إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «16»

عوّاد الفرقة الماسية وأحد رواد مدرسة العزف الحديث الدكتور حسين صابر: طريقة الشيــخ إمام قديمة لكنها عنصر قوة لا ضعف فاقد البصر تركيزه كله فى العزف، وعمار الشريعى أكبر دليل غيرت طريقة العزف سنة 1980 وصنعت صولو «حبيبتى من تكون» العود من أقدم الآلات الموسيقية فى التاريخ.. ونقوش المعابد الفرعونية تشهد على ذلك الحظر جعل أغانى إمام تصل إلى الناس فى دوائر ضيقة وبعد أشهر من إبداعها الفرق واضح: أغانى عبد الحليم كانت مدحًا للثورة.. وأغانى إمام كانت نقدًا للسلطة

فقد الشيخ إمام بصره فى طفولته، لكنه وجد فى العود لغة بديلة لرؤية العالم، لم يكن العود فى يديه مجرد آلة، كان امتداداً لروحه ورفضه وغضبه وحبه، طوّع العود ليخدم كلمات أغانيه، جعل "القصعة" صدى الشارع، و"الأوتار" هتافات الباعة وثرثرة المقاهى وهمسات وضحكات البيوت، فخرجت ألحانه حادّة حيناً، ساخرة حيناً، وحزينة فى أحيان كثيرة.

عن العود، تلك الآلة القديمة، والشيخ إمام، ذلك العازف الأصيل، يتحدث فى هذا الحوار الدكتور حسين صابر.

والدكتور صابر، عوّاد مخضرم، أمضى عمره فى الفرقة الماسية، وعلّم أجيالًا فى كلية التربية الموسيقية بجامعة حلوان، والأهم أنه واحد من رواد المدرسة الحديثة فى العزف، يُكتب اسمه جانب أسماء كبيرة كجورج ميشيل وفريد الأطرش، ومحمود كامل، وعمار الشريعى، وأنغام محمد لبيب.

فى هذا الحوار، يأخذنا الدكتور صابر فى رحلة ثرية مع العود، من وجوده فى المعابد الفرعونية، مرورًا بأسرار تشريح العود وخاماته، ثم يقف أمام تجربة الشيخ إمام عيسى بعين الموسيقى المتخصص؛ ليُقيّمه كعازف وملحن دون مجاملة أو إجحاف.

دكتور حسين، قبل ما نتكلم عن الشيخ إمام، عايز أتكلم عن العود، عن تاريخه، وكيف دخل الموسيقى العربية؟

آلة العود ظهرت من أيام قدماء المصريين، ستجد نقوشًا على معابد الأقصر وغيرها تُبيّن آلات العود بنوعيها: ذو الرقبة القصيرة وذو الرقبة الطويلة، وكان فى الجزيرة العربية آلةً أساسية حاضرة فى التخت الموسيقى، وبعدها انتقل إلى الأندلس، وانبثق منه ما نعرفه اليوم باسم "الجيتار".

 ما هى مميزات العود كآلة موسيقية؟

العود هو أحسن آلة تصاحب الصوت البشرى لأسباب عدة: أولًا، المنطقة الصوتية بتاعته بتخدم الصوت البشرى سواء كان سوبرانو (الأعلى) عند النساء، أو باص (الأعمق) أو تينور (الأعلى) فى الرجال، ثانيًا، هو آلة بيسهل حملها والعزف عليها أثناء الغناء، لأنها بتتحط على الركبة، مش زى الناى مثلًا اللى بيستلزم إن صاحبه يعزف وما يقدرش يغنى فى نفس الوقت، ثالثًا، هو آلة عاطفية جدًا، ولذلك دخلت الموسيقى التصويرية للأفلام التسجيلية والأفلام العاطفية، دلوقتى لما بيكون فى مشهد بين اتنين حبايب بيجيبوا جملة عود جميلة فيها حب وعاطفة ورقة.

