تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من البحر وأبدع قصيدته «إلى عرفات الله» يحيى حقى وصفها بأسلوب أدبى يجمع بين الوصف الدقيق والعامل الروحانى أنيس منصور: كأننى كنت نائمًا وصحوت على ضوء الفجر
رحلة أداء فريضة الحج فى النفس البشرية هى رحلة الروحانيات، والتحليق إلى أبعد مدى بما تطيقه كل نفس، وإن كان هذا على العموم، فما بالك بالخاصة أصحاب الخيال، والنسج الروائى والشعرى من الأدباء والكتَّاب، فالتجربة مختلفة ويسبقها تحضيرات تخيلية، واستعداد نفسى مختلف، ويلحقها إبداع يزيد القارئ متعة وشوقا روحانيا لزيارة الأماكن المقدسة، وخوض التجربة بمخيلة الأديب.
كان الأديب والروائى محمد حسين هيكل، قد أدى فريضة الحج عام 1936 ووثق رحلته فى كتاب "منزل الوحى"، وبدأ الكتاب منذ أن فكر فى رحلة الحج قائلا: اتجه تفكيرى إلى الحجاز، ومناسكه، وجعلت أصور بنفسى ما أنا ملاقيه فى هذه المناسك، وما أنا مشاهده فى البلد الحرام، والبلاد المقدسة، واطمأن عزمى عند سماع محاضرة باللغة الإنجليزية لصديقى الأستاذ المجرى "جون مرمانوس"، الذى أسلم وتسمى باسم عبد الكريم، يتكلم عن الحج وشعائره ومناسكه، وما كان منه فى نفسه من أثر عميق.
ويضيف: ما لبثت حين تخطيت الباب، والمكان المسقوف من المسجد، حتى تبدت لى الكعبة، قائمة وسط المسجد، وقد انسدل على جدرانها لباسها الأسود المطرز بوشى الذهب، يتحدث لى، دون أن يلفتنى أحد إليها، وتبدت لى وكأنى عرفتها من قبل، وطفت بها من قبل ذلك مرات ومرات، وما لى لا أعرفها، وقد رأيت كسوتها يطاف بها فى القاهرة عند طفولتى، وقد تبعت هذه الكسوة مرات عدة، فى سنوات متعاقبة، حيث كانت تنقل من القلعة إلى بيت القاضى، مارة بالمشهد الحسينى، وهذه الجموع التى كانت تسير مثلى وراءها، فى هذا المشهد الحافل الرهيب، فتشد إليها بصرى، وظفر نحوها قلبى، ولم يعد فؤادى عنها منصرفا، حين بلغت الكعبة، واندمجت.
أما صاحب "قنديل أم هاشم"، الروائى يحيى حقى فتجربته مع الرحلة تميزت بالخصوصية الأدبية والثقافية، إذ لم يتناولها فى أعماله الروائية، أو القصصية، بل أفرد لها مساحة خاصة فى مقالاته الصحفية، ثم جمعها فى كتابين بعنوان "من فيض الكريم"، و"هموم ثقافية". وبجانب وصف الرحلة وروحانياتها، تطرق حقى إلى جوانب تاريخية مهمة عن خروج المحمل من القاهرة، وما يصاحبه من احتفالية، ورصد الخلاف الذى حدث بين الملك فؤاد، والملك عبد العزيز آل سعود بسبب الموسيقى والاحتفال المصاحب لرحلة خروجه من القاهرة، ولكنه فى وصفه للشعائر كان يركز على المشاهد الروحانية، وتفاصيل رحلة الحج، بأسلوب أدبى يجمع بين الوصف الدقيق، والعامل الروحانى، فهو حالة من الذوبان فى الجماعة المؤمنة، حيث تختفى الفوارق بين الناس، ويتحول الإنسان إلى روح تبحث عن الطمأنينة. وعن يوم عرفات يقول: "فى ساحة عرفات رأيت كيف يكون يوم الحشر، وكيف يجأر الناس جميعا، وكأنما من حنجرة واحدة، بإعلان التوبة، وطلب المغفرة".
"كله إلا ركوب الجمال يا أفندينا"، هذه أشهر عبارة اعتذار عن الهروب من الموكب الخديوى لأداء فريضة الحج، قالها أمير الشعراء أحمد شوقى. والحكاية كما حكاها ابنه حسين شوقى فى كتابه "أبى شوقى" يقول: "فى عام 1909، قرر الخديو عباس حلمى الثانى أداء فريضة الحج، واصطحب معه والدته أمينة هانم إلهامى، وعددا من كبار رجال الدولة، ووكيل الأزهر الشيخ محمد شاكر، والمؤرخ أحمد شفيق، وجمعا من الباشوات، وما كان من الخديو أن يصطحب هذا الجمع كله، ويترك صديقه أحمد بك شوقى، صديقه المقرب، وشاعر البلاط الخديوى، ليكون رفيقه فى رحلة الحج، وحاول شوقى التملص من الرحلة، فكان يخاف من ركوب الخيل والإبل، ولكنه لا يستطيع أن يعتذر، فهو ليس أكثر ترفا من أم الخديو التى ستكون ضمن هذا الوفد، فى صحبة الخديو".
