بسبب الدلع والتساهل وكسب رضا الأبناء.. والموبايل روشتة المواجهة: عدم منح الأبناء حرية استخدام السيارات أو الدراجات قبل اكتساب الوعى الكافى
المراهق يستغل أفعاله في استفزاز الآخرين، وفى عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح بعض المراهقين يربطون قيمتهم الشخصية بامتلاك الهواتف الحديثة أو الملابس الباهظة والمقتنيات الفاخرة، سعيا إلى لفت الأنظار وكسب إعجاب الآخرين.
ووصل الأمر إلى حد ارتكاب جرائم خطيرة مثل الدهس بسبب القيادة المتهورة للسيارات أو الموتوسيكلات أو تعاطى المخدرات أو المواد الكحولية.
وهنا يأتى دور الأسرة في ترسيخ مفهوم أن قيمة الإنسان لا تقاس بما يملك، بل بما يتحلى به من أخلاق وعلم وإنجاز.
وتسلط مجلة الإذاعة والتليفزيون الضوء على نموذج للشباب المتهور الذي يفتقر إلى النضج، لتطرح تساؤلا مهما: هل يدفع الآباء ثمن التساهل التربوي؟ وكيف نحمى المراهق من ثقافة التفاخر والمظاهر ؟
سالی محمود، والدة فتاة تبلغ من العمر ١٤ عامًا، تقول إنها لاحظت تغيرا واضحًا في سلوك ابنتها مع دخولها مرحلة المراهقة، حيث يعلو صوتها، رغم حرص الأسرة على تلبية احتياجاتها منذ الصغر، وتوضح أن ابنتها أصبحت تسعى باستمرار لامتلاك أحدث الأجهزة والإصدارات بدافع مجاراة أقرانها، كما باتت تواجه صعوبة في تقبل الرفض عند تعذر تلبية بعض طلباتها بسبب الظروف المادية وهو ما ينعكس فى صورة اعتراض وعناد أثناء الحوار. وترى أن الاعتياد على الاستجابة السريعة لرغبات الأبناء قد يقلل من قدرتهم على تقبل الرفض وتقدير إمكانات الأسرة، معتبرة أن بعض الأسر أصبحت تخشى ردود فعل أبنائها أكثر من قدرتها على وضع حدود واضحة للتعامل داخل المنزل.
وتعليقا على هذه الحالة وما يماثلها من حالات تقول د. بسنت خيرت حمزة، أستاذ علم الاجتماع الإعلامي بجامعة قناة السويس، إن معالجة السلوكيات الخاطئة لدى المراهقين سواء فى استخدام الهواتف المحمولة أو قيادة السيارات والدراجات النارية بصورة غير مسئولة تتطلب تكاتف الأسرة والمدرسة والإعلام والمجتمع.
وأضافت أن الأسرة مطالبة بوضع قواعد واضحة لاستخدام الأجهزة الإلكترونية، ومتابعة المحتوى الذي يتعرض له ، مع فتح قنوات للحوار معهم بدلاً من الاكتفاء بالمنع أو العقاب، كما شددت على ضرورة عدم منح الأبناء حرية استخدام السيارات أو الدراجات قبل اكتساب الوعى الكافي وتحمل المسئولية.
وأوضحت أن هذه السلوكيات تؤثر بشكل مباشر في العملية التربوية، إذ قد تؤدى إلى ضعف الانضباط وتراجع الإحساس بالمسئولية، وتقليد السلوكيات الخطرة المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما ينعكس سلبا على الأسرة والمجتمع.
وأكدت أن من أهم وسائل العلاج نشر ثقافة الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، وتوعية المراهقين بمخاطر السرعة والقيادة المتهورة، وتنمية مهارات التفكير النقدى لديهم إلى جانب تقديم نماذج إيجابية فى الإعلام والدراما تعزز قيم الاحترام والالتزام وتحمل المسئولية.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن المراهق لا يحتاج فقط إلى الرقابة، بل يحتاج أيضا للتوجيه والحوار والقدوة الحسنة، حتى تتحول التكنولوجيا ووسائل التنقل من أدوات للمخاطرة إلى وسائل للتعلم والنمو الإيجابي.
