العدالة الإجتماعية أصبحت واقعاً ملموساً يراه المواطن فى «الجمهوريةالجديدة»

الطفرة فى مشروعات الاسكان خير شاهد..

لم تكن أزمة الإسكان في مصر مجرد تكدس ديموغرافي أو نقص في عدد الجدران والأسقف، بل كانت على مدار عقود طويلة قنبلة موقوتة تهدد السلم الاجتماعي، وعنواناً عريضاً لغياب العدالة، وتجسيداً حياً لإنهاك كرامة المواطن البسيط الذي ظل يحلم بـ "جدار آمن يحميه دون جدوى. وقبل ثورة الثلاثين من يونيو، كانت المؤشرات تدق ناقوس الخطر حول عشوائيات تتمدد كخلايا سرطانية في جسد العاصمة والمحافظات ومناطق غير آمنة تلتهم أرواح ساكنيها تحت صخور الجبال وفي بطون الأودية، وشباب يقفون في طوابير انتظار ممتدة لعقود للحصول على وحدة سكنية تابعة للدولة دون أمل حقيقى في ظل آليات حجز شابتها البيروقراطية والمحسوبية والفساد. غير أن بزوغ فجر الجمهورية الجديدة أحدث انقلاباً جذرياً في فلسفة التعامل مع هذا الملف الشائك، حيث تحول السكن الملائم من : "سلعة" أو "منحة" تجود بها الدولة على فترات متباعدة، إلى "حق دستورى وإنساني أصيل " تلتزم الدولة بتوفيره لجميع فئات المجتمع، مما مهد الطريق لتدشين أكبر مشروع للإسكان الاجتماعي المتكامل في تاريخ الشرق الأوسط لتتحول مصر فى غضون ثلاثة عشر عاماً من دولة تعانى ندرة وتكدساً خانقاً إلى دولة تحقق فائضاً ضخماً من الوحدات السكنية لأول مرة في تاريخها الحديث.

إذا ما عقدنا مقارنة منصفة وشاملة بين حجم مشروعات الإسكان الاجتماعي قبل وبعد ٣٠ يونيو ٢٠١٤، تتضح لنا معالم النقلة النوعية التي خاضتها الدولة المصرية فقبل هذا التاريخ، كان مجمل ما يتم إنشاؤه من وحدات إسكان حكومي المحدودي الدخل لا يتجاوز بضعة آلاف من الوحدات سنويا تفتقر في كثير من الأحيان إلى المرافق الأساسية والخدمات الحيوية، وتبنى في معزل عن التخطيط العمراني المستدام، مما كان يحولها بمرور الوقت إلى بور عشوائية جديدة.

أما بعد الثورة، فقد انتفضت الدولة لتطوى صفحة العشوائية والمسكنات وانتقلت إلى مرحلة "الكتل العمرانية المتكاملة"، حيث قفزت معدلات التنفيذ إلى أرقام غير مسبوقة تترجمها مئات الآلاف من الوحدات التي تم تسليمها بالفعل، والمدن الجديدة من الجيل الرابع التي نهضت من قلب الصحراء لتستوعب ملايين المواطنين في بيئة حضارية تتوفر فيها المدارس والمستشفيات والمناطق الخضراء ودور العبادة، ليتغير مفهوم السكن الشعبي في مصر من صناديق خرسانية ضيقة إلى مجتمعات سكنية تليق بآدمية المواطن وكرامته.

وفي هذا السياق، تؤكد الدكتورة مي عبد الحميد رئيس صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، أن الجمهورية الجديدة نجحت في صياغة مفهوم جديد تماما للعدالة الاجتماعية من خلال توفير سكن كريم لكل مواطن، مشيرة إلى أن حجم الأعباء المالية والتنظيمية التي تحملتها الدولة في هذا الإطار يفوق كل التوقعات، حيث جرى ضخ مئات المليارات من الجنيهات لتمويل مشروعات الإسكان الاجتماعي وسكن لكل المصريين" على مدار السنوات الماضية. وتضيف الدكتورة مي عبد الحميد أن الفائض من وحدات الإسكان الاجتماعي الذي تحقق لأول مرة فى تاريخ الدولة المصرية لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتاج رؤية إستراتيجية واضحة قادها الرئيس عبد الفتاح السيسي لإلغاء قوائم الانتظار تماماً، حيث تم تنفيذ أكثر من مليون وحدة سكنية لمحدودى ومتوسطى الدخل خلال الـ ١٤ عاماً الماضية، وهو رقم يعادل أضعاف ما تم تنفيذه في عقود سابقة مجتمعة. وأوضحت أن الصندوق تمكن من بناء شبكة أمان اجتماعي حقيقية عبر تقديم دعم نقدى مباشر للمستفيدين لا یرد، بجانب تحمل الدولة لتكلفة المرافق والأراضي لتصل قيمة الدعم الممنوح لكل وحدة سكنية إلى مستويات تضمن وصول السكن لمستحقيه الفعليين لافتة إلى أن الدولة لم تتوقف عند حد بناء الجدران بل أسست المنظومة حوكمة صارمة تمنع التلاعب بالوحدات أو متاجرة السماسرة بها، لضمان استدامة هذا المشروع القومى العملاق وقدرته على استيعاب الزيادة السكانية المستمرة وتوفير فائض استراتیجی يلبى الطلب المستقبلي.

