المال يتحرك – وقد انتقل إلى الفضاء الرقمي لم يكن الاستثمار في الأسواق المالية بالعالم العربي سهلاً في السابق. كان يتطلب معرفة الأشخاص المناسبين، أو الجلوس في مكاتب الوساطة، أو امتلاك رأس مال كافٍ للدخول أصلاً. لكن هذا الواقع بات يتغير بسرعة. اليوم، يستطيع خريج جامعي في القاهرة، أو صاحب مشروع صغير في عمّان، أو موظف في الرياض، أن يفتح حساباً للتداول في دقائق معدودة – من حاسوبه المحمول، في بيته، وبلغته العربية.
هذا ليس تحولاً تدريجياً بطيئاً – بل هو إعادة هيكلة جذرية. والأرقام تتحدث عن نفسها.
حجم ما يجري في قطاع التداول بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لافت للنظر حقاً. سجّل المتداولون في المنطقة حجم تداول بلغ 804.1 مليار دولار في النصف الأول من عام 2025 وحده، استناداً إلى بيانات تضم أكثر من 62,850 متداولاً نفّذوا ما يزيد على 85 مليون صفقة. هذا الرقم – لستة أشهر فقط – يضع المنطقة بثقة على الخريطة المالية العالمية.
الإمارات وحدها سجّلت 19.5 مليون صفقة في عام 2024، أي ضعف ما سجّلته ألمانيا، بإجمالي حجم تداول بلغ 468.9 مليار دولار. أما المملكة العربية السعودية، فتمر بتحول من نوع آخر: بلغت الملكية الأجنبية في سوقها المالي بنهاية الربع الثالث من 2025 ما يتجاوز 590 مليار ريال (157 مليار دولار)، ويتوقع المحللون تدفقات جديدة تصل إلى 10 مليارات دولار في أعقاب إصلاحات تنظيمية تاريخية.
مصر أيضاً جزء من هذه الصورة – وإن كانت بصمتها أقل صخباً. تتجاوز قيمة سوق الوساطة المالية ومنصات التداول في مصر 2.4 مليار دولار، مع توقعات بنمو مستمر حتى عام 2030، يقوده بشكل رئيسي المستثمرون الأفراد الذين وجدوا في المنصات الرقمية بوابةً ميسّرة وبتكاليف منخفضة، وبلغتهم الأم.
ثلاث قوى تتقاطع هنا، وتنجح معاً في تحقيق ما عجز عنه النظام المالي التقليدي: جعل الأسواق في متناول الجميع.
البنية التحتية الرقمية أغلقت الفجوة التي كانت تفصل العالم العربي عن المراكز المالية الكبرى. انتشار الإنترنت، وهيمنة الهاتف الذكي، والواجهات المعرّبة – كل ذلك أزال عقبات كانت راسخة. لم يعد المتداول في الإسكندرية أو جدة مضطراً إلى التنازل عن جودة الأدوات.
تطور المنصات جاء في أعقاب ذلك. البرمجيات التي يستخدمها المحترفون في لندن ونيويورك باتت هي ذاتها المتاحة للمتداولين الأفراد في المنطقة. منصة ميتاتريدر 4 – MT4 لا تزال المعيار الذهبي للتداول على الحاسوب عالمياً، وتوسّع انتشارها في الأسواق الناطقة بالعربية بشكل ملحوظ. منصات مثل https://justmarkets.com/ar/trading-platforms/mt4-pc تجسّد هذا التحول تماماً: أدوات احترافية، مُعرَّبة ومُكيَّفة للمستخدم العربي، دون الحاجة إلى وسطاء مؤسسيين.
التركيبة السكانية تؤدي الباقي. العالم العربي شاب – يتجاوز نصف السكان في كثير من دوله سن الثلاثين بقليل أو لم يبلغوه بعد. هذا جيل مرتاح للتعامل مع الأدوات المالية الرقمية، متشكك في أدوات الادخار التقليدية التي نخرتها التضخمات المتتالية، ويبحث عن بدائل. التداول الإلكتروني، رغم مخاطره، يناسب هذا التوصيف تماماً.
يُسجّل متداولو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى نسبة صفقات رابحة مقارنةً بالمناطق الأخرى على مستوى العالم، بمتوسط معدل نجاح يبلغ 48.6%، مقابل 43.8% في أوروبا. رقم لافت، يدل على أن المتداول العربي يتخذ في المتوسط قرارات قصيرة الأمد سليمة نسبياً.
الجانب الأقل إشراقاً: عدد أقل منهم يُنهي تجربته بربح صافٍ. السبب، كما يشير المحللون، هو ضعف استخدام أدوات إدارة المخاطر – ولا سيما أوامر إيقاف الخسارة. هذه ليست خاصية عربية بحتة، لكنها نمط يستحق الانتباه. المعرفة بالأدوات تتقدم على المعرفة بالانضباط – وهنا بالضبط يحاول النظام البيئي المحيط من تعليم مالي ومنصات إرشادية وخدمات دعم عربية أن يسدّ الفجوة.
ما الأدوات التي يستخدمها هؤلاء المتداولون فعلياً؟ يمكن تصنيف المشهد في أربع فئات رئيسية:
اختيار المنصة أهم مما يدرك معظم المتداولين الجدد. سرعة التنفيذ، وشفافية الفروقات السعرية، وتوفر دعم عملاء بالعربية – كل ذلك يؤثر فعلياً في النتائج، لا سيما في أسواق العملات أو السلع المتقلبة.
تُلغي الإصلاحات التنظيمية الأخيرة في المملكة العربية السعودية نظام المستثمر الأجنبي المؤهل المعمول به منذ سنوات – في خطوة توصف بأنها من أجرأ عمليات التحرير في تاريخ المملكة المالي. وتندرج هذه الإصلاحات ضمن مسيرة التحول الاقتصادي الشاملة لرؤية 2030، لا كإجراء معزول.
هذا يعني أكثر من مجرد تغيير في قواعد الوصول. حين تُعلن أكبر اقتصادات المنطقة انفتاحها – على رؤوس الأموال الدولية، وعلى المشاركة الفردية، وعلى البنية التحتية للتمويل الرقمي – فإن ذلك يُرسل إشارة واضحة. الأسواق الأخرى تميل إلى السير في ركب الريادة التنظيمية والثقافية. مصر والأردن والبحرين والكويت شهدت جميعها تحركات موازية نحو توسيع الوصول إلى الأسواق وتحديث أطر الوساطة.
حجم التداول في المنطقة بلغ 804.1 مليار دولار في النصف الأول من 2025، وإن كانت الإمارات تستأثر بالحصة الأكبر – لكن التوزيع يتسع. ما كان يتركز في المراكز المالية الخليجية بدأ يمتد تدريجياً عبر العالم العربي الأوسع.
ليس تحقيق الشمول الاستثماري قصةً عربية خالصة – فقد مرّت به أمريكا وأوروبا وجنوب شرق آسيا على مراحل متعاقبة على مدى العقدين الماضيين. لكن النسخة العربية تحمل طابعها الخاص: تشكّلها جيل شاب، وبنية رقمية متنامية، ومنصات معرّبة، وثقافة مالية تُعيد علاقتها بأسواق رأس المال.
المخاطر لا تزال قائمة وحقيقية. الرافعة المالية متاحة على نطاق واسع وكثيراً ما تُساء فهم تداعياتها. الأطر التنظيمية متفاوتة بين دول المنطقة. والمسافة بين فتح حساب والتداول بربح أطول مما تُوحي به معظم المنصات.
لكن اتجاه الحركة واضح. من القاهرة إلى الرياض – ومدن كثيرة بينهما – بات في متناول الإنسان العادي الوصول إلى الأدوات المالية ذاتها التي كانت حكراً على المؤسسات. كيف يُوظّفها، وإلى أين يتطور النظام البيئي المحيط بها – هذا تحديداً ما سيكون أحد أبرز المشاهد المالية في العقد القادم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
المال يتحرك – وقد انتقل إلى الفضاء الرقمي لم يكن الاستثمار في الأسواق المالية بالعالم العربي سهلاً في السابق. كان...
أكد أحمد كجوك وزير المالية، أن الاتحاد الأوروبي شريك أساسي، والحوار معه مثمر ومهم للغاية خاصة في ظل حالة «عدم...
في لحظة اقتصادية دقيقة تتقاطع فيها تحديات الداخل مع ضغوط الخارج تكشف تصريحات وزير المالية أحمد كجوك - في مناسبتين...
شهدت جولة وزير المالية أحمد كجوك في واشنطن على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين، نشاطا مكثفا ولقاءات متعددة مع...