أما الدكتورة منار الطيب استشارى الإرشاد النفسي وتعديل السلوك فتشير إلى أن تراجع إحساس بعض المراهقين والشباب بالمسئولية أصبح من القضايا التي تواجه كثيرًا من الأسر، موضحًا أن هذه المشكلة لا ترتبط بطبيعة الأبناء، وإنما تعود في جانب كبير منها إلى أساليب التربية الخاطئة، مثل الحماية الزائدة، والتدليل المبالغ فيه، وعدم إسناد مسئوليات مناسبة لهم منذ الصغر، إلى جانب الاستجابة الفورية لجميع طلباتهم، ما يجعلهم يميلون إلى انتظار النتائج السريعة دون بذل جهد أو التحلى بالصبر.
وتضيف أن غياب القدوة داخل الأسرة، سواء من الأب أو الأم، إلى جانب افتقاد المراهق أو الشاب لهدف واضحفي حياته ومستقبله، يضعف لديه الشعور بالمسئولية والالتزام.
وتضيف أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب منح الأبناء مسئوليات متدرجة تتناسب مع أعمارهم، وتدريبهم على أدائها، مع فتح باب الحوار والاستماع إليهم بدلا من الاقتصار على النقد، وتشجيعهم ودعمهم باستمرار مع وضع عواقب واضحة ومتفق عليها عند التقصير إلى جانب تدريبهم على حل مشكلاتهم بأنفسهم وتحمل نتائج قراراتهم، وشددت على أن كثيرا من المراهقين والشباب ليسوا غير مسئولين بطبيعتهم، وإنما يحتاجون إلى التوجيه السليم، والتدريب المستمر، وإتاحة الفرص التي تساعدهم على اكتساب مهارة تحمل المسئولية تدريجيا.
أزمة قيم
من جانبه يؤكد الدكتور مصطفى الديب، استشارى الصحة النفسية، أن أزمة التربية الحديثة لم تعد مجرد تقصير في أساليب التنشئة، بل أصبحت أزمة قيم وضمير وأخلاقيات ومسئولية، موضحًا أن الضحك في المواقف الجادة أو الاستهتار بالأحداث المهمة ليس سلوكا عابرا وإنما يعكس خللا فى منظومة التربية التي يتشكل فيها وعى المراهق.
ويشير إلى أن التربية السليمة تبدأ منذ اختيار الزوجين فحسن اختيار الأب والأم لشريك الحياة يمثل البذرة الأولى في بناء شخصية الأبناء، لأن الأم الواعية والأب المسئول يشكلان بيئة آمنة تقوم على الاحتواء والاحترام والقيم، أما الخلافات المستمرة بين الوالدين أو التقليل من شأن أحدهما أمام الأولاد، فإنها تهدم قيمة الاحترام داخل الأسرة، وتنعكس على شخصية المراهق، فيصبحأقل التزاما وأكثر استهانة بالمواقف الجادة... يضيف أن تربية الأبناء لم تعد مسئولية الأسرة وحدها، فالمراهق اليوم يتأثر أيضا بوسائل التواصل الاجتماعي، والهواتف الذكية، والأفلام والمسلسلات، والأصدقاء، والبيئة المحيطة، وهو ما يجعل الجيل الحالي يواجه تحديات غير مسبوقة، ويرى أن الهاتف المحمول أصبح في كثير من الأحيان بوابة للأفكار الخاطئة والتقليد الأعمى واللهث وراء المظاهر، الأمر الذى يؤدى إلى ضعف الوعى وتحمل المسئولية .. ويحذر من أن التدليل الزائد لا يقل خطورة عن القسوة، لأنه يخرج شخصية اعتمادية وأنانية تنتظر كل شيء دون بذل جهد، مؤكدًا أن التربية الناجحة تقوم على التوازن، فلا إفراط فى الدلال ولا قسوة أو حرمان.
ويشدد «الديب» على أن القدوة هى الركيزة الأساسية في التربية، فالأب والأم اللذان يتحليان بالصدق والاحترام المتبادل والاتزان النفسى، وحسن التعامل مع الآخرين يغرسان هذه القيم تلقائيًا فى أبنائهما، بعيدًا عن أسلوب التلقين والأوامر.
