على مدار السنوات الخمس الأخيرة، لم يكن العالم ساحة للتنافس التنموي بقدر ما كان مسرحاً لأزمات وجودية طالت الأخضر واليابس،
وبينما كانت عواصم كبرى تترنح تحت وطأة الجوائح والحروب، كان الاقتصاد المصري يواجه "خماسية صعبة" بدأت بزلزال "كورونا" الذي شل حركة التجارة، ومرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية التي فجرت أسعار الغذاء والطاقة، وصولاً إلى التوترات الإقليمية والحروب الجيوسياسية التي زلزلت سلاسل الإمداد العالمية.
في هذا التقرير، نفتح ملفات الأرقام والسياسات، لنرصد كيف تحمل المواطن المصري أعباءً هائلة في سبيل حماية الدولة من السقوط، وكيف تحولت محنة "الثورتين والحرب ضد الإرهاب" إلى درع صلبة منحت الدولة مرونة غير مسبوقة في مواجهة أعنف تقلبات القرن الحادي والعشرين.
يرى الدكتور فخري الفقي، الخبير السابق بصندوق النقد الدولي، أن الاقتصاد المصري تعرض لما يمكن وصفه بـ "الصدمات المركبة" التي لم تترك فرصة لالتقاط الأنفاس، بدأت بتوقف تام لقطاع السياحة نتيجة جائحة كورونا، وما لبثت أن استعادت عافيتها حتى اصطدمت بارتفاعات جنونية في أسعار الحبوب والنفط جراء الأزمة الروسية الأوكرانية، مما وضع ضغوطاً هائلة على الاحتياطي النقدي وتكلفة الاستيراد، مؤكدا أن هذه الأزمات لم تكن اقتصادية بحتة، بل كانت "جيوسياسية بامتياز"، خاصة مع اتساع رقعة الصراع في المنطقة وتحول المشهد إلى مواجهات إقليمية مباشرة أثرت على حركة الملاحة في قناة السويس وأثارت مخاوف الأسواق الدولية، مما رفع تكلفة التمويل وجعل الدولة في حالة استنفار دائم لإدارة مواردها المحدودة لتأمين الاحتياجات الأساسية لـ 100 مليون مواطن، معتبراً أن مجرد بقاء المؤشرات في المنطقة الآمنة هو "معجزة إدارية" في ظل هذه الظروف.
الخروج بأقل الخسائر
فى ذات الاطار، يوضح الدكتور حسام المنسي، الخبير الاقتصادي، أن خروج مصر من هذه التحديات بأقل الخسائر الممكنة لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتاجاً لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الجريء الذي بدأ في 2016، والذي منح الدولة "مصدات صدمات" قوية قبل وقوع الكوارث العالمية، لافتا إلى أن سياسات الدولة في تنويع مصادر الطاقة، والتوسع في شبكات الحماية الاجتماعية، والتوجه نحو استصلاح الأراضي الزراعية لتقليل فجوة الاستيراد، كانت هي "طوق النجاة" الذي منع الانهيار، مشيراً إلى أن الدولة اعتمدت "سياسة النفس الطويل" عبر موازنة دقيقة بين الإنفاق التنموي والتحوط ضد المخاطر الخارجية، ورغم قسوة التضخم، إلا أن مرونة الاقتصاد في امتصاص الصدمات النقدية والقدرة على جذب استثمارات كبرى في ذروة الأزمات، مثل صفقة رأس الحكمة، شكلت نقطة تحول منعت الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر سوءاً كانت تهدد دولاً ناشئة مماثلة.
فاتورة الصمود
فيما يخص الجانب الإنساني والاجتماعي، يؤكد النائب طارق شكري رئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، أن المواطن المصري هو "البطل الحقيقي" في هذه الملحمة، حيث تحمل أعباءً معيشية غير مسبوقة نتيجة إجراءات الإصلاح الهيكلي التي تزامنت مع التضخم العالمي المستورد من الخارج، مشيرا إلى أن الحكومات المتعاقبة اضطرت لاتخاذ قرارات قاسية، من تحرير سعر الصرف إلى هيكلة الدعم، وهي قرارات كانت بمثابة "الدواء المر" لإنقاذ الجسد الاقتصادي من التحلل، معترفاً بأن مستويات الأسعار الحالية شكلت ضغطاً هائلاً على الأسر المصرية، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن الدولة حاولت تخفيف هذه الأعباء عبر برامج مثل "تكافل وكرامة" وزيادة الأجور والحد الأدنى للمعاشات، مؤكداً أن وعي الشعب بطبيعة المؤامرات والضغوط الخارجية كان هو الضمانة الأساسية لاستقرار الجبهة الداخلية رغم المرارة الاقتصادية.
سيناريوهات "النمو الضائع"
ويطرح الخبير الاقتصادي الدكتور مدحت نافع، مستشار وزير التموين السابق وأستاذ التمويل، تساؤلاً جوهرياً حول حجم الانطلاقة التي كان سيحققها الاقتصاد المصري لولا هذه الأزمات، مقدراً أن معدلات النمو كانت ستتجاوز حاجز الـ 7% و 8% بشكل مستدام، وهو ما كان سينعكس مباشرة في صورة انخفاض حاد في معدلات البطالة واستقرار حقيقي في القوة الشرائية للجنيه.
ويرى «نافع» أن الدولة المصرية كانت في طريقها لجني ثمار المشروعات القومية الكبرى والبنية التحتية العملاقة منذ عام 2020، ولكن "القدر الجيوسياسي" أجبر الدولة على تحويل جزء كبير من فوائضها المالية لسد ثغرات الأمن الغذائي وتأمين سلاسل الإمداد وتغطية تكاليف الطاقة المرتفعة، مما حرم المواطن من الشعور بالتحسن السريع في مستوى معيشته، ومؤكداً أن الاقتصاد المصري الآن يشبه "الزنبرك" المضغوط الذي ينتظر لحظة هدوء العواصف العالمية لينطلق بقوة دفع هائلة تم التأسيس لها في أصعب الظروف.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
النائبة نيفين الطاهرى: فرصة لتحسين أداء الشركات وتطوير نظم الإدارة والإنتاج العالمية الدكتور مصطفى بدرة: خطوة مهمة للارتقاء بالمؤشرات الكلية...
أعلن وزير المالية أحمد كجوك، تفاصيل مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالى 2026/2027، واصفًا إياها بأنها «موازنة طموحة ومتوازنة» تعكس...
وقعت شركة "ميران هيلز العقارية"، وهي شركة تطوير عقاري رائدة مملوكة للقطاع الخاص في دولة الإمارات، اتفاقية تطوير عقاري مع...