من الذكريات العظيمة التي حفرت في أذهان المصريين حرب أكتوبر المجيدة، والتي تُعَدُّ صفحةً من صفحات التاريخ المشرق للدولة المصرية؛ فقد استطاع الجيش المصري الباسل، في العاشر من رمضان سنة 1393هـ، الموافق السادس من أكتوبر سنة 1973م، أن يحقق إنجازًا عسكريًّا عظيمًا بعبوره قناة السويس، وتحطيمه خط بارليف، بعد فترة قاسية من الاحتلال والاضطهاد.
د. محمد فراج عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية
وقد شعر المصريون من خلال هذه الحرب بالعزة والكرامة؛ لأنهم استعادوا أرضهم، وانتصروا على هذا العدو. وهذه الحرب لم تكن مواجهةً عسكريةً فحسب، بل كانت أيضًا تعبيرًا عن الوعي، والثبات على الحق، والمحافظة على الأرض. وهذا النصر لم يكن محض صدفة، بل كان نتيجةً لعمل دؤوب، وتخطيط مستمر، وأخذٍ بالأسباب، وتدابير واعية.
فمن الأسباب التي كانت سبيلًا إلى النصر والتمكين ما يأتي:
1- الإيمان والثقة بالله
علم الجندي المصري أن الإيمان والثقة بالله من أهم أسباب النصر والتمكين، وأن النصر من عند الله عز وجل، قال تعالى:
«﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ ۗ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾
[سورة آل عمران: 126].»
فالإنسان إذا كان صاحب قضية آمن بها ودافع عنها، وبذل في سبيلها الغالي والنفيس، فإنه يكون أكثر ثباتًا وصبرًا، وهذا ما فعله الجنود المصريون البواسل في هذه الحرب.
2- الصبر والثبات
وهذا ما جعل الجيش المصري الباسل يقف أمام العدو وقفة الشجاع المناضل، المدافع عن أرضه ووطنه، الذي لا يقبل الضيم، ولا يرضى إلا بالنصر أو الشهادة.
قال تعالى:
«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[سورة آل عمران: 200].»
وقال سبحانه:
«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
[سورة الأنفال: 45].»
فكانت ألسنة هؤلاء الجنود تلهج بذكر الله عز وجل، وكان لذلك أثر في نفوسهم؛ فبعث فيها الطمأنينة والثبات، ومن أشهر ما رُدِّد في أثناء العبور: «الله أكبر».
3- التخطيط الجيد
في هذه الحرب أدرك الجنود البواسل أن التخطيط المحكم، والتدريب الجاد، ومعرفة مناطق القوة والضعف لدى العدو، من أسباب النصر والتمكين.
فالقيادة المصرية اتخذت الوسائل الممكنة، وجهزت الإمكانات المتاحة من أجل تحقيق النصر، قال تعالى:
«﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾
[سورة الأنفال: 60].»
فالنصر لا يتحقق بالأماني، وإنما يحتاج إلى إعداد جيد، وتخطيط دقيق، وتدريب مستمر، وحسن استثمار للإمكانات المتاحة.
4- وحدة الصف
وهذا من أهم أسباب النصر؛ فالجيش المصري كان على قلب رجل واحد، ونبذ الخلاف والتنازع والفرقة؛ لأن ذلك كله سبب للفشل والضعف.
«﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة الأنفال: 46].»
«﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
[سورة آل عمران: 103].»
فالاجتماع قوة، والفرقة ضعف، ووحدة الصف من أهم أسباب تحقيق الأهداف الكبرى.
5- الشجاعة والتضحية
لم يكن الانتصار في حرب أكتوبر مجرد خطة وُضعت، بل كان وراءها جنود بواسل حملوا أرواحهم على أكفهم، وبذلوا أنفسهم في سبيل الدفاع عن الوطن واسترداد الأرض.
وقد أدرك هؤلاء الجنود أن الدفاع عن الوطن وحمايته من المعتدين مسؤولية عظيمة، وأن التضحية من أجل الوطن والأرض من أعظم صور البذل والعطاء.
6- القيادة الحكيمة
أي عمل كبير يحتاج إلى قيادة واعية وحكيمة، تعرف كيف تخطط، وكيف تستثمر الإمكانات، وكيف تضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
وقد قامت القيادة المصرية في حرب أكتوبر بتوزيع الأدوار، واختيار القوات المناسبة لكل مهمة، وفق ما تقتضيه طبيعة المعركة وتخصص كل قوة وسلاح، بعد دراسة وتخطيط وإعداد.
وهذا دليل على أن العشوائية لا تصنع إنجازًا، ولا تحقق نصرًا، وإنما النجاح ثمرة للتخطيط والإعداد وحسن التدبير.
خاتمة
فنصر أكتوبر المجيد كان ثمرةً تضافرت فيها عوامل عديدة، من إيمان وثبات، وتخطيط وإعداد، ووحدة صف، وشجاعة وتضحية، وقيادة واعية.
وقد أثبتت هذه الحرب أن الوطن يحتاج إلى جيش قوي متماسك يحافظ على أمنه وحدوده، ويحميه من كل معتدٍ.
حفظ الله مصر وشعبها وجيشها، وجعلها آمنةً مطمئنةً، ومنارةً للقاصدين، وصرف عنها كل مكروه وسوء.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
من الذكريات العظيمة التي حفرت في أذهان المصريين حرب أكتوبر المجيدة، والتي تُعَدُّ صفحةً من صفحات التاريخ المشرق للدولة المصرية؛...
عندما نسمع اسم "كنعان"، قد تتبادر إلى الذهن صورة أرض واحدة وشعب واحد ودولة ذات حدود واضحة، لكن الآثار والنصوص...
ثمة أشياء تبدو حاسمة فقط لأننا اعتدنا أن ننظر إليها بالطريقة نفسها. الجدار جدارٌ ما دمنا نراه ارتفاعًا يحجب ما...
لقد سطر الجندي المصري يوم العاشر من رمضان أروع ملحمة جمعت بين أعظم أنواع العبادات الروحية، وهي الصيام والتقرب إلى...