ويختتم مؤكدًا أن حماية المراهقين تبدأ بالمتابعة الواعية لأصدقائهم، ومحتوى هواتفهم، والأشخاص الذين يتابعونهم عبر مواقع التواصل مع فتح باب الحوار الدائم معهم، وتقنين استخدام الهواتف ووسائل التواصل وغرس قيم الضمير وتحمل المسئولية منذ الصغر، إلى جانب الابتعاد عن العنف اللفظي والبدني، والاستماع إلى الأبناء باهتمام، لأنهم أمانة ومسئولية في أعناق آبائهم.
احذر كسب رضا الأبناء
من ناحية أخرى تقول هبة العشرى محاضرة ومتخصصة في بناء الوعى الأنثوى ووعى المراهقين إن اللحظة التي يتحول فيها الحب إلى خطر تستحق أن نتوقف أمامها، فكل أب وأم يشغلهم في المقام الأول أن يروا أبناءهم سعداء، لكن ماذا لو كان بعض ما نفعله بدافع الحب هو نفسه ما يصنع المشكلة ؟
طوال الوقت ننشغل بتوفير كل ما يحتاجه أبناؤنا، وننسى أن نسأل أنفسنا السؤال الأهم هل نحن نربيهم أم نرعاهم فقط، هناك فرق كبير بين الأمرين؛ فالرعاية تعنى أن أوفر لابنى الطعام، والملبس والتعليم والهاتف والسيارة، وكل ما يجعله يعيش حياة مريحة ومرفهة، أما التربية فهى أن أبنى داخله إنسانا يعرف متى يقول "نعم"، ومتى يقول "لا"، ويستطيع تحمل مسئولية قراراته أمام نفسه، حتى في غياب الرقيب... المشكلة أن بعضنا أصبح يقيس حبه لأبنائه بمدى تحقيق رغباتهم، فأصبحت طلباتهم أوامر تنفذ تحت شعار الحب. وعندما يخطئون، نفكر ألف مرة قبل منعهم أو محاسبتهم، خوفا من غضبهم أو نفورهم وكأننا نشترى رضاهم بالتغاضى عن أخطائهم.
وهنا يبدأ الخلل فالتربية ليست كسب رضا الأبناء وإنما إعدادهم للحياة، وتعديل سلوكهم، وبناء تكوينهم الفكرى والعقلي. فالطفل الذى لا يسمع كلمة "لا" في بيته سيصطدم بها خارج بيته، والمراهق الذي لا يتعلم أن لكل حرية حدودًا، قد يظن أن كل ما يفعله حق مشروع له، حتى وإن كان فيه تعد على حقوق الآخرين... وفى ظل اختفاء كلمات مثل: "هذا لا يصح"، و"هذا لا يليق"، و تحمل نتيجة اختيارك"، فقد كثير من الأبناء البوصلة التي تساعدهم على التمييز بين الرغبة والمسئولية. ولم تكن هذه الكلمات يومًا دعوة إلى القسوة، بل كانت جزءا من بناء شخصية سوية ومتزنة .. من هنا ويبقى السؤال الذي يحتاج كل أب وأم أن يجيب عنه بصدق: ما الذي يحركنى وأنا أربي؟ هل أريد أن أرضى ابنى اليوم، أم أعده للحياة غدًا ؟ هل أخاف من غضبه، أم أخاف عليه ؟ وهل يحركني رضا الناس والمجتمع، أم رضا الله سبحانه وتعالى ؟
فالتربية ليست أن نلبى لأبنائنا كل ما يطلبونه، بل أن نمنحهم ما يحتاجون إليه ليصبحوا أشخاصا يقدرون قيمة النعمة، ويحسنون استخدامها، ويملكون من الوعى ما يجعلهم مسئولين أمام أنفسهم قبل أن يكونوا مسئولين أمام الناس.
