ليس مجرد فيلم مطاردات أو بقاء على قيد الحياة الفيلم لا يخلو من الثغرات الدرامية والمصادفات رغم حفاظه على توتره حتى النهاية
لا يحتاج فيلم 2015 Dead of Winter إلى وحوش أو أشباح ليصنع الرعب.. يكفيه أن يضع شخصياته في قلب عاصفة ثلجية، بعيدًا عن أي نجدة، حتى تصبح الطبيعة نفسها شريكا فى صناعة التوتر. يقدم المخرج براين كيرك فيلما يمزج بين التشويق النفسي ودراما البقاء، معتمدا على أجواء خانقة وإيقاع متصاعد، أكثر من اعتماده على الاستعراض أو العنف المبالغ فيه. ويقدم الفيلم تجربة سينمائية موجهة لعشاق التشويق النفسى والحكايات الهادئة المتصاعدة، التي تعتمد على التوتر والأداء أكثر من الأكشن، إذ تكمن قيمته الحقيقية في قدرته على تحويل العزلة والبرد القارس إلى اختبار أخلاقي وإنساني يكشف حدود القوة الداخلية للإنسان، وكيف يمكن لقرار واحد في لحظة يأس أن يغير مصير الجميع.
تدور الأحداث حول «بارب»، أرملة تؤدى دورها إيما طومسون تسافر عبر شمال ولاية مينيسوتا لتنفيذ وصية زوجها الراحل. لكن رحلتها تنقلب رأسًا على عقب عندما تضيع وسط عاصفة ثلجية، لتجد نفسها في كوخ معزول تكتشف داخله فتاة مختطفة يحتجزها زوجان مستعدان لفعل أي شيء للحفاظ على سرهما. ومن تلك اللحظة يتحول الفيلم إلى صراع مرير بين الخير والشر، وبين غريزة النجاة والإحساس بالمسئولية تجاه الآخرين.
مفاجأة
أكبر مفاجآت الفيلم كانت الأداء اللافت لإيما طومسون، التي تخرج عن إطار أدوارها الدرامية المعتادة، لتجسد شخصية صلبة وقوية، لكنها محملة في الوقت نفسه بثقل الحزن والوحدة تنجحطومسون في إقناع المشاهد بأنها خارقة، بل امرأة عادية تدفع قسرًا إلى مواجهة خطر يتجاوز حدود قدرتها، مما يجعل كل إنجاز تحققه يبدو مستحقا وكل لحظة ضعف تمر بها نابضة بالصدق والتأثير. كما يقدم كل من جودى جرير» و «مارك مينشاكا» شخصيتين يلفهما القلق، تتسمان بالبرود والغموض في دوافعهما، مما يضيف طبقة إضافية من التوتر إلى الأحداث.
ا أداء استثنائى
ولا يبدو هذا الأداء الاستثنائى مفاجئا لمن يعرف مسيرة إيما طومسون، التي تعد واحدة من أبرز نجمات السينما البريطانية، إذ تمتلك سجلا حافلا بأعمال لافتة مثل Sense and Sensibility و Nanny Love Actually Howards End McPhee. وقد اشتهرت بقدرتها على تقديم شخصيات معقدة تتسم بالهدوء الظاهري والعمق الداخلي، وغالبا ما تحمل طبقات من المشاعر المتناقضة، التي تجمع بين الرصانة والبرود النسبي والغموض فى الدوافع، وهو ما يمنح أدوارها حضورًا خاصا يرسخ في ذاكرة المشاهد. وتنعكس هذه الخبرة بوضوح فى شخصية بارب، التي تبدو قوية ومنكسرة في الوقت نفسه، وهو التناقض الذي منحالشخصية إنسانيتها وصدقيتها.
بصريا، يستغل الفيلم البياض اللامتناهي للثلوج ليمنح المشاهد إحساسا بالعزلة والاختناق. فالمساحات المفتوحة تبدو كسجن هائل لا يمكن الهروب منه بينما تتحول الطبيعة القاسية إلى عدو لا يقل خطورة عن البشر. وقد صورت المشاهد الخارجية في فنلندا، بينما أنجزت المشاهد الداخلية في ألمانيا، وهو ما منحالفيلم مظهرا واقعيا ومقنعًا.
براين مكيرك
ويتولى إخراج الفيلم براين كيرك المخرج الأيرلندي المولود عام 1968، والذي رسخ سمعته من خلال أعماله التلفزيونية المرموقة قبل انتقاله إلى السينما. أخرج حلقات من مسلسلات بارزة مثل و Boardwalk Empire Game of Thrones Dexter و Luther، واشتهر بقدرته على خلق أجواء مشحونة بالتوتر النفسي مع تركيز واضح على بناء الشخصيات، وتطوير الإيقاع السردي، أكثر من اعتماده على المشاهد الاستعراضية. وفى Dead of Winter يوظف خبرته في صناعة التشويق، ليجعل من الطبيعة عنصرا فاعلا في السرد، إذ تتحول العاصفة الثلجية والفضاءات البيضاء الشاسعة إلى قوة ضاغطة، تعمق الإحساس بالعزلة والخطر وتمنح الفيلم هويته البصرية والنفسية المميزة.