ويواصل حسين شوقى حديثه عن الحادثة قائلا: لم يكن أبى أنانيا عندما تخلى عن ركب الخديو، حيث يسافر إلى الحجاز، ليؤدى فريضة الحج، ولكن لما بلغ ركب الخديو "بنها" اختفى منه، وجعل الخديو يبحث عنه، ولكن دون جدوى، وكان أبى قد اختبأ عند أحد أصدقائه، ولما عاد الخديو من فريضة الحج، وأخذ يلوم والدى على فعلته، اعتذر قائلا: كله إلا ركوب الجمال يا أفندينا. ولكى يعوضه عن هذا التقصير، نظم قصيدة ترحيب وتهنئة بالحج الطويل:
إلى عرفات الله يا ابن محمد
عليك سلام الله فى عرفات
وعسانى إليك الصالح بن محمد
فكان جوابى صالح الدعوات.
القصيدة غنتها أم كلثوم، بعد أن أجرت عليها بعض التعديلات فى مطلعها، لأنها كانت مديحا للخديو، وتعتبر من أيقونات الغناء الدينى فى موسم الحج. ولحنها السنباطى.
الأديب عباس العقاد، كان معروفا عنه الاهتمام بالتفاصيل، وقد أفرد للرحلة حديثا موسعا عن الحرم، وزيارته لغار حراء، وتسلقه للجبل، حتى جلس فى موضع جلوس النبى فى الغار. ولكن اللافت، هو تتبعه لحمام الحرم، فقال: "أخذنى بجماله فى جوار البيت الحرام، وهو منظر الحمام الآمن الوادع فى ذلك المقام، لا يخشى، ولا يفزع، بل يظل طوال نهاره فى طواف، على الأرض وطوافا فى الهواء، وأعجب ما سمعت، أنه يطوف حول الكعبة، ولا يعلو عليها، فرادى، ولا جماعات، وقد سمعت بهذه الخاصة فى حمام البيت قبل أن أراه، فلما رأيته فى طواف العمرة، وطواف الوداع تحريت أن أتعقبه فى كل مذهب من مذاهب مطاره، فإذا هو كما سمعت يطوف ولا يتعدى المطاف إلى العبور".
"إننى لا أدعو إلى دين جديد، وإنما إلى إحساس جديد بالدين، كأننى كنت نائما وصحوت، على ضوء الفجر، أو كنت ساهرا فامتدت ملايين الأصابع تهدئ كل ما هو نافر فى رأسى وفى قلبى". هكذا عبر الكاتب أنيس منصور عن شعوره بعد رحلة الحج فى كتابه "أيام فى الأراضى المقدسة".
كانت زيارة عميد الأدب العربى سنة 1955 للأراضى المقدسة لأداء فريضة الحج حدثا تاريخيا هز الوسط الثقافى، الزيارة احتفت بها المملكة، واستقبله الملك عبد العزيز آل سعود، ووفود بعثة الأزهر على رأسها الشيخ محمد متولى الشعراوى. وبعد العودة من الرحلة، أجرى الشاعر كامل الشناوى حوارا معه لمجلة "آخر ساعة" قال له فيه "سافرتم إلى المدينة المنورة فى طائرة صغيرة، خطرة، مع أنكم لا تركبون الطائرات أبدا، وسبق أن رفضتم دعوات مهمة جدا لأمريكا والهند وروسيا، لأنها كانت تستلزم ركوب الطائرة، ولم تلبوا حتى دعوات ابنتكم، وصهركم، وهما فى منصب فى السلك الدبلوماسى فى أى بلد"، مندهشا من إقبال العميد على السفر للحج بالطائرة، فرد عليه طه حسين قائلا: لم يكن من الممكن أن أتخلف عن هذه الزيارة، ولم تكن هناك طريقة أخرى غير الطائرة، حتى انه لابد لى من زيارتها، ولولا خوفى من الغرور لقلت إنها كانت دعوة من خارج النفس، دعوة "آمرة".
ويستفهم الشناوى عن المقصود بـ"الآمرة". فقال العميد: "دعوة آمرة لابد أن ألبى، لقد قال لى الأستاذ أمين الخولى "إن الطريق البرى إلى المدينة مقطوع، بسبب السيول الغزيرة هذا العام، ألا تؤجل زيارة المدينة هذه المرة؟ فقلت:"لن أغفر لنفسى أبدا. شوقى إلى هذه الزيارة يتزايد منذ أكثر من سنتين".
فى كتابها "معك" قالت سوزان، زوجة العميد عن رحلته الحجازية: "كان يقول: حقا إن الاسلام دين الصفاء والتسامح".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بطول الرصيف الواسع الممتد، اصطفت الماشية: أغنام وأبقار تحديداً، وبما أن العيد الكبير، عيد الأضحية، اقترب، فالمنظر يبدو مقصوداً، وغريباً...
تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من...
شخصيات لها تاريخ «102» مذابح الأرمن المسيحيين وقعت فى عهده وبتوجيه منه ورفض إقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين...
إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم...