لا يمكن قراءة تاريخ الثورات منفصلاً عن تاريخ الفكر المصرى، عن مسيرة العقل المصرى فى العصر الحديث فمنذ ثورة القاهرة الأولى حين ثارت نخبة العلماء دفاعاً عن الوطن وانحيازاً للشعب الذى خرج لمواجهة المستعمر الفرنسي غير عابئ بمدافع بونابرت التي صوبها ناحية القاهرة ، ومروراً بدورهذه النخبة في تنصيب محمد على والياً على مصر رغم أنف السلطان العثمانى، والثورة التي قادها بشير التقدم رفاعة الطهطاوى ورفاقه من العلماء لإزالة مظاهر التخلف من طريق المصريين إلى عصر النهضة ثم انحيازها ودورها الرئيسى فى الثورة العرابية وما حققته من نجاح على المستويين السياسي والاجتماعى رغم إخفاقها عسكرياً إلا أنها كانت بداية الدعوة الخالدة "مصر للمصريين، ثم ثورة 19 التى تبلور فيها دور هذه النخبة وكان للفن دوراً رئيسياً في ازكاء روح الوطنية وهى اللحظة التى بلغ فيها فكر هذه النخبة أسمى درجات الوعى حين وضعت المسألة المصرية وهوية هذا الوطن هدفاً وغاية ووصولاً لدورها البارز فى الفترة من 2011 وحتى 2013 موضوع هذه السطور.
إن ما يميز المثقف هو الوعى الإجتماعي والدور الذي يمكن أن يلعبه بواسطة هذا الوعى، وذلك وفقا لتعريف هشام شرابي في كتابه "مقدمة لدراسة المجتمع العربي" والذى قسم من خلاله المثقفين إلى أربع فئات الملتزمون الذين يتطابق لديهم الفكر والممارسة، وأهل القلم الذين ينشرون الوعي في الرأي العام، والنوع الثالث العاملون فى حقل التعليم والرابع المهنيون، وقال أيضا إن الفئتين الأكثر تأثيرا في حياة المجتمع هما الفئتان الأكثر تناقضاء الفئة الأولى المتميزة بالتزامها الأيدلوجي وممارستها السياسية والفئة الرابعة المتميزة ببعدها عن الأيدلوجيا والتزامها المهنى ، وفى ٣٠ يونيو ۲۰۱۳ انضم إلى الفئة الفاعلة من المثقفين أهل القلم ، أصحاب الرأى الذين ناضلوا بقوة مع الفئة الأولى التي يتطابق لديها الفكر والممارسة فما تم في الفترة من ۲۰۱۱ وحتى ۲۰۱۳ أثبت دور القوة الناعمة بكل أطيافها فى حياة المجتمع والتي انطلقت من الدفاع عن الهوية المصرية . ففى كل الثورات التي مرت على المجتمع المصرى كان الدفاع عن الهوية الدفاع عن القومية المصرية دافع هذه النخب في الثورة والنزول إلى الشارع والانحياز للشعب حين تتعرض هذه الهوية للخطر، فتاريخ الثورات وتاريخ الحركة القومية لا ينفصلان الحركة القومية كما عرفها عب الرحمن الرافعى فى كتابه "تاريخ الحركة القومية في مصر القديمة " الجهود التي بذلها الشعب المصرى بمختلف طبقاته في سبيل تكوين مصر الحرة المستقلة والذود عن كيانها والدفاع عن استقلالها والثورة على كل من يعتدى عليها ومقاومته بكل ما أوتيت من حول وقوة، ففى عام ٢٠١١ وجد المثقفون أنفسهم في الميدان ليعلنوا وبقوة عن رغبتهم في المشاركة ليس فقط من خلال خروجهم إلى الميادين بل خرجوا في مسيرات خاصة من اتحاد الكتاب ومن نقابة الصحفيين ومنابر ثقافية أخرى، وقدموا الناتج الثقافي لهذه الجماعة شعراً ومسرحاً وفنون أداء في الشوارع والميادين؛ فثمة رغبة في الإعلان بقوة عن غضب النخبة والاحتجاج على نظام ثبت فشله في إدارة البلاد، بالإضافة إلى جرائمه في حق الشعب على مدى ثلاثين عامًا، وكان يسعى بقوة إلى توريث الحكم، ويرغب فى العبث بهوية الشخصية المصرية، حتى وإن تراجع هؤلاء أو بعضهم بعد أن طفت على السطح المؤامرت التى حيكت من الداخل والخارج وظلت حالة الترقب إلى أن احتل الإخوان حكم مصر، فكانت الصدمة قوية وكأنه الزلزال الذي ضرب قلوب الجميع وما زلت أذكر ذلك اليوم الذي تم فيه الإعلان رسميا عن فوز مرشح الإخوان بكرسى الرئاسة، كان الشعور بالهزيمة مدويا، فقد خلت الشوارع من المارة فى المساء إلا من الجماعة، وكانت الأجواء أقرب إلى نكسة ١٩٦٧ التي لم أعشها أنا وجيلي بل شاهدناها فى أفلام السينما، ما زلت أذكر ذلك الشعور