 ممكن تشرح العود، العناصر المكوّنة له؟ الخامات والأخشاب والأوتار والنسب؟

لو مسكت آلة العود، هتلاقى أول حاجة "القصعة"، الصندوق اللى بيدخل فيه الصوت وبيرتد تانى، ومجسم القصعة بيتكون من أضلاع خشبية، وأنواع الخشب اللى بتتصنع منها كتيرة منها: البوينجا، والجوز التركى، والجوز العادى أو الجوز الأمريكى، والباليساندر، والساج الهندى اللى يعتبر من الأخشاب القيّمة جدًا، وعدد أضلاع القصعة بيبقى فردى يبدأ من ١٥، ١٧، ١٩، ٢١، ٢٣، إلى ما شاء الله، لكن حجم "القصعة" بيفضل ثابت، يعنى لو أنا هاعمل أكتر من ٢١ ضلع، حجم الضلع ذاته بيبقى أصغر، مثلًا بدل ما مساحته ٢ سم، يبقى ١ سم.

بعد ما القصعة ما تتعمل بيتركَّب عليها وجه العود، الوجه ده من خشب أبيض بيختلف طبعًا فى جودته ونقائه من عود لعود، وداخل وجه العود أجزاء خشبية صغيرة جدًا اسمها دواقيس، وظيفتها إنها بتدور العزف جُوه القصعة، فيرتد للوش ويطلع الصوت، وهنا بيفرق من صانع لصانع حسب المسافات دي؛ فيه بيقول أنا بعمل مساحة الخزنة صوت 11، وواحد تانى بيعملها 9، وواحد تانى 13، ونلاحظ إن الوش فيه فتحات، فيه عود له ٣ فتحات، والعود العربى العادى أو العود المصرى القديم كان بفتحة واحدة، طبعًا بيُضاف على الوش بعض الحليات الشكلية يُستحسن إنها تكون من خشب أو من صدف، وفيه ناس بتستخدم العظم أو الأبنوس، والعظم بيبقى رجل جمل وده بيبقى أفضل بكتير.

نيجى بعد كده للرقبة اللى بيحصل عليها العفق والعزف، بنشد عليها الوتر، ممكن يزيد أو يقل، لو طول الوتر قلّ بيدى نغمة مختلفة تمامًا، الأوتار دى بتمسك فى المفاتيح، المفاتيح دى بنسميها الملاوى، بتتحط فى حاجة بنسميها بيت المفاتيح أو بيت الملاوى، وبعد ما نحط الأوتار ونشدّها بنضبط نغمة أوتار الآلة، الأوتار دى بتتعمل من الكريستال والسلك العادى، ٣ أوتار من السلك والباقى من الكريستال، ده تشريح العود، لكن مفيش عود شبه عود تانى فى الصوت.

 إزاى، ويفرق فى إيه؟

يفرق فى الصانع! فيه مقولة شهيرة جدًا من أحد الصناع، بيقول: أنا بعمل ١٠ أعواد فى وقت واحد، نفس الخشب، نفس الوجه، نفس المفاتيح، نفس الأوتار، فى نفس الشهر، ومع ذلك ما فيش عود فيهم زى التانى فى الصوت، سبحان الله، لذلك تلاقيه بينقّى العود الحلو أوى يشيله لحبايبه، ويبدأ بعدين يبيع فى الأعواد الباقية.

 هل العود بيستلزم مواصفات جسمانية خاصة للعازف؟

إطلاقًا! بدليل إن أنا ممكن أجيب طفل صغير عنده 6 سنوات ونعمله العود الربع، وبمناسبة مقاسات الأعواد، عشان ما اتكلمناش عنهم، هما ٤ مقاسات: مقاس الربع، والنص، والتلت تربع، والربع تربع اللى هو المقاس الكامل، ودول بيتعملوا حسب جسم العازف، العود النص علشان الأطفال اللى عندهم 13 و14 سنة، العود الربع علشان خاطر الأصغر، مسافاته ضيقة على قد أصابع الطفل الست سنوات.

 هل العود يقدر يدينا نفس اللحن بتوزيعات مختلفة؟

العود ممكن يعمل اللحن من مقامات مختلفة، وممكن أعزف عليه مجموعة أصوات مع بعضها، لكن مش توزيع، التوزيع من خاصية أو من عمل الكمانجات، الموزع بيحط التوزيع لآلة الكمان، بيبقوا حوالى 16 آلة.

