العسل المر

الثروة التي تصنع الرخاء.. ولا تضمن المستقبل في الاقتصاد، لا تأتي المرارة دائمًا من الخسارة. أحيانًا تبدأ من مكسب يبدو شديد الحلاوة، إلى الدرجة التي تجعل التفكير في نهايته مؤجلًا.

 

سنوات من الإيرادات المرتفعة تستطيع أن تغير مزاج دولة كاملة. مشروعات تتوسع، وإنفاق يتحرك، وأسواق تنتعش، ومؤشرات تمنح شعورًا بأن الطريق مفتوح أمام المزيد. ومع استمرار التدفقات المالية، تصبح الأسئلة الصعبة أقل إلحاحًا: لماذا نبحث عن بدائل ما دام العائد يكفي؟ ولماذا نعيد بناء هيكل اقتصادي كامل بينما المصدر الحالي يؤدي دوره؟

لكن الاقتصاد لا يعيش على ما يكفي اليوم فقط. فالسعر المستقر يمكن أن يتغير، والطلب الذي يبدو مضمونًا قد يتراجع، والتكنولوجيا تستطيع خلال سنوات قليلة أن تعيد تعريف قيمة سلعة أو صناعة بأكملها. وعندما يحدث ذلك، لا يكون الاختبار في حجم الإيرادات التي فقدها الاقتصاد، وإنما في مقدار ما استطاع بناءه خلال سنوات الرخاء.

حين تصبح الوفرة امتحانًا للمستقبل

هنا تحديدًا يصبح العسل مرًا.

المشكلة ليست في النفط أو المعادن أو الزراعة أو أي مورد آخر، وإنما في الطريقة التي تُدار بها العوائد الناتجة عنه. فالمصدر الواحد يستطيع أن يمنح الدولة مساحة واسعة للتحرك، لكنه قد يتحول في الوقت نفسه إلى سبب لتأجيل الاستثمار في قطاعات أخرى، خصوصًا عندما تطول فترة ارتفاع الأسعار ويبدو استمرارها أمرًا طبيعيًا.

وتكشف بيانات الأمم المتحدة للتجارة والتنمية حجم هذه المعضلة على المستوى العالمي. ففي الفترة بين 2022 و2024، ظلت 94 دولة من أصل 143 دولة نامية تعتمد على السلع الأولية بما يزيد على 60% من صادراتها السلعية، بينما اقتربت النسبة من 80% في أقل البلدان نموًا والدول النامية غير الساحلية. والأهم من الرقم نفسه هو ما يحدث للإيرادات التي تنتج عنها: هل تُستخدم لتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، أم تظل مرتبطة بالمصدر الذي جاءت منه؟

فالمال قد يفتح أبوابًا كثيرة، لكنه لا يبني وحده اقتصادًا قادرًا على العبور من مرحلة إلى أخرى.

عندما يكشف السوق ما أخفته الوفرة

تبدو تجربة إندونيسيا لافتة في هذا السياق، ليس باعتبارها نموذجًا جاهزًا للتكرار، وإنما لأنها توضح كيف يمكن للأزمة أن تدفع إلى إعادة ترتيب الأولويات. فعندما تراجعت أسعار النفط في منتصف الثمانينيات، تعرضت إيرادات التصدير والموارد العامة لضغوط قوية، ودفع ذلك الحكومة إلى إصلاحات مالية وتجارية وتنظيمية ساعدت على تقليل الاعتماد على النفط وتوسيع التصنيع والصادرات غير النفطية. ومع مرور الوقت، أصبح النفط أحد فصول التحول الاقتصادي الإندونيسي، وليس عنوانه الوحيد.

المغزى هنا يتجاوز النفط نفسه. فالعالم لا يمنح الاقتصادات ضمانًا بأن الأسواق ستظل على حالها. التكنولوجيا تعيد تشكيل الصناعات، والمنافسة تغير مواقع الإنتاج، وأنماط الاستهلاك تتبدل، وهو ما يجعل الاعتماد الكبير على مصدر واحد أكثر حساسية تجاه التحولات الخارجية.

وتقدم بوتسوانا زاوية أخرى لهذه المعادلة. فقد ظل الألماس لعقود أحد الأعمدة الأساسية لاقتصادها، لكن ضعف الطلب العالمي والمنافسة المتزايدة من الألماس المصنع في المختبرات وتراجع نشاط التعدين انعكست على الأداء الاقتصادي؛ إذ انكمش الناتج في 2024، وأشار صندوق النقد الدولي إلى الحاجة إلى تسريع جهود التنويع من أجل بناء نمو أكثر استدامة.

لم يفقد الألماس قيمته ببساطة، وإنما تغيرت البيئة التي كان يعمل داخلها. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية: الاقتصاد الذي يعتمد على قطاع واحد لا يصبح أكثر هشاشة لأن ذلك القطاع سيئ، وإنما لأن العالم من حوله قادر على التغير.

من الثروة التي تُستهلك إلى القوة التي تتراكم

كلما طال زمن الرخاء، أصبح تأجيل التحول أكثر سهولة، بينما تصبح كلفة التحرك أكبر عندما تبدأ الظروف في الانقلاب. فالاقتصادات لا تبني مهارات جديدة، ولا تؤسس شركات قادرة على المنافسة، ولا تنقل التكنولوجيا، ولا ترفع الإنتاجية في بضعة أشهر. هذه عمليات تحتاج إلى سنوات من الاستثمار والاستقرار وتراكم الخبرة.