المرير بضياع الوطن، بعد أن أريقت دماء المصريين للتخلص من حكومة استبدادية فجاءت الثورة بجماعة من الغزاة والمستعمرين، وإن كانوا يحملون الجنسية المصرية ! لم يستمر تأثير الصدمة طويلاً، لأن جماعة الإخوان أعلنت عن نواياها بوضوحفي السيطرة على المصريين وتدمير هوية هذا الوطن ليس فقط من خلال تقسيمة، فبعد ثمانين عاماً من العمل السرى من الكر والفر مع الدولة المصرية، من العلاقات غير المشروعة والمشبوهة مع دول أجنبية واتفاقات من تحت الطاولات حكم الإخوان مصر لمدة عام في صفقة مشبوهة مع أطراف دولية، وفي كل الأحوال دخل المرشد وحاشيته قصر الرئاسة وسيطروا على كل مفاصل الدولة، وبيدهم قبل يد الشعب المصرى خرجوا من الحكم، خرجوا لأنهم ظنوا أن مصر مجرد شعبة من شعب الجماعة ، وظنوا أنهم حينما يقبلوا أقدام الرئيس الأمريكي سوف يثبتون أقدامهم في حكم مصر، وظنوا أنهم إذا تنازلوا عن سيناء باركتهم حكومة إسرائيل، وإذا أعلنوا ولاءهم للسلطان العثمانى توقف التاريخ المصرى ليبدأ من عندهم، كانت ظنون الإخوان كثيرة ولكنها خابت كلها خابت لغبائهم السياسي أولاً، وبعد ٣٠ / ٦ فقد الإخوان توازنهم ولم يصدقوا أن الدجاجة التي كانت ستبيض لهم ذهبا فرت فجأة من بين أيديهم، لقد فعلوا كل شيء من أجل الحفاظ عليها قبلوا أقدام كل الأطراف المعادية لمصر، والأهم أنهم اعتبروا الشعب المصرى
عدواً، لأن من لا ينتمى للجماعة ومبادئها يستحق اللعنة بل والموت، فمن لم يكن معهم كان عليهم ومن هنا كان ثمة إتجاه واضح لتغيير هوية مصر ليست السياسية فقط بل والثقافية والعمل على ارتدادها الحساب توجهات رجعية متخلفة، بدءاً من منع عروض الباليه بدار الأوبرا، ولقاء مرشد الجماعة بنقيب المهن التمثيلية وقتذاك ووصولا إلى التغيير الجذري القيادات الثقافة والفنون والآداب، مقابل قيادات تدين بالولاء للجماعة وليس لمصر أو الثقافة المصرية و مروراً بالعديد من الممارسات التي تؤكد أن هذه جماعة تتبنى فكراً ينتمى للعصور الوسطى لتمارس أفعالا لا يرتكبها سوى المستعمر حين يشوه حضارة المستعمرات التي يمتلكها، وما فعلته الجماعة لا يختلف كثيراً عما فعله الغازي العثماني سليم الأول في القرن السادس عشر حين امتلك مصر بالخيانة "فراحينهب تراث مصر الثقافي ويحمله إلى الاستانة بعد أن حبس الفين من رجال الحرف والصناعات وكبار المباشرين والتجار والقضاء والأعيان حتى الأخشاب والبلاط والرخام والأسقف والمصاحف والمخطوطات والكراسي النحاسية والمشربيات حملها هذا اللص إلى القسطنطنية" وفقا لوصف الدكتور حسين فوزي في کتابه سندباد مصرى، لتعيش مصر قرونا من الظلام وما أشبه الليلة بالبارحة لقد نظرت الجماعة لمصر والمصريين على أن كليهما غنيمة، غنيمة حرب انتصروا فيها بالخيانة والتحالف مع القوى الأجنبية. فحاصر أعوانها مدينة الإنتاج الإعلامي، والمحكمة الدستورية العليا، حاصروا مؤسسات الدولة المصرية وكلها أفعال تؤكد أننا أمام مستعمر وليس حكومة منتخبة، وهذا ما جعل النخبة تخرج بكل أطيافها على مختلف انتمائها السياسي والأيدلوجي للدفاع عن هوية مصر عن ملامح الشخصية المصرية، وما زلت أذكر هذه المسيرات التي كنت في أحيان كثيرة أبتعد عنها قليلا كي أتأمل الوجوه الى تهتف هتافاً واحداً وأسأل كيف اجتمع هؤلاء في مسيرة واحدة رغم الاختلافات التي تصل إلى حد التناقض والخصام بينهم، كيف تشابكت أيديهم وتلاقت حناجرهم على كلمة واحدة، هذا ما حدث، وقبل أن تتوجه مجموعة من المثقفين إلى الاعتصام في وزارة الثقافة لمنع الوزير الإخواني من الدخول ويقدموا فنونهم، يعلنون عن رغبتهم في تحد صارخ وصريح القوى الرجعية التي تحكم البلاد كانت الميادين والشوارع مهرجاناً أدبيا وفنياً لا ينتهى، ليشهد عام ٢٠١٢ الذي كان نصفه الأول التمهيد لاستيلاء الجماعة على مصر والنصف الثاني الإعلان عن