العود بقى بيقول إيه؟ بيقول الصولو، زى مثلًا الصولو بتاع «حبيبتى من تكون» اللى أنا قلته سنة 1979، ألحان بليغ حمدى وغناء عبد الحليم، قلت الصولو وروحت، لكن التوزيع الجميل الرائع اللى بتسمعه فى الأغنية ده الكمانجات، والعود ممكن أعمل بيه مردّات، أحيانا بابقى رايح أسجل أغنية شبابية، يتطلب منى أعمل مردات، لأنه غالبًا مبيبقاش معاه كمانجات.

 مواصفات الشيخ إمام كعازف عود، شايفه إزاى؟

ممتاز، يؤدّى الغرض، وجميل، فيه طرب، بيخدم كويس أوى على غنائه، بس طريقته قديمة، وده مش غلط أو عيب، دى مدرسة قديمة كانت موجودة فى سنوات الأربعينات والخمسينات، بعد كده، أنا غيّرت الطريقة سنة 1980، والحمد لله مازالت مستمرة حتى الآن، غيرت من إن الريشة بتخبط بعنف لطريقة فيها عفوية، وفريد الأطرش استخدم الطريقة دى، وأنا لما جيت استخدمتها فى الإذاعة مع أحمد فؤاد حسن، لأن الطريقة القديمة مكنتش تخدم المطرب فى إنه يدى لون عاطفي.

لكن مع الشيخ إمام ما ننساش حاجة مهمة جدًا، أنه بيغنى الأغنية السياسية، ودى ما كانتش تستلزم اللون العاطفى، بالعكس، اللون ده بيتطلب الحماس، وده هدفه، إنه يلهب المشاعر، والله أعلم لو كنا طلبنا منه يعزف لحن لزكريا أحمد مثلًا «أنا فى انتظارك» لأم كلثوم، الله أعلم كان هيعزفه إزاى، ممكن جدًا كنا نلاقى شيخ إمام تانى.

 الشيخ إمام، هل يُعتبر واحدًا من أمهر عازفى العود المصريين على مدار التاريخ؟

من أمهر الملحنين، ومن أمهر الناس اللى كانوا بيغنوا، يعنى غناؤه كان سليمًا جدًا جدًا، تلحينه أكتر من رائع، وكان متنوعًا فى استخدام المقامات لأنه قرأ وجوّد القرآن، ودرس المقامات، وبقى الضرب على العود عنده ما هو إلا عامل مساعد يصاحبه فى الملحمة والغناء وخلافه، أما هو كعازف عود، كان كويس، لكن ليس أحسن عازف عود فى العالم.

 عاصرت الوقت اللى كان فيه الشيخ إمام محجوبًا عن الإذاعة والتليفزيون، إزاى كانت أعماله تصل للناس والموسيقيين وقتها؟

هو طبعًا بلا شك كان فيه حظر عليه، نتيجة لأنه كان بينتقد أوضاع سياسية، بالتالى أولو الأمر عملوا حظر على أغانيه، وأصبح التداول بتاعها صعب، مش زى ما أنا أكون بشترى شريط لعبد الحليم من على فرشة من شارع جامعة الدول مثلًا، ونتيجة الحظر ممكن الأغنية ما توصلكش فى ميعادها، يمكن بعدها بسنة مثلًا.

 كنتوا بتستقبلوا الأغانى دى إزاى وقتها؟

كنت بستقبلها على إنه واحد جريء، إنت بتنتقد سلطة، بتنتقد نظام سياسى، فيها جرأة.

 ماحاولتش تدخل دايرته؟

يمكن أنا بالذات مستحيل يشوفنى، مش محتاج يشوفني! لأنى عوّاد، وهو عوّاد كويس وبيعزف حاجاته بالعود، فاهيعوز حسين صابر فى إيه؟

 إيه الفرق فى التأثير على المتلقى، ما بين الشيخ إمام وبين عبد الحليم وأم كلثوم فى تلك الحقبة؟

عبد الحليم وأم كلثوم غنّوا أغانى وطنية، عبد الحليم كان بيغنى لمصر بكلمات صلاح جاهين، أغانى ما فيهاش نقد، أما أغنية الشيخ إمام كلها نقد، الفرق واضح: فيه واحد مع، وواحد ضد.