ومن جانبه، يرى الدكتور أحمد شلبي، رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب، أن التوجيهات السياسية الصارمة والتشريعات التي سنها البرلمان شكلت القوة الداعمة لتنفيذ البرامج المالية والخطط الطموحة لحكومات الثورة المتلاحقة، والتي نجحت في صياغة نموذج اقتصادی وازن بین الأوضاع الاقتصادية العالمية والمحلية الصعبة وبين الالتزام الصارم بتوفير السكن المناسب لجميع فئات المجتمع دون استثناء. ويشير الدكتور أحمد شلبي إلى أن لجنة الإسكان تابعت عن كتب حجم الإنفاق الحكومي الضخم وضخ الاستثمارات في قطاع التشييد والبناء والمدن الجديدة، والذي تجاوز تريليونات الجنيهات على مدار الـ ١٣ عاماً الماضية، مؤكدا أن هذه البرامج لم تكن مجرد إنفاق استهلاکی بل كانت محركاً رئيسياً للاقتصاد القومى وساهمت في توفير ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، وحمت مصر من الهزات الاقتصادية العنيفة. وأكد رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب أن المعادلة الصعبة التي حققتها الدولة تمثلت في قدرتها على مواصلة بناء مئات الآلاف من الوحدات السكنية المدعومة لمحدودى الدخل بالتوازي مع طرح مشروعات إسكان متميز واستثماري لشرائحأخرى، لتقوم الأرباح والعوائد المحققة من الإسكان الفاخر والاستثمارى بتمويل ودعم مشروعات الإسكان الاجتماعي، وهو ما يعكس عبقرية الإدارة المالية للدولة في زمن الأزمات، ويؤكد أن ثورة ٣٠ يونيو نجحت بالفعل في تحويل العدالة الاجتماعية من شعار براق إلى واقع ملموس يراه المواطن في شقته الجديدة وعقد ملكيته الأمن.

وفي قراءة متعمقة للآليات التنفيذية والديناميكية التي حركت هذا الملف، يوضح المهندس علاء فكرى نائب رئيس شعبة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين أن الدولة المصرية اعتمدت على إستراتيجية متكاملة لتهيئة البنية التحتية القوية التي سمحت للقطاعين الحكومي والخاص بالانطلاق في حركة عمرانية غير مسبوقة، حيث كانت خطة التوسع الأفقى وبناء مدن الجيل الرابع هي المفتاح لفك التكدس حول الوادي الضيق والحد من انتشار العشوائيات. ويلفت المهندس علاء فكرى إلى أن التسهيلات المالية الكبيرة في السداد والمدد الزمنية الطويلة التي وفرتها الدولة بالتعاون مع القطاع المصرفى وصندوق التمويل العقاري عبر مبادرات التمويل العقارى المتعددة بفترات سداد تصل إلى عشرين وثلاثين عاماً وبأسعار فائدة منخفضة ومتناقصة مثلت طوق النجاة للشباب وللأسر المصرية الراغبة في التملك، إذ حولت قيمة الإيجار الشهري المرتفع وغير المستقر إلى قسط تمليك ثابت ومقدور عليه ينتهى بامتلاك أصل عقاري ذي قيمة متصاعدة. وأضاف نائب رئيس شعبة التطوير العقارى أن هذا الحجم الهائل من الوحدات السكنية المنفذة أحدث حالة من التوازن في السوق العقارى المصرى، وساهم في كبح جماح الارتفاعات العشوائية في الأسعار، معتبراً أن نجاح الحكومات المتعاقبة منذ عام ۲۰۱٤ في القضاء التام على المناطق العشوائية الخطرة والمهددة للحياة، ونقل سكانها إلى مجتمعات حضارية تتوفر بها مقومات الحياة الكريمة مثل "الأسمرات" و "بشاير الخير" و"روضة السيدة". يمثل الإنجاز الإنساني الأكبر للثورة، والذي غير خريطة مصر العمرانية والاجتماعية وصحح مساراً خاطئا استمر لعقود طويلة.