ولهذا لا يمكن قياس جودة النمو بحجم الناتج أو قيمة الصادرات فقط، وإنما بما يضيفه إلى التركيبة الاقتصادية نفسها. عندما تتوسع قاعدة الشركات، وتتقدم المهارات، وتتطور التكنولوجيا، وتظهر قطاعات قادرة على المنافسة خارج حدود السوق المحلية، تصبح الإيرادات الأولية قد أدت وظيفة تتجاوز تمويل الإنفاق؛ تصبح قد ساهمت في بناء قاعدة جديدة.

أما إذا استُهلكت العوائد دون تغيير جوهري في قدرة الاقتصاد على الإنتاج، فقد تبدو سنوات الرخاء ناجحة في أرقامها، بينما تظل البنية الأساسية على حالها.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي مختلفًا: ليس كم حققت الدولة من إيرادات، وإنما ماذا أصبح اقتصادها قادرًا على فعله بفضل تلك الإيرادات؟

هذا الفارق هو الذي يحدد ما إذا كانت الثروة قد تحولت إلى قوة أم ظلت مجرد دخل مرتفع خلال فترة مواتية.

ما الذي يبقى بعد انتهاء الوفرة؟

العالم اليوم يجعل هذا السؤال أكثر إلحاحًا. فالصدمات تنتقل بين الأسواق بسرعة، والتكنولوجيا تستطيع أن تعيد ترتيب صناعات كاملة، وتغير الطلب العالمي يمكن أن يعيد رسم خريطة القطاعات الرابحة والخاسرة خلال فترة أقصر مما اعتادت عليه الاقتصادات.

لذلك، فإن متانة الاقتصاد لا تظهر في قدرته على تجنب الصدمات، فهذا أمر لا يمكن ضمانه، وإنما في قدرته على امتصاصها دون أن تتوقف عجلة الإنتاج والاستثمار. وكلما اتسعت قاعدة النشاط الاقتصادي، وتنوعت الأسواق، وارتفعت الإنتاجية، أصبح أثر التحولات الخارجية أقل قدرة على إصابة الاقتصاد كله في وقت واحد.

والسنوات التي ترتفع فيها الأسعار وتزداد الإيرادات تمنح الدولة فرصة ثمينة لا تتمثل في المال وحده، وإنما في الوقت. والوقت يسمح ببناء ما لا يمكن إنجازه بسرعة عندما تتراجع الموارد أو تضيق هوامش الحركة.

فإذا انتهت فترة الازدهار وقد تركت وراءها شركات أكثر قدرة، ومهارات أفضل، وتكنولوجيا أكثر تقدمًا، وأسواقًا متنوعة، فإن ما تحقق خلال سنوات الرخاء يكون قد تجاوز حدود الإيرادات التي صنعتها. أما إذا تراجع المصدر وتراجع معه النشاط الاقتصادي على نطاق واسع، فإن المشكلة لا تكون في المورد نفسه، وإنما في أن الاقتصاد لم ينجح في استخدام عوائده لبناء مصادر جديدة للقوة.

وهنا يتغير معنى الثروة. فليست القيمة في حجم ما يدخل الخزانة فقط، ولا في كمية ما يخرج من الموانئ، وإنما في مقدار ما يتبقى لدى الاقتصاد من قدرة على إنتاج القيمة عندما تتغير الظروف.

لهذا لا ينبغي النظر إلى فترات الرخاء باعتبارها نهاية الطريق. هي اللحظة التي تكون فيها تكلفة بناء المستقبل أقل، والموارد المتاحة أكبر، والقدرة على تحمل كلفة التحول أعلى.

أما تأجيل هذا التحول إلى أن يصبح ضروريًا، فيعني أن الاقتصاد قد يضطر إلى بناء البدائل في أكثر الأوقات صعوبة، بدل أن يكون قد بناها عندما كانت أمامه مساحة كافية للمناورة.

وربما هنا تكمن المرارة الحقيقية: ليس في انخفاض سعر سلعة، ولا في تراجع طلب عالمي، وإنما في اكتشاف متأخر أن سنوات الرخاء مرت دون أن تترك وراءها اقتصادًا أكثر اتساعًا وقدرة على الحركة.

فالسؤال الذي يستحق أن يرافق كل فترة ازدهار ليس فقط: كم كسبنا؟ وإنما: ماذا أصبحنا قادرين على فعله لأننا كسبنا؟

عندها فقط يمكن معرفة ما إذا كانت الثروة قد صنعت مستقبلًا، أم أنها صنعت سنوات جيدة وانتهت.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

العسل المر

الثروة التي تصنع الرخاء.. ولا تضمن المستقبل في الاقتصاد، لا تأتي المرارة دائمًا من الخسارة. أحيانًا تبدأ من مكسب يبدو...

دماء تُضيء التاريخ

تتجدد في السادس من أكتوبر ذكرى العبور العظيم، لتستحضر الأمة واحدة من أزهى صفحات عزتها وكرامتها.

«تتقطع الإيد اللي تتمد على مصري» حقيقية أثرية بحلقة نقاشية باتحاد الكتاب

عبارة شهيرة «تتقطع الإيد اللي تتمد على مصري» قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال عام 2013 حين كان قائدًا للجيش...

الإعلام في حرب أكتوبر.. صوت بلا ضجيج واحتشاد بلا مبالغة !

ونحن نحتفل بمرور ثلاثة وخمسين عاما على انتصارنا في حرب أكتوبر المجيدة تستعيد ذاكرة الوطن الأداء الإعلامي آنذاك الذي أكد...