عن رؤية دعاء سمير خبيرة علم الفراسة وقراءة الوجوه تجد أن التربية بين الحب والتدليل.. كيف نصنع جيلا مسئولا؟
الحب وحده لا يكفى
لم تعد المشكلة اليوم في قلة الإمكانات كما كان الحال في الماضي، بل في الإفراط أحيانا في تلبية رغباتهم دون ضوابط، فكثير من الآباء والأمهات يعتقدون أن توفير كل وسائل الراحة هو الطريق لإسعاد أبنائهم. بينما تؤكد التجربة أن الحب وحده لا يكفى ما لم يقترن بالتوجيه والتربية والمتابعة.
وفي مرحلة المراهقة على وجه الخصوص، يحتاج الأبناء إلى حدود واضحة توازن بين الحرية والمسؤولية. فتركهم دون رقابة أو توجيه قد يدفعهم إلى الاندفاع واتخاذ قرارات غير محسوبة، خاصة في ظل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وثقافة المظاهر.
إن كلمة "لا" في وقتها المناسب ليست حرمانا، وكلمة "عيب ليست تعقيدا، بل هما جزء من بناء شخصية قادرة على التمييز بين الصواب والخطأ، فالأبناء لا يحتاجون فقط إلى ما يشترى بالمال، بل إلى الوقت والاهتمام والحوار والقدوة الحسنة؛ إن بناء جيل واع لا يبدأ بتوفير أحدث هاتف أو أغلى هدية، وإنما يبدأ بغرس القيم، وتعليم المسئولية، وتنمية الوعى، ليصبحالأبناء أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثقة وحكمة.
كما أوضح د. أحمد القاضى استشارى الموارد البشرية أن التدليل الزائد وأثره على المراهقين تعد الأسرة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء القيم والسلوكيات التي تشكل شخصياتهم في المستقبل، ومع تطور الحياة وتغير أساليب التربية، اتجه بعض الآباء والأمهات إلى المبالغة في تدليل أبنائهم، معتقدين أن ذلك يعبر عن الحب والاهتمام، بينما قد تكون له آثار سلبية على الأبناء، خاصة في مرحلة المراهقة ... فالتربية لا تقتصر على توفير الاحتياجات المادية أو شراء الأشياء باهظة الثمن، بل تعتمد بالأساس على التوجيه والمتابعة وغرس القيم والمبادئ وعندما يغيب دور الأسرة في تعليم الأبناء الفرق بين الصواب والغلط ، أو في وضع حدود واضحة للسلوك، قد يواجه المراهق صعوبة في المسئولية واتخاذ القرارات السليمة.. وتزداد المشكلة عندما يترك الأبناء لاستخدام الهواتف الذكية أو قيادة السيارات والموتوسيكلات دون رقابة أو توعية كافية مما قد يعرضهم لمخاطر عديدة ويؤثر على مستقبلهم.
ولمعالجة هذه الظاهرة، ينبغى على الآباء والأمهات تحقيق التوازن بين الحب والحزم، والحرص على الحوار المستمر مع الأبناء، والاستماع إليهم، وتوجيههم بأسلوب تربوي سليم، كما يجب توعية الشباب بأهمية تحمل المسئولية واحترام القيم، وأن النجاح الحقيقي لا يرتبط بالمظاهر بل بالأخلاق والعلم وحسن التصرف... فالتربية مسئولية عظيمة، وثمارها لا تظهر في الحاضر فقط، بل تمتد لتبنى جيلا واعيا قادرا على خدمة نفسه ومجتمعه ووطنه.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
جهود قانونية وأمنية كبيرة لمكافحة الظاهرة صفاء إسماعيل: آثارها النفسية والاجتماعية قد تدمر الأسرة بأكملها مجدى المهدى: يعادل فى تأثيره...
المحتالون يستغلون المناسبات والأعياد وعروض التسوق وصرف الرواتب لإطلاق حملات تصيد واسعة لإغراء الضحايا
بسبب الدلع والتساهل وكسب رضا الأبناء.. والموبايل روشتة المواجهة: عدم منح الأبناء حرية استخدام السيارات أو الدراجات قبل اكتساب الوعى...
رسائل على جدار التاريخ متحف البريد المصرى يضم أكثر من نصف مليون قطعة ومستند وطابع بريدى