نواياهم بوضوح، وهو أقسى الأعوام التي مرت على مصر والمصريين فكان مزيجا بين الملهاة والمأساة، حيث بدأ العام بهزليات لا تخلو من دلالة، حين طالب البعض من التيارات الدينية التي أصبحت لها الكلمة العليا بإغلاق المواقع الإباحية وشغلوا الناس بهذا الهراء، بينما كان المصريون يجوبون وسط المدينة بالشموع والأكفان حداداً على شهداء ماسبيرو، والمطالبة بالقصاص لكل الشهداء في العام الماضي، كانت التيارات الدينية وجماعة الإخوان تروج المقولة وحيدة منذ اختطافهم للثورة وهي يسقط حكم العسكر لإفساح الطريق للجماعة، وهذا هو عام المليونيات، وتقريبا في كل جمعة أو كل شهر على الأكثر مليونية أي مسرحية هزلية، فهذه مليونية الشهيد، وهذه لتطهير الإعلام، وتلك للشرعية، وأخرى الجنسية أم حازم أبو إسماعيل الأمريكية، أو للدستون أو للاحتفال بالرئيس ومليونية العزة والكرامة.
ورحيل المجلس العسكري أو رحيل أي أحد؟ إلى آخره
من مليونيات، إذ تحولت القاهرة خاصة وسط المدينة وضواحيها إلى فضاء مسرحي يومي اسبوعی، شهری قل ما شئت فرجة يومية هزلية مأساوية، شعبية تجريبية، قل ما شئت أيضا "وكان رد النخبة إبداعا فنيا في الميادين فيمكن أن تشاهد في ميدان التحرير مجموعة من الشباب يحملون نعشا وقد كتبوا عليه: المرحومة دولة القانون يحمل النعش عدد قليل من المتظاهرين يسيرون بالنعش دون أن يتكلموا ومفردات المشهد الصامت تعبر وبقوة عن انهيار دولة القانون، أو أحدهم يعرض في الميدان صورا متتالية المحاولة اقتحام أقسام شرطة ومؤسسات حكومية تبدو على الشاشة مشاهد مسرحية تجريبية، حيث اختلف المصريون بعد أن تكلست أجسادهم وعقولهم، هذا الأداء الجسدى لم يمارسه هذا الشعب منذ زمن طويل.. لقد اعترض المثقفون بإبداعهم الذي يعبر عن هويتهم / الهوية المصرية وما زلت أتذكر هذا المشهد بعد استيلاء الإخوان على حكم مصر في شارع طلعت حرب مجموعة من العرائس التي تمثل طائر النهضة وجنرال يجلس على كرسى وحوله مجموعة من الأقنعة المعلقة في أطرافه، وحوله مجموعة من الناس يمسكون بأواني المطبخ ويستخدمونها كآلة موسيقية وفي المقدمة رجل يرتدى هيكلا الأسطوانة بوتاجاز ويرقص أمام الموكب، وهذه العرائس تتحرك بصورة رائعة وبسيطة، متجهة إلى ميدان التحرير وحولها الناس تحتشد في فرحة غامرة، مشهد ذكرني بفنون الفرجة المسرحية والمحيطاتية ولكن في صيغة حديثة.. تتجاوز مسرح الشارع، فهذا الموكب الذي احتشد حوله الثوار لا يختلف عن التجريسة أو الجرسة التي كانت تقام للمذنب من اللصوص أو الخونة، ولكن هذه المرة من خلال فن العرائس، وكانت التجريسة المرسى وعشيرته، والمسيرات التي كانت تجوب الميادين والشوارع لم تكن سوى صورة حية وإعلان صريح عن احتجاج المصريين دفاعا عن القومية المصرية بكل مفرداتها القومية باعتبارها إطارا رئيسيا لولاء الجماعة في العصور الحديثة، حالة عقلية ونمط .... لوكي، وفي المقام الأول نتاج للتفكير الإنساني، مدرك حسى أكثر منها وجود موضوعی؛ لكنه دائما ما يتجه نحو التحقق في الواقع، نحو ترجمة مفاهيمه الفكرية، إلى حقيقة موضوعية خارج الوعى الإنساني، إنها كذلك رؤية للتحقق الذاتي الجماعي تتوق الجماعة لتجسيدها، وهذا ما أعلنت عنه أفعال النخبة، فمن يتأمل على سبيل المثال أزياء الثوار يفكر جيدا في قراءة في هذا الزي المسرحي خاصة لمن يرتدون الأقنعة التي تجسد شخصيات ورموز مصرية فقد خلقت الثورة ملابس خاصة بها أزياء مصرية من عصورها المختلفة وخاصة الفرعونية وكأنها تحتمى بالتاريخ في مقابل قسوة الحاضر خلقت الثورة فضاء مسرحيا في كل الميادين التي تحولت إلى مشاهد درامية يقدمها الثوار، تحولت إلى مسرح شارع ففى ميدان التحرير - على سبيل المثال يحمل المتظاهرون لافتات تطرح أفكارهم ويطوفون بها الميدان ويلتف حولهم الجمهور ويدور حواربين المتفرجين وحامل اللوحة.