ورغم نجاح Dead of Winter في الحفاظ على توتره حتى اللحظات الأخيرة، فإنه لا يخلو من بعض الثغرات الدرامية والمصادفات، التي أشار إليها عدد من النقاد، لكنها لا تفسد تجربة المشاهدة بقدر ما تبدو تنازلات مقصودة لخدمة إيقاع الحبكة. تبدأ هذه المصادفات منذ اللحظة التى تتعطل فيها سيارة بارب وسط العاصفة، في المكان نفسه الذي يقع فيه الكوخ الذي تحتجز داخله الفتاة المختطفة، وهي المصادفة التي تنطلق منها أحداث الفيلم بأكملها. كما أن اكتشاف بارب للجريمة يحدث بسرعة نسبية، رغم أن الخاطفين أمضيا وقتا طويلا في إخفاء أمر الفتاة وهو ما رأى فيه البعض تبسيطا دراميا. كذلك يلفت الانتباه تردد الخاطفين فى أكثر من موقف حاسم إذ يمتلكان فرصا للتخلص من بارب، لكن قراراتهما المترددة تمنحهما أكثر من فرصة للهرب والمقاومة بما يخدم استمرار الصراع وتصاعد التوتر.
مبالغة درامية
وتستمر هذه الملاحظات مع قدرة بارب الجسدية على تحمل مطاردات ومواجهات طويلة، وسط البرد القارس، رغم أنها امرأة متقدمة في العمر نسبيا، وتعانى الإرهاق والإصابة، وهو ما اعتبره بعض المشاهدين مبالغة درامية. كما تبدو الفتاة المختطفة في بعض المشاهد أكثر هدوءًا وتعاونا مما يتناسب مع حالتها النفسية بعد الاحتجاز الأمر الذي يقلل قليلا من واقعية الشخصية. أما النهاية فجاءت سريعة مقارنة بحجم التوتر الذي بناه الفيلم، وأنها اعتمدت على الحظ أكثر من اعتمادها على تخطيط الشخصيات ومع ذلك، تبقى هذه الملاحظات محدودة التأثير، لأن قوة الفيلم ليست في دقة تفاصيله المنطقية بقدر ما تكمن في أجوائه الخانقة، والتوتر المستمر، والأداء القوى لإيما طومسون، وهى عناصر تجعل معظم المشاهدين يتجاوزون هذه الهفوات بسهولة في سبيل الحفاظ على الإيقاع والتشويق.
الإيرادات
وعلى الصعيد الإنتاجي، لم تعلن شركة الإنتاج أو الموزعون عن الميزانية الرسمية للفيلم، لذلك لا توجد أرقام موثقة يمكن الاستناد إليها، وإن كانت طبيعة الإنتاج، ومحدودية مواقع التصوير، وعدد الشخصيات الرئيسية، تشير إلى أنه ينتمى إلى فئة الأفلام منخفضة الميزانية. أما على مستوى شباك التذاكر، فقد حقق Dead of Winter إيرادات عالمية تجاوزت 2.5 مليون دولار منها نحو 1.67 مليون دولار في الولايات المتحدة وكندا، وحوالى 829 ألف دولار من الأسواق الدولية. ورغم أن هذه الأرقام تبدو متواضعة، مقارنة بالأفلام التجارية الكبرى، فإن الفيلم لم يصنع أساسا ليكون عملا جماهيريا واسع الانتشار، بل ينتمى إلى أفلام التشويق محدودة النطاق التي تراهن على التقييمات النقدية، والعرض عبر المنصات الرقمية، بعد انتهاء عرضها السينمائي.
في النهاية، لا يعد Dead of Winter مجرد فیلم مطاردات أو بقاء على قيد الحياة، بل هو حكاية عن الشجاعة والإصرار في مواجهة اليأس، وعن إنسانة دفعتها الظروف إلى أن تصبح الأمل الأخير لشخص آخر. قد لا يقدم الفيلم حبكة خالية من العيوب لكنه يعوض ذلك بأجوائه الكتيبة، وصورته البصرية المميزة، وإيقاعه المشدود، وأداء إيما طومسون التي تحمل الفيلم على كتفيها منذ المشهد الأول وحتى النهاية. ولهذا يخرج المشاهد من الفيلم متذكرا الإنسان الذي قاوم قسوة الطبيعة والشر معا، أكثر مما يتذكر الثغرات التي شابت البناء الدرامي
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في كل مناسبة تخص نجيب محفوظ أتساءل: ماذا لو لم يحصل هذا الأديب الاستثنائى على جائزة نوبل؟.. وهل كان الأدب...
يوسف إدريس، الكاتب الكبير المناضل الذي عاش في لحظة تحوّل سياسى فى مصر، فأدرك أبعاد اللحظة واختار الموقف الصحيح،
ليس مجرد فيلم مطاردات أو بقاء على قيد الحياة الفيلم لا يخلو من الثغرات الدرامية والمصادفات رغم حفاظه على توتره...
فيلم يحافظ على روح الدعابة المميزة للأنمى