤساء جمال عبد الناصر، وأنور السادات، وحسنى مبارك، وتطويرات العهد الحالي.
ويضم قسم أدوات المطبعة القوالب النحاسية والخشبية والألواح الحجرية، التي كانت تستخدم في طباعة وتثقيب الطوابع قديما، بالإضافة إلى قسم أدوات وملابس البريد والأختام والموازين المصنوعة من النحاس والحديد لتحديد أوزان الخطابات والطرود وتكلفتها، إلى جانب أختام الشمع الأحمر التاريخية وأختام التاريخ والتأجيل.
كذلك يوجد عرض تاريخي لتطور الملابس الرسمية ل محصل البريد" و "موزع الخطابات" منذ العصر الخديوي بالطربوش والبدلة الكاكي، مرورا بالزي العسكرى في أوقات الحرب، ووصولا إلى الزي الموحد الحديث.
قسم العلاقات الدولية والاتحاد البريدي يضم الاتفاقيات والوثائق الأصلية لانضمام مصر للاتحاد البريدي العالمي (UPU)، والخرائط التاريخية، التي توضح مسارات السفن والقطارات الناقلة للبريد الدولي بين مصر ودول العالم.
ويقع مبنى البريد الرئيسي في منطقة الرقبة بميدان العتبة بجوار محطة مترو العتبة وسط القاهرة، يفتحالمتحف أبوابه من الأحد إلى الخميس، ويغلق يومى الجمعة والسبت والعطلات الرسمية، ومواعيد الزيارة من 9 صباحا حتى ٢ ظهرا، وأسعار التذاكر ١٠ جنيهات. والطلاب 5 جنيهات، أما الزائر الأجنبي ٥٠ جنيها والطالب الأجنبي ٢٥ جنيها.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جهود قانونية وأمنية كبيرة لمكافحة الظاهرة صفاء إسماعيل: آثارها النفسية والاجتماعية قد تدمر الأسرة بأكملها مجدى المهدى: يعادل فى تأثيره...
المحتالون يستغلون المناسبات والأعياد وعروض التسوق وصرف الرواتب لإطلاق حملات تصيد واسعة لإغراء الضحايا
بسبب الدلع والتساهل وكسب رضا الأبناء.. والموبايل روشتة المواجهة: عدم منح الأبناء حرية استخدام السيارات أو الدراجات قبل اكتساب الوعى...