وفي ذات السياق التحليلي، يؤكد الدكتور محمد راشد عضو غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية أن الطفرة الإسكانية التي شهدتها مصر على مدار الأربعة عشر عاما الماضية تعد قفزة هندسية واقتصادية بكل المقاييس، بالنظر إلى حجم التحديات والاضطرابات التي مر بها الاقتصاد العالمي والمحلى من أزمات تضخم وتغير في أسعار الصرف ونقص في سلاسل الإمداد. ويرى الدكتور محمد راشد أن الدولة نجحت في امتصاص هذه الصدمات من خلال التخطيط الاستباقي وتوطين صناعات البناء والتشييد، مما مكنها من الاستمرار في معدلات البناء السريعة دون توقف وتحقيق معادلة صعبة تجمع بين الجودة العالية والسعر الملائم للمواطن البسيط. ويشير عضو غرفة التطوير العقارى إلى أن الأثر المباشر للحد من انتشار العشوائيات ومعالجة أوضاع المناطق الخطرة لم يقتصر على الجانب العمراني والجمالي الفائق للمدن فحسب بل امتد ليعيد صياغة الخصائص الاجتماعية والنفسية والصحية للمواطنين، حيث تراجعت معدلات الجريمة، وتحسنت الحالة الصحية للأطفال، ونمت أجيال جديدة في بيئة نقية ومجهزة بالملاعب والنوادي والمدارس الحديثة، مما يؤكد أن الاستثمار في الحجر كان في جوهره استثماراً عبقريا ومستداماً في البشر، وهو المبتغى الأسمى الذي نادت به ثورة الثلاثين من يونيو وتجلت ثمرته في أبهى صورها داخل مجتمعات الجمهورية الجديدة.

وتؤكد عبير عصام عضو غرفة التطوير العقاري باتحاد الصناعات المصرية، أن هذه المشروعات

الحية والقرارات الحاسمة من صناع القرار والدولة المصرية ترسم لوحة متكاملة الأركان الملحمة وطنية بطلها الإرادة السياسية الواعية وصبر المواطن المصري فلم يكن الإسكان الاجتماعي في عهد الجمهورية الجديدة مجرد وعود انتخابية أو مشروعات دعائية عابرة، بل كان معركة بقاء وبناء خاضتها الدولة بكفاءة واقتدار مستندة إلى برامج تمويلية مبتكرة وتنسيق رفيع المستوى بين الوزارات والجهات المعنية، لتنجح حكومات الثورة في تحويل العجز المزمن لسنوات طوال إلى فائض مستدام وتضع حداً نهائياً لغول العشوائيات الخانق مشددة على أن هذا الطريق لك يكن مفروشا بالورود بل أحاطت به أعباء اقتصادية جسيمة تضاعفت مع الأزمات الإقليمية والعالمية، إلا أن الدولة آثرت ألا تتخلى عن دورها الاجتماعي وألا تترك محدودي الدخل فريسة لتقلبات الأسواق، موازنة بحكمة بالغة بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي الهيكلي وبين توفير الحماية الاجتماعية الشاملة التي يعد السكن الكريم عمودها الفقرى، لتثبت مصر للعالم أجمع أن التنمية الحقيقية هي تلك التي تبدأ من المواطن البسيط وتنتهى بتحقيق طموحاته المشروعة في حياة آمنة ومستقرة تحت ظل وطن قوى وعادل.

ومع اكتمال تشييد هذه الملايين من الوحدات السكنية وتواصل العمل في بناء مراحل جديدة يتأكد للقاصي والداني أن أزمة الإسكان المستعصية التي ظن الكثيرون أنها بلا حل قد تلاشت أمام عزيمة ٣٠ يونيو، تاركة خلفها مدنا تضج بالحياة وأسرا كانت تقطن القبور والعشوائيات فأصبحت تمتلك شققاً حضارية مؤثثة بالكامل وشباباً تيسرت لهم سبل الاستقرار وبناء المستقبل بفضل التسهيلات المالية غير المسبوقة وأنظمة السداد المرنة التي راعت قدراتهم المادية. إنها قصة نجاحمصرية خالصة كتبت فصولها بدماء عرق البنائين ورؤية القيادة المخلصة لتظل مشروعات الإسكان الاجتماعي وتطوير العشوائيات شاهداً حياً على أن العدالة الاجتماعية فى مصر لم تعد حبراً على ورق، بل أصبحت واقعاً معاشاً، ولبنة قوية في جدار الجمهورية الجديدة التي لا تترك أحدا خلف الركب وتسير بخطى واثقة نحو مستقبلا تسوده الكرامة والنماء، والأمان لكل أبناء هذا الشعب العظيم.

 	حنان موج

حنان موج

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حياة كريمة
مشروعات الاسكان

المزيد من تحقيقات

سليمان: الثروة الحيوانية حققت قفزات واضحة واقتربنا من الاكتفاء الذاتى فى البيض

في الذكرى الثالثة عشر لثورة تغيير المسار نفتح ملف الزراعة وكيف تعاملت حكومات 30 يونيو وما بعدها تجاه سلة الغذاء...

عادل العدوى: القضاء على فيروس سي اكبر إنجاز على مر التاريخ جاء بعد 30 يونيو

بمناسبة الذكرى الـ 13 لخروج ملايين الشعب المصرى على حكم جماعة الأخوان الأرهابية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا قدمت...

قنديل: «الإرهابية» زرعت عناصرها فى مواقع مؤثرة للسيطرة على القطاع

شهدت مصر في الفترة من 2012 2013 جدلا واسعا حول ما عرف بـ أخونة مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسات التعليمية،...

حياة كريمة.. صياغة الواقع الاجتماعى والاقتصادى فى الريف المصرى

لم تكن المبادرة الرئاسية "حياة كريمة " مجرد برنامج اغاثي مؤقت أو خطة حكومية عابرة لتوزيع المساعدات العينية، بل هي...