كل ما سبق يؤكد أن المصريين شعروا أنهم في مواجهة جماعة وضعت نفسها في خندق والشعب المصري في خندق آخر فكانت نظرة الجماعة للشعب نظرة العدو فجاءت أفعالها قبل وأثناء وبعد الاستيلاء على الحكم أفعال المستعمر فمن قبل كان التشكيك في الجميع والتأمر مع العدو الخارجي، وأثناء الحكم أعلنت عن نواياها ضد مصر والمصريين وكان المثل الصارخ جلوس قتلة السادات في الصفوف الأمامية إلى جوار محمد مرسى فى ذكرى السادس من أكتوبر ولا يخلو الفعل من دلالة ، وبعد طردهم من الحكم أعلنت الجماعة الحرب على مصر وما زالت، لذلك كان خروج النخبة وانحيازها للملايين التي افترشت الشوارع والميادين يدعمها الجيش جيش الشعب المصرى أمرا بديهيا، ففقدت الجماعة توازنها وأعلنت الحرب على مصر وشعبها بكل طوائفه وطبقاته، لم تصدق الملايين التي حملت أروحها على أكفها، ولم تصدق أن الجيش هو جيش الشعب وليس الحكومة، وأنه في حالة تعرض الهوية المصرية للخطر سوف سوف يخرج المصريون جميعاً يحملون كل ما يعرفون وما يمتلكون من أسلحة للدفاع عن هذا الوطن، منذ خروج العلماء والحرافيش والأعيان والتجار ضد المستعمر الفرنسي في ثورتى القاهرة الأولى والثانية ووصولاً إلى ٣٠ / يونيو ۲۰۱۳ التي خرج فيها الشعب المصرى بكل طوائفه وطبقاته دفاعاً عن مصر.
ورغم الحالة البائسة التي وصل إليها المثقف العربي بشكل عام في نهايات القرن العشرين قياسا إلى ما كان عليه مطلع ذلك القرن حين كان المثقفون أقرب إلى مراكز الفكر والسلطة السياسية، ورغم الدور الذي بدا باهتا، إلا أن دور المثقف المصرى بالتحديد في فترة الحراك الثورى وبالتحديد من ۲۰۱۱ وحتی ۲۰۱۳ والتي اختتمها بدوره فى ٣٠ يونيو، يجعل الدولة ممثلة في كل مؤسساتها تقدر دور الثقافة والمثقف، إذ يجب أن تكون هناك سياسات ثقافية واضحة للنهوض بالوعى بعيدا المهرجانات والاحتفالات، يجب أن يكون بناء العقل المصرى الذي أصبح من المحرمات لسنوات طويلة ليس فقط على ضرورة، بل من أولويات المؤسسات الثقافية، فهناك ثوابت لا يمكن اغفالها ممثلة في ضرورة دعم والإنحياز لحرية الفكر ممثلة في حرية التعبير وحرية الرأى وحرية المناقشة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تحت عنوان تنافس الوجهات السياحية في عصر التسويق الذكي"، تناول تقرير أخير صادر عن مركز دعم واتخاذ القرار، ما حققته...
نجحت ثورة 30 يونيو في استعادة مصر من براثن الجماعة الأرهابية، وبفضل انتفاضة الملايين التى زلزت الميادين تم الحفاظ على...
\يروى لنا الدكتور ممدوح الدماطى وزير الآثار الأسبق في حكومة إبراهيم محلب أهم القرارات التي اتخذها خلال فترة توليه الوزارة...
في ظل ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد تولى الدكتور محمد إبراهيم وزارة الآثار لأربع مرات في حكومات مختلفة ، كان شاهدا...