 أنا أقصد التأثير الفنى من وجهة نظرك كموسيقى — أيهما أكتر تأثيرًا على المتلقّى؟

لو قلنا التأثير فى أى جهة؟ التأثير مع النظام ولا ضد النظام؟ الإجابة واضحة، عبد الحليم كان بيغنى الأغانى كلها تمجيدًا للثورة، قلنا هانبنى وأدينا بنينا السد العالى، الشيخ إمام كانت أغانيه ضد؛ كانت كلها نقدًا للسلبيات اللى كانت موجودة.

 الكفيف بيعانى من مشكلة فى تعلم العود؟

إطلاقًا، إطلاقًا! وأكبر دليل على كده العوّاد الرائع عمار الشريعى، وأكيد إنت سمعت صولوهاته فى تترات المسلسلات، عوّاد رائع، بالعكس، فقدان البصر ده بيخلى درجة التركيز عنده عالية جدًا جدًا، يمكن وأنا باعزف دلوقتى باصّص لحضرتك، فتركيزى منقسم لاتنين، أما بالنسبة للشخص غير المبصر، فتركيزه كله بيبقى فى العزف، فبالتالى عزفه بيبقى جميل، كتير أوى من اللى مش مبصرين بتلاقيهم عازفين رائعين.

 ليه ارتبط فاقدو البصر من الموسيقيين المصريين بآلة العود تحديدًا؟

لأن ميزة العود للى بيغنى مسكته سهلة، بس لو إحنا جينا مثلًا على الأستاذ عمار الشريعى، هو بدايته أصلًا عازف أكورديون وعازف أكورديون شاطر جدًا، وكان عازف أورج بارع جدًا جدًا، فهو بيعزف ٣ آلات بمستوى تمكّن ويبقى بياخد تراكات وينفذها ببراعة شديدة.. يعنى الموضوع مش محدود فى العود وحده، هو موهبة موسيقية شاملة.

 مين صانع عود الشيخ إمام؟

كان فيه واحد اسمه الحاج أحمد محمد، كان فى السيدة زينب، وكان أول واحد صنع أعواد فى سنوات 1920 و1930 و1940، كان بيشتغل عنده بعض الصبية، منهم فتحى أمين، هو اللى كان بيعمل الأعواد من 1955 لسنة 1960، وصناع العود بيسلّموا بعض، زى العازفين، فمن فترة برضه استلم عصام الأميرى، وبيعمل أعواد جميلة على نهج الحاج فتحى واللى قبله، أعتقد إن العود بتاع الشيخ إمام كان صنع الحاج فتحى أمين.

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

شهادات تذاع لأول مرة «15» جلسة نفسية لتحليل الشيخ وأيامه من شاهد على ا
إمام.. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «14»
كتابي "الشيخ إمام في عصر الثورة والغضب
ييببب
شعبان عيسى: الشيخ إمام مظلوم إعلاميًا رغم تأثيره
إمام .. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «10»
إمام .. سيرة أخرى شهادات تذاع لأول مرة «9»
كيف تحوّل صوت مصرى إلى أيقونة نضال فى تونس

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - على نار هادية

المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...

«شاعر الكائنات الهشةوالتفاصيل الصامتة»..شعراء يضيئون تجربة فتحى عبد السميع

نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...

نورا ناجى: «بيت الجاز» أعادتنى للحيـاة بعد إحباط وخذلان

أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة

شاكر عبد الحميد فى «الأدب والجنـون»: «%90 من العباقرة مضطربون»

«الأعمال الكاملة» سلسة كتب تصدرها هيئة الكتاب لاستعادة الذاكرة الثقافية «لوتريامون» أول شاعر سوداوى ترك بصماته